تجاوز إلى المحتوى

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

السيفيات (٧)

الأصائل: واحدها أصيل، وهو آخر النهار والنسيم: الريح الطيبة التي يلتذ بها، وأراد به قرب الحبيب.

يقول: كيف ألتذ بأوقاتي: الغدوات والعشيات، مع أني بعيد عمن أهواه، إذا لم تعد إلى أوقاتي في الأصائل والضحى؛ لأنها أطيب الأوقات، لا حر فيها يؤدي، ولا برد شديد، وخص الأصائل والضحى ليعلم أنه إذا لم يلتذ بأطيب الأوقات فكيف يلتذ بغيرها؟

ذكرت به وصلاً كأن لم أفز بهوعيشاً كأنّي كنت أقطعه وثبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»

الباء: بمعنى في أي في الربع، وهو متعلق بذكرت أي ذكرت في الربع، كقول النابغة: وما بالربع من أحد.

وقيل: إن الباء متعلق بقوله: وصلاً وعيشا أي ذكرت وصلاً وعيشاً كان لي به أي فيه. والهاء في قوله: لم أفز به للوصل وفي أقطعه للعيش.

يقول: لما وقفت بهذا الربع تذكرت عيشاً مر لي فيه، كأني لم أظفر به من قصر، كأنه لم يكن، كما قال عبد الصمد بن المعذل:

شبابٌ كأن لم يكنوشيبٌ كأن لم يزل
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «بكيت لقرب الأجل»

وتذكرت عيشاً كان من قصره وقصر أوقاته وكل نعمة فيه، كأنه قصر وقت الوثب، فكل زيارة من الحبيب وثبة، ولك ساعة من اللقاء والاجتماع وثبة، والوثب في معنى قصر الوقت وقصر العيش. وفيه معنى بديع ومبالغة حسنة.

وفتّانة العينين قتّالة الهوىإذا نفحت شيخاً روائحها شبّا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»

وفتانة: عطفاً على قوله: ذكرت وصلاً وعيشاً أي ذكرت جارية تفتن الناس بحسن عينيها، وتقتلهم بهواها، ولو اتصلت روائحها بالشيخ، لعاد إليه شبابه، وهذا كقولي الأعشى:

لو أسندت ميتاً إلى صدرهاعاش ولم ينقل إلى قابر
لها بشر الدّرّ الّذي قلّدت بهولم أر بدراً قبلها قلّد الشّهبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»

البشر: جمع بشرة، وهي ظاهر الجلد. والشهب: قيل: إنه جمع شهاب وهو النجم. وقيل جمع أشهب، وهو أيضاً النجم، والتأنيث كله للفتانة والهاء في به للدر.

يقول: هي في نعومة بشرتها كالدر الذي قلدت به، وهي في الحسن كالبدر. والدر الذي عليها كالنجوم، وما رأيت بدراً متقلداً بالدر حتى رأيتها. والأول أليق بذكر البدر.

فيا شوق ما أبقى! ويالي من النّوىويا دمع ما أجرى! ويا قلب ما أصبى!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»

وأصله: يا شوقي ما أبقاك! ويا دمعي ما أجراك! ويا قلبي ما أصباك! فحذف الياء من المنادى كما تقول: يا غلام وحذف ضمير المفعول الذي هو المتعجب منه ويجوز الرفع في قوله: يا شوق ويا دمع ويا قلب على أن يكون نداء مفرداً وقوله: ويالي من النوى توجع منه لنفسه فيما لقي من ألم النوى، ومعناه يا شوقي ما أدومك، ويا دمعي ما أجراك، ويا قلبي ما أشد صبوتك.

لقد لعب المشتّ بها وبيوزوّدني في السّير ما زوّد الضّبّا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

المشت: المفرق، من أشت جمعهم، وشت القوم: تفرقوا. وفاعل ما زود ضمير البين وهو السفر، ومعناه زودني البين في سيري، ما زود البين الضب في سيره وما في موضع النصب. قوله: لعب البين بها وبي أي فرق بيننا. وقوله: زودني إلى آخره معناه: لم يزودني البين من حبيبتي شيئاً أتعلل به بعد فراقنا: كالقبلة والعناق، وغير ذلك. إلا التفرق. وخص الضب لأنه يتبلغ بالنسيم، ولا يرد الماء، ولا يشرب بل يكتفي بنسيم الرياح عند العطش، فكأنه قال لم يزودني البين من حبيبتي شيئاً إلا النسيم والتعلل به كما يتعلل الضب به. وقال أبو علي بن فورجة. معناه أن الضب إذا فارق حجره ضل وتحير، لأنه لا يهتدي للرجوع إليه، على ما ضرب به المثل فقيل: أضل من ضب، وأتيه من ضب، وأحير من ضب. فكأنه قال زودني البين في رحيلي حيرة الضب إذا فارق حجره. أي سرت متحيراً واله العقل.

ومن تكن الأسد الضّواري جدودهيكن ليله صبحاً ومطعمه غصبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»

ومن تكن: عنى به نفسه أي من كان شجاعاً كالأسد، لم يثنه الليل عن مرام ولا يحول بينه وبين مراده ظلامه ليل، فهو مثل الصبح يسعى فيه لطلب مآربه، وإذا حاول أمراً أو طلب مالاً، تناوله غصباً وقسراً. ومعناه أن الممدوح أسد ومن كان أسداً كان جده أسداً لا محالة، وليس المراد به من كان له أب أو جد شجاع، لأنه قد يكون أبوه شجاعاً وهو جبان.

ولست أبالي بعد إدراكي العلاأكان تراثاً ما تناولت أم كسبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»

يقول: إذا نلت الشرف ومعالي الأمور، فلا أبالي بأن يكون ذلك موروثاً، أو مكتسباً. ومثله:

نفس عصام سوّدت عصاماوصيّرته ملكاً هماما
فربّ غلام علّم المجد نفسهكتعليم سيف الدّولة الدّولة الضّربا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: رب إنسان علم نفسه المجد من غير أن يعلمه أحد، لأن طبعه وجوهره يحمله عليه، ولأنه إذا نظر في أفعال المجد يحمل نفسه عليها، حتى يبلغ إلى منازلهم، كما أن أهل الدولة إذا نظروا إلى مواقف سيف الدولة في الحروب، وشجاعته فيها تعلموا منه الضرب، واقتدوا به في أفعاله، فكأنه هو الذي علم الدولة الضرب أي أهل الدولة، فحذف أهل.

إذا الدّولة استكفت به في ملمّةٍكفاها فكان السّيف والكفّ والقلبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»

الملمة: المصيبة، والشدة. يعني: إذا نزلت بالدولة ملمة، فاستعانت به. أراد سيف الدولة وهو الخليفة كفى الدولة تلك الحادثة، فكان لها سيفاً وكفاً وقلباً: لأن السيف لا يعمل إلا بالكف، ولا يضرب به الكف حتى يشيعه القلب، وسيف الدولة يستغني عن ذلك، فهو السيف والقلب والكف، فيكفي الدولة ما ينوبها، ولا يحتاج إلى ناصر ومعين.

تهاب سيوف الهند وهي حدائدٌفكيف إذا كانت نزاريّةً عربا؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»

الحدائد: جمع حديدة، وهي نصل السيف. يقال: سيف جيد الحديدة، أي جيد النصل.

يقول: إذا كانت سيوف الهند يحذر منها ويهاب بأسها، وهي حدائد لا تعمل حتى تجد ضارباً بها، فسيف الدولة الذي هو عربي يضرب بنفسه رءوس الفرسان، وكذلك قومه، الذين هم من نزار، أولى بأن يخاف منهم، ولهذا قال: إذا كانت نزاريةً عربا.

ويرهب نناب اللّيث واللّيث وحدهفكيف إذا كان اللّيوث له صحبا؟!

يقول: إذا كان الليث يتقي نابه، ويخاف افتراسه وهو وحده، فلأن يتقي سيف الدولة وحوله الليوث أولى وأجدر.

ويخشى عباب البحر وهو مكانهفكيف بمن يغشى البلاد إذا عبّا؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»

عباب البحر: تراكم أمواجه. يقال: عب البحر إذا ماج. وقيل: عبابه: صوت أمواجه. ومكانه: نصب على الظرف.

يقول: يخاف موج البحر إذا اضطرب، وهو مستقر مكانه، فكيف لا يخاف البحر الذي يملأ البلاد بخيله ورجله؟!

عليم بأسرار الدّيانات واللّغىله خطراتٌ تفضح النّاس والكتبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»

اللغى: جمع لغة، والخطرات: جمع خطرة، وأراد به الخواطر يقول: هو عالم بأحوال الناس وديانتهم، ومذاهبهم، واختلاف ألسنتهم، ولغاتهم، وله خواطر يستنبط بها ما ليس في الكتب وما لا يدركه الناس ولا يجري على قلب أحد.

فبوركت من غيثٍ كأنّ جلودنابه تنبت الدّيباج والوشى والعصبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»

العصب: ضرب من برود اليمن.

يقول: بارك الله فيك أيها الغيث، فإن الغيث يكسو الأرض أنواع الأزهار وأصناف النبات والأنوار، وأنت تكسونا الخلع النفسيه من ضروب الوشى والديباج، فكأن جلودنا أنبتت هذه الثياب، كما أنبتت الأرض النبات بالغيث. شبه الجلود بالأرض، والخلع بالنبات، وسيف الدولة بالغيث.

ومن واهب جزلاً ومن زاجر هلاًومن هاتك درعاً، ومن ناثرٍ قصبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»

وهذا معطوف على قوله: فبوركت من غيث، ومن واهب، وهلا: زجر للخيل، ينون على النكرة ولا ينون على معنى المعرفة، وذلك كناية عن كونه فارساً مقتدراً، على أن يصرف فرسه كيف شاء والقصب: الأمعاء وروى: باتر قصبا أي قاطع أمعاء.

يقول: بوركت من واهب كثيراً، وزاجر فرسه في المعركة، وهاتك درع عدوه عليه بسيفه، وناثر أمعاءه: إذا أصاب جوفه ونثر أمعاءه على الأرض.

هنيئاً لأهل الثّغر رأيك فيهموأنّك حزب الله صرت لهم حزبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»

نصب هنيئاً على المصدر، وقيل: على الحال لفعل مضمر، أي ثبت رأيك هنيئاً وحزب الله نصب لأنه منادى مضاف، والثغر: مدينة مرعش.

يقول: هنأ الله أهل الثغر بحسن رأيك فيهم واهتمامك بأمرهم، وهنأهم الله، يا حزب الله، أنك صرت لهم حزباً وجيشاً وناصراً، تعاونهم وتذب عنهم.

وأنّك رعت الدّهر فيها وريبهفإن شكّ فليحدث بساحتها خطبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»

الكناية في فيها وساحتها راجعة للثغر، وأنثه على معنى المدينة، أو البلدة، أو الأرض، وفاعل فليحدث ضمير الدهر، وخطبا مفعوله، وفاعل شك ضمير الدهر أيضاً.

يقول: وهنيئاً لهم انك خوفت الدهر في هذه المدينة، وخوفت حوادثه، فإن شك الدهر في ذلك، فليحدث بساحة هذه المدينة خطبا، ولينزل بها حادثة.

فيوماً بخيلٍ تطرد الرّوم عنهمويوماً بجودٍ تطرد الفقر والجدبا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: لا تزال تذب عنهم، وتحامي عليهم، فإن قصدهم الروم طردتهم بخيلك، وإن نازلهم فقر وجدب كشفته عنهم بجودك وأفضالك.

سراياك تترى والدّمستق هاربٌوأصحابه قتلى وأمواله نهبى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»

يقول: سراياك متصلة إلى الروم، والدمستق لا يثبت لها بحال، أي من قتلك أصحابه، وأمواله نهبة للمسلمين.

أتى مرعشاً يستقرب البعد مقبلاًوأدبر إذ أقبلت يستبعد القربا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

مرعش: مدينة كان سيف الدولة جدد بناءها.

يقول: أتى الدمستق مدينة مرعش وهو مسرور، لطمعة فيها، فكأن الأرض تطوى له، والبعيد يقرب عليه، فلما قصدته ولى مدبراً، وهو شديد الغم، وطال عليه الطريق فصار قريبه بعيداً ومثله:

أرى الطّريق قريباً حين أسلكهإلى الحبيب بعيداً حين أنصرف
للشاعر ابن الهبارية، اقرأ القصيدة

ومثله لتوبة:

وكنت إذا ما زرت ليلى بأرضهاأرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها
كذا يترك الأعداء من يكره القناويقفل من كانت غنيمته رعبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»

أراد بالأعداء: سيف الدولة، وجيشه.

يقول: من يكره أن يقتله أعداؤه، هكذا ينهزم ويرجع، ولم يغنم في قتاله إلا الخوف.

وهل ردّ عنه باللّقان وقوفهصدور العوالي والمطهّمة القبّا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»

يقول: قد فر بين يديك، لعلمه أنه لا يقاومك؛ لأنه لما ثبت لك حين لقيته على اللقان، قتلت أصحابه، وغنمت أمواله، ولم يرد عنه وقوفه الرماح، فلهذا لم يقف لك الآن، والقب: جمع أقب، وهو الضامر من الخيل.

مضى بعد ما التفّ الرّماحان ساعةًكما يتلقّى الهدب في الرّقدة الهدبا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أراد بالرماحين: رماح العسكرين، فثنى الجمع، كأنه قال: رماح هؤلاء ورماح أولئك. والهدب: شعر الجفن، شبه التفاف الرماح واشتباكها، عند الطعن باشتباك الأجفان عند النوم.

يقول: ثبت لك على اللقان ساعة، فلما اشتبكت رماح العسكرين، ولى منهزماً، وكأن اشتباك الرماح كالتقاء الهدبين إذا نام الإنسان.

ولكنّه ولّى وللطّعن سورةٌإذ ذكرتها نفسه لمس الجنبا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

السورة: الحدة، والشدة، وقوله: إذا ذكرتها نفسه إلى آخر البيت: صفة لسورة.

لما اشتد الطعان ولى، وقد امتلأ قلبه خوفاً، وكلما ذكر سورة الطعن، لم يصدق أنه سلم منها فيلمس جنبه، هل هو صحيح أم مطعون؟ ومثله لأبي نواس:

إذا تفكّرت في هواي لهلمست رأسي: هل طار عن جسدي؟
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «إني لصب ولا أقول بمن»

وقيل: معناه يلمس جنبه وينثني عليه خوفاً من أن تنشق مرارته من الخوف كما قال آخر:

وأذكر أيّام الحمى ثمّ أنثنىعلى كبدي من خشيةٍ أن تصدّعا
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «حننت إلى ريا ونفسك باعدت»

وقيل: إنه يلمس الجانب الذي فيه قلبه، هل يخفق قلبه خوفاً أم لا؟!

وخلّى العذارى والبطاريق والقرىوشعث النّصارى والقرابين والصّلبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»

العذارى: جمع عذراء، وهي البكر، وشعث النصارى: الرهابين جمع أشعث، والقرابين: خاصة الملك. والصلب: جمع صليب.

المعنى: أنه ترك هذه الأشياء وترك عسكره وبلاده وجميع ما فيها، ونجا بنفسه خوفاً منك.

أرى كلّنا الحياة بسعيهحريصاً عليها مستهاماً بها صبّا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

المستهام، والصب: بمعنى. روى بسعيه وبجهده والمستهام: العاشق.

يقول: كل أحد يحب نفسه وحياتها، ويسعى ليدفع عن نفسه الضرر والهلاك.

فحبّ الجبان النّفس أورده التّقىوحبّ الشّجاع النّفس أورده الحربا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»
ويختلف الرّزقان والفعل واحدٌإلى أن ترى إحسان هذا لذا ذنبا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

النفس: منصوبة بحب في الموضعين؛ لأنه مصدر، فيعمل عمل الفعل وأورده: فعل، فاعله ضمير الحب.

يقول: كل أحد يطلب لنفسه البقاء، فالجبان يحذر لقاء الأقران، ويستعمل الخوف إبقاء على نفسه وطلباً لنجاته، والشجاع، يطرح نفسه في المهالك ويباشر القتال طلباً لاستبقاء النفس، بدفع الشر والأعداء عن نفسه، وإبقاء للذكر الجميل بعده، والقصد منهما واحد: وهو طلب الحياة، والسعي مختلف.

يقول: إن الجبان والشجاع قد اتفق فعلاهما في طلب الحياة، واختلف رزقاهما؛ لأن رزق أحدهما المدح، ورزق الآخر الذم.

وقيلك معناه أن الشجاع أعطى الحياة التي طلبها، والجبان حرم ذلك، لأنه في حال حياته ميت فكيف بعد الممات؟! وقيل: إن الشجاع رزق موتاً هو كحياة، لبقاء الذكر له، ورزق الجبان حياة هي كممات لحصول الذم له.

وقيل: رزق الشجاع رفاهية ورغدا، والجبان شقاء وتعباً.

وقوله: إلى أن ترى إحسان هذا لذا ذنبا معناه: أن الشجاع إذا تعرض للقتل حتى يقتل، كان ذلك عنده إحساناً إلى نفسه، وذلك عند الجبان أكبر ذنب لإلقائ بنفسه إلى التهلكة، والجبان إذا أحسن إلى نفسه بترك الحرب وطالب الصلح، يراه الشجاع ذنباً.

وقيل: معناه أن الجبان إذا علم - مثلا - أنه لا ينتقم من اللاطم لجبنه، كان هذا إحساناً إلى اللاطم، لنه عفو في الظاهر، وهو ذنب عظيم عند الشجاع. وفي جميع هذه الوجوه يكون البيت متصلا بما قبله.

وقد قيل: إنه منقطع عما قبله ومعناه: أن الرجلين ربما طلبا أمراً من وجه واحد فيرزق هذا، ويحرم الآخر، فيكون ذلك الفعل إحساناً لأحدهما يرزق به، وذنباً للآخر يحرم لأجله. ومثله الآخر:

يخيب الفتى من حيث يرزق غيرهويعطى الفتى من حيث آخر يحرم
فأضحت كأنّ السّور من فوق بدؤهإلى الأرض قد شقّ الكواكب والتّربا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

فأضحت: أي مدينة مرعش، وفوق: مضموم كقبل وبعد.

يقول: كأن سورها ابتدئ ببنائه من فوق، حتى انتهى إلى الأرض، فأصله شق الكواكب، وطرفه شق الترب: أي الأرض، وقيل: أراد بالترب: الغبار الذي ارتفع إلى السور من الحرب حواليه، أي أنه شق الغبار المرتفعة وجاوزها، وشق الكواكب أيضاً.

وقيل: أراد أن سورها لاتساعه على وجه الأرض كأنه شق الترب لطوله، وكأنه قد شق الكواكب وهو كعكس قول السموءل:

رسا أصله تحت الثّرى، وسما بهإلى النّجم فرعٌ لا ينال طويل
للشاعر السموأل، من قصيدة «إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه»
تصدّ الرّياح الهوج عنها مخافةًوتفزع فيها الطّير أن تلقط الحبّا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الرياح الهوج: الشديدة الهبوب، التي لا تثبت على سمت واحد.

يقول إن الرياح لا تجسر أن تمر بها، وتخاف الطير أن تلقط منها الحب؛ لأنها إذا لقطت الحب نقصت من حبوبها، وذلك إضرار بها، وأنت قد أحميتها من كل ضرر.

والمصراع الثاني ضعيف؛ لأن الطير في كل موضع، تفزع أن تلقط الحب، فلا وجه لعطفه على الرياح.

وقيل في المصراع الأول: إن الرياح تعدل عنها؛ لطول السور الذي رفعتها في الجو والأولى أنه يريد أنها تعدل للهيبة.

وتردى الجياد الجرد فوق جبالهاوقد ندف الصّنّبر في طرقها العطبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»

وتردى: من الرديان، وهو ضرب من العدو، وأراد بالصنبر: ها هنا السحاب البارد، وقيل: أراد البرد والعطب: القطن.

شبه الثلج على الجبال بقطن مندوف.

يقول: إن خيلك تطوف فوق جبال مرعش وحولها وتحرسها، والثلج على جبالها كأنه قطن مندوف، والضمير في جبالها لمرعش، وفي طرقها للجبال.

كفى عجباً أن يعجب النّاس أنّهبنى مرعشاً تبّاً لآرائهم تبّاً!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»

التب الخسران، وأراد به الدعاء على آرائهم، كقولك: قبحاً له. وفاعل كفى أن يعجب، لأن أن مع صلتها كاسم مفرد وعجباً نصب على التمييز وتباً على الذم أو على المصدر.

يقول: ليس من العجب بناؤه مرعش، ولكن العجب استعظام الناس وتعجبهم من بنائها.

وما الفرق ما بين الأنام وبينهإذا حذر المحذور واستصعب الصّعبا؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»

إذا كان يحذر من الأمر المحذور، ويصعب عليه الأمور الصعبة، مثل سائر الناس، فأي فرق بينه وبين سائر الناس.

لأمر أعدّته الخلافة للعدىوسمّته دون العالم الصّارم العضبا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: لولا اختصاصه من بين سائر الأنام بمعان، لم تجعله الخلافة من بينهم، عدة لها، ولما سمته سيفاً قاطعاً وأراد بالخلافة: الخليفة أي ذوي الخلافة.

ولم تفترق عنه الأسنّة رحمةًولم تترك الشّام الأعادي له حبّا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: لولا شجاعته، لم تفترق الأسنة عنه في حروبه، ولم تترك الأعادي له الشام، لولا خوفهم منه.

ولكن نفاها عنه غير كريمةٍكريم النّثا ما سبّ قطّ ولا سبّا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الضمير في نفاها للأعادي، وغير كريمة حال من الأعادي، والعامل فيها نفاها والهاء في عنه لسيف الدولة، وقيل: يرجع إلى الشام والنثا بالنون قيل: مقصور، هو الذكر في الحمد، والذم.

يقول: لم يترك العادي له الشام محبة منهم له، ولكنه طردهم قهراً، مهانين غير مكرمين، وهو ملك كريم الذكر ما سب قط: أي لم يشتمه أحد؛ لأنه لم يفعل ما يشتم عليه، ولا شتم أيضاً هو أحداً؛ لأن الشتم سلاح من لا قلب له على المحاربة؛ ولأن الناس بعضهم مطيع له فلا يشتمه، وبعضهم خائف أن يشتمه.

وجيشٌ يثنّى كلّ طودٍ كأنّهخريق رياحٍ واجهت غصناً رطبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»

يثنى: أي يعطف، ويجعل اثنين. والطود: الجبل. والخريق: الريح الشديدة التي تخرق كل شيء تجري عليه.

يقول: نفي أعداءه عن الشام كريم النثا، وجيش عظيم يثنى كل جبل: أي يعطفه ويهده، ويزعزه، عن موضعه، وأراد به أن يجعل الجبل اثنين: أحدهما الجبل، والثاني نفس الجيش، ثم شبه الجيش بريح شديدة قابلت غصناً رطبا: يعني أنه يكسر الجبل ويعطفه كريح هذه صفتها، وإن هذا الجيش وإن كانوا كالجبل، فالجبل الذي تحتهم كالغصن الرطب عند الريح الشديدة الهبوب.

كأنّ نجوم اللّيل خافتت مغارهفمدّت عليها من عجاجته حجبا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

مغاره: إغارته والهاء فيها، وفي عجاجته: للجيش.

يقول: كأن النجوم قد خافت أن يغير عليها هذا الجيش، فمدت على نفسها من غبار هذا الجيش حجباً، حتى لا يراها. يعني أن غباره وصل إلى النجوم.

فمن كان يرضى اللّؤم والكفر ملكهفهذا الّذي يرضى المكارم والرّبّا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فديناك من ربع وإن زدتنا كربا»

هذا في قوله: فهذا إشارة إلى سيف الدولة.

يقول: هو أبداً في الجهاد، يرضى الرب بفعله، ويبذل الأموال، يرضى بها مكارمه، وغيره من الملوك: إما مشرك برضى الكفر، وإما بخيل برضى البخل، واللؤم.

وأهدى سيف الدولة إلى أبي الطيب هدية فيها ثياب ديباج رومية، ورمح وفرس معها مهرها وكان المهر أحسن من الفرس فقال يمدحه:

ثياب كريمٍ ما يصون حسانهاإذا نشرت كان الهبات صوانها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ثياب كريم ما يصون حسانها»

الصوان: ما يلف به الثوب ويصان به: ثياب: رفع لأنه خبر ابتداء محذوف: أي هذه ثياب كريم، أو هي مبتدأ وخبره محذوف: أي عندي ثياب كريم، ليس يصون حسان الثياب، ولكن إذا نشرها فرقها على جلسائه، وجعل صوانها أن يهبها لأصحابه.

ترينا صناع الرّوم فيها ملوكهاوتجلو علينا نفسها وقيانها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ثياب كريم ما يصون حسانها»

امرأة صناع: حاذقة دقيقة اليد في صنعتها وجمعها صنع، ورجل صنع وجمعها صناع. وروى: صناع الروم وهي جمع صنعة، والكناية في فيها للثياب، وفي نفسها للصناع، وفي ملوكها وقيانها للروم، ويجوز أن تكون راجعة إلى صناع الروم. والقيان: جمع قينة، وهي الجارية المغنية.

يقول: إن المرأة الصانعة من الروم ترينا في هذه الثياب الملوك، وتظهر علينا نفسها أي نفس هذه الصانعة من الروم، وصور القيان. يعني: أن هذه الثياب صورة ملوك الروم، وصورة الناقشة، وصورة القيان.

ولم يكفها تصويرها الخيل وحدهافصوّرت الأشياء إلاّ زمانها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ثياب كريم ما يصون حسانها»

الهاء في يكفها راجعة إلى صناع الروم، وكذلك في تصويرها وفي وحدها إلى الخيل، وفي زمانها إلى الأشياء.

يقول: لم يكفها أنها صوّرت على الثياب صور الخيل، حتى صورت معها كل شيء من طائر وسبع وغيرهما من الزمان، إلا الزمان فإنها لا تقدر على تصويره.

وما ادّخرتها قدرةً في مصوّرٍسوى أنّها ما أنطقت حيوانها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ثياب كريم ما يصون حسانها»

تاء التأنيث الساكنة في ادخرتها راجعة إلى صناع، والهاء، إلى الثياب، وأصلها: ادخرت عنها، فحذف حرف الجر، وأوصل الفعل إلى الضمير: أي ما خبأت هذه المرأة عن هذا الثياب قدرةً عليها في مصور إلا صورت على هذه الثياب، غير أنها لا تقدر على إنطاق الحيوان المصور عليها، إذا لو قدرت على ذلك لفعلت، والهاء في حيوانها راجعة إلى الثياب.

وسمراء يستغوى الفوارس قدّهاويذكرها كرّاتها وطعانها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ثياب كريم ما يصون حسانها»

وسمراء: عطف على قوله: ثياب كريم. والضمير في قدها للسمراء وفي يذكرها وكراتها وطعانها للفوارس ويستغوي: أي يستميل، ويحمله على الغي، وسمراء: صفة لمحذوف: أي وهذه فتاة سمراء، يحمل قدها واستواؤها الفوارس على ملاقات الأقران، ويسوقهم إلى الطعان. وذكر الفوارس موافق للقتال.

ردينةٌ تمّت وكان نباتهايركّب فيها زجّها وسنانها
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الزج: الحديدة التي في أول الرمح، يعني أنها مستقيمة نبتت كذلك، لم تحتج إلى تثقيف مثقف، فلم يبق إلا أن يركب فيها الزج، والسنان.

وأمّ عتيقٍ خاله دون عمًهرأى خلقها من أعجبته فعانها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ثياب كريم ما يصون حسانها»

وهذا أيضاً عطف على ما تقدم، وأراد بالعتيق: المهر، وقوله: خاله دون عمه أي أبوه أكرم من أمه؛ لأنه إذا كان خاله دون عمه، كانت أمه دون أبيه.

يقول: هذه أم مهر كريم، أمه دون أبيه في الكرم، وكانت هي حسنة الخلق فرأى خلقها من أعجبته فعانها، أي أصابها بالعين، فصار ولدها أحسن منها وأكرم.

إذا سايرته باينته وبانهاوشانته في عين البصير، وزانها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ثياب كريم ما يصون حسانها»

يقول: إذا سارت الأم معه بانت منه، وبان منها. أي لم يشبهها في الحسن والجمال، كما يشبه المهر أمه، وشانته في عين البصير: أي أن البصير بالخيل لم ير فيه عيباً إلا كونه من هذه الأم التي هي دونه، فهو له عيب وشين، وهذا المهر زان الأم، لأنها ولدت مهراً كريماً، فهو يزينها، وهي تشينه.

فأين الّتي لا تأمن الخيل شرّهاوشرّى، ولا تعطي سواي أمانها؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ثياب كريم ما يصون حسانها»

يقول: هلا وهبت لي فرساً أكرم منها؟ وهي التي لا تأمن الخيل شرها يعين أنها سابقة إذا سابقت سائر الخيل، لم تأمن شرها ولا تأمن الفرسان شري، ولا تعطى سوى أمانها: أي لا يقدر على ركوبها إلا مثلي من الفرسان الحذاق بالركوب.

وأين الّتي لا ترجع الرّمح خائباًإذا خفضت يسرى يديّ عنانها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ثياب كريم ما يصون حسانها»

يقول: هلا وهبت لي الفرس التي إذا رخيت عنانها بيدي اليسرى وجلت عليها لا أرجع خائباً، ولا ترد رمحي من دون قتل العدو.

ومالي ثناءٌ لا أراك مكانهفهل لك نعمى لا تراني مكانها؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ثياب كريم ما يصون حسانها»

يقول: ليس عندي ثناء لا أراك مستحقاً له، فهل عندك نعمة لا تراني أهلاً لها؟ يعني: كما لا أدخر عنك ثناء، فلا تدخي عني نعمة.

وكان سيف الدولة إذا تأخر عنه مدحه شق عليه، وأكثر أذاه وأحضر من لا خير فيه، وتقدم إليه بالتعرض له في مجلسه بما لا يحب، فكان أبو الطيب لا يجب أحداً عن شيء، فيزيد ذلك في إنكاء سيف الدولة، ويتمادى أبو الطيب في ترك قول الشعر، ويلح سيف الدولة فيما يستعمله من هذا القبيح وأكثر عليه مرة بعد أخرى فقال أبو الطيب هذه القصيدة وأنشده إياها في محفل من العرب والعجم.

واحرّ قلباه ممّن قلبه شبمومن بجسمي وحالي عنده سقم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

وأحر قلباه: ندبة وهذه الهاء لا تدخل عند أهل البصرة إلا في الوقف، فإذا وصلت حذفت.

وأجاز الفراء دخولها في حال الوصل، وأنشد فيه أبياتاً، وإذا كان كذلك، فما ذكره لا مطعن عليه، إذ جاءت عن العرب، والرواة الثقات.

وحكى أبو الفتح بن جني: أن المتنبي كان ينشده بكسر الهاء وضمها، قال: والوجه إذا جاز إثبات الهاء، كسرها لالتقاء الساكنين قال: ولا أرى للضم وجهاً. قال: ولو فتحت الهاء لالتقاء الساكنين ومجاورة الألف كان قياساً.

وطعن فيه من وجوه أخر: وهو حذف الياء من قلباه، وكان الوجه: قلبياه، لأن هذه الياء إنما تحذف قياساً على التنوين، فحيث يحذف التنوين في المنادي، جاز سقوط الياء وثباتها كقولك. يا زيد، فتحذف منه التنوين، ثم تقول: وازيداه، لتحذف الياء، وحيث ثبت التنوين لم يجز حذف الياء، كقولك: واغلام زيد فتنون زيد، فإذا قلت: واغلامياه، أثبتت الياء.

والحاصل: أن الياء إنما تحذف من المنادى، لا من المضاف إليها المنادى، وقد أجاز بعض النحويين إسقاط الياء في هذا الموضع وإن كان ضعيفاً، فيجوز في الشعر لأنه موضع الضرورة. والشيم: البارد.

يقول: أشكو حرارة قلبين وشدة وجدي ممن قلبه خالي مما أنا مبتلى به، وممن حالي عنده ضعيفة سقيمة مثل جسمي. يعني أني سقيم بحبه، وليس لي عنده حال ولا منزلة.

مالي أكتّم حبّا قد برى جسديوتدّعي حبّ سيف الدّولة الأمم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

وروى: أكاتم: يقول: كل أحد من الأمم، يدعي حبه! فلم لا أقتدي بهم، وأظهر حبه مثل ما يظهرون؟ ومعناه: أنهم يظهرون حبه، وأنا أحتاج إلى أن أكتمه، كأنه يشير إلى أنه يتأذى بإظهار حبه فيكتمه! فيؤدي كتمانه إلى سقمه ونحول جسمه، وقيل: كتمانه الحب من حيث أنه يتجنب التملق بحبه، لما فيه من التكلف، وأن غيره يتملقون إليه بحبه ويتكلفون ذلك.

إن كان يجمعنا حبّ لغرّتهفليت أنّا بقدر الحبّ نقتسم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

يقول: إن كان يجمعني والأمم حب سيف الدولة، فليت حظنا منه على قدر حبنا، فأكون أخصهم منه قرباً، كما أني أكثرهم له حباً، أو أكون مثلهم في قوة أجسامهم، وحسن أحوالهم، وهو مثلي في مرضي ورثاثة حالي.

قد زرته وسيوف الهند مغمدةٌوقد نظرت إليه والسّيوف دم
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «أيقظته من كراه بعد ما رمدت»

يقول: نظرت إليه في حالتي السلم والحرب. وصحبته في حالتي الخوف والحب، كأنه عليه بطول الخدمة، ثم يصف قيامه بجميع الأمور.

فكان أحسن خلق الله كلّهموكان أحسن ما في الأحسن الشّيم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

الشيم: جمع الشيمة، وهي الخليقة، وأحسن الأول: نصب لأنه خبر كان واسمه ضمير سيف الدولة، وأحسن الثاني، خبر كان الثاني، والشيم: اسمه، وأراد بالأحسن الممدوح.

يقول: نظرت إليه فكان أحسن خلق الله، وأحسن ما في هذا الأحسن الذي نظرت إليه أخلاقه، فكأنه يقول: هو أحسن الناس، وخلقه أحسن من حسن وجهه.

فوت العدوّ الّذي يمّمته ظفرٌفي طيّه أسفٌ في طيّه نعم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

الهاء في طيه الأول للظفر، والثاني للأسف.

يقول: هرب عدوك الذي قصدته، منك ظفر، ذلك، غير أن في طي هذا الظفر أسفاً، لأنك كنت تشتهي أن تقتله، أو تأسره، وفي طي هذا الأسف نعم لأنه هرب منك خوفاً.

قد ناب عنك شديد الخوف واصطنعتلك المهابة ما لا تصنع البهم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

البهم: جمع بهمة، وهو الشجاع.

يقول قد حصل لك في قلوبهم من الخوف والهيبة، ما يزيد على فعل الشجعان فيهم.

ألزمت نفسك شيئاً ليس يلزمهاألاّ تواريهم أرضٌ ولا علم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

تواريهم: أي تسترهم. والعلم: الجبل.

يقول: كلفت نفسك في طلب أعدائك، تهزمهم وتكسر جموعهم، بل تريد ألا تسترهم أرض ولا جبل، بأن تخرجهم من مكان من الأرض، وتحطهم من رءوس الجبال.

وقيل: معناه لا ترضي أن تسترهم أرض ولا جبل، وإنما ترضى أن يواريهم بطون الطير، والوحوش.

أكلّما رمت جيشاً فانثنى هرباًتصرّفت بك في آثاره الهمم؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

أكلما: استفهام، ومعناه التقرير، وانثنى: أي انصرف. تصرفت بك: أي صرفتك.

يقول: كلما قصدت جيشاً وهرب من بين يديك حملتك همتك العلية على طلبه، واتباع أثره.

وقيل: معناه حملتك همتك على الجزع في فوتهم منك.

عليك هزمهم في كلّ معتركوما عليك بهم عارٌ إذا انهزموا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

الجمع: راجع إلى معنى الجيش.

يقول: إنما عليك أن تهمزمهم، فإذا انهزموا فليس عليك عار في انهزامهم بل ذلك يدل على قوتك.

أما ترى ظفراً حلواً سوى ظفرٍتصافحت فيه بيض الهند واللّمم؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

اللمم: جمع اللمة، وهي الشعر. الملم بالمنكب، وأراد بالتصافح: التلاقي.

يقول: لا تعد الظفر ظفراً إلا بعد القتل والقتال، وضرب السيوف على رءوس الأبطال. وعبر عن ذلك بتصافح السيوف واللمم؛ لأن القتل يحصل عند ذلك.

يا أعدل النّاس إلاّ في معاملتيفيك الخصام وأنت الخصم والحكم!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

يقول: أنت أعدل الناس إلا بيني وبينك، فأنت لا تنصفني ولا تعينني قدر ما أستحقه عندك من المنزلة. فيك الخصام: أي الخصومة بيني وبين أعدائي وقعت فيك، وأنت الخصم: لأنك ملت إليهم، ولأني أخاصمك على منزلتي عندك، وأنت الحاكم: فاحكم على نفسك، فوفني ما أستحقه من المنزلة! وقيل: معناه مع ذلك كيف أطمع في الانتصاف منك!

أعيّها نظراتٍ منك صادقةًأن تحسب الشّحم فيمن شحمه ورم

نظران نصب على التمييز. قال أبو الفتح: قلت له: الهاء في أعيذها لأي شيء تعود؟ فقال: إلى النظران. أجاز الأخفش مثله في قوله تعالى: " فَإنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ " وقال أبو الفتح: وإنما جاز إضمارها قبل الذكر، لأنها كانت مشاهدة في الحال، فاكتفى بمشاهدتها من تقدم ذكرها.

يقول: أعيذ نظراتك الصادقة، أن تغلط، فترى الشيء على خلاف الحقيقة، فتحسب الشحم ورماً فجعل الشحم مثلا لنفسه، والورم لسائر الشعراء.

وما انتفاع أخي الدّنيا بناظرهإذا استوت عنده الأنوار والظّلم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

بناظره: أي ببصره.

يقول: إن الإنسان إذا لم يفرق بين النور والظلمة، فاستويا في عينه، فلا ينتفع بناظرهن بل هو بمنزلة الأعمى.

يعني أن حاله تخالف غيره من الشعراء والفضلاء، وأنت إذا لم تميز بيننا كنت كالأعمى.

أنّا الّذي نظر الأعمى إلى أدبيوأسمعت كلماتي من به صمم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

من في موضع نصب، لأنه مفعول أسمعت وفاعله كلماتي وأراد بها القصائد.

يقول: إذا نظر الأعمى إلى أدبي يعرفه ويراه، فكيف البصير؟! والأصم يسمع شعري، فكيف السميع؟! معناه أن أدبي وشعري قد اشتهرا، حتى استوى في معرفتها العالم والجاهل، فضرب الأعمى والأصم مثلا للجاهل الذي لا يتفكر فيعرف.

أنام ملء جفوني عن شواردهاويسهر الخلق جرّاها ويختصم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

جراها: من أجلها، والهاء في شواردها للكلمات، وهي جمع شاردة: أي سائرة تروى بكل مكان.

وقيل: معناه أنها تشرد، وتصعب على صاحبها.

يقول: أنا أقول القصائد الشوارد عفواً، من غير إتعاب فكر، وأنام عنها ملء جفوني، والخلق كلهم يسهرون من أجلها، ويتنازعون في دقيق معانيها، وجودة مبانيها.

وقيل: معنى قوله: أنام أي أموت. والأول أظهر.

وجاهل مدّه في جهله ضحكيحتّى أتته يدٌ فرّاسةٌ وفم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

فراسة: من الفرس، وهو دق العنق.

يقول: ﵁ جاهل غره ضحكي في وجهه، فتمادى في جهله، حتى سطوت عليه وقصدته مني يد فراسة، وفم: أي أهلكته بيدي ضرباً وقتلا، وأهلكته بفمي من طريق الهجو، والذم.

إذا رأيت نيوب اللّيث بارزةًفلا تظنّنّ أنّ اللّيث مبتسم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: لما رآني أكشر الأسنان، حسب أني مسرور بفعله، ولم يعلم - من جهله - أني كالليث، إنما يكشر عن أنيابه وأسنانه، إذا اشتد غضبه.

والأصل فيه قول عنترة:

لا رآني قد نزلت أريدهأبدى نواجذه لغير تبسّم
ومهجةٍ مهجتي من همّ صاحبهاأدركتها بجوادٍ ظهره حرم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

الهاء في صاحبها وأدركتها للمهجة الأولى.

يقول: رب نفس كانت همتها إتلاف نفسي، فأدركتها بفرس جواد، ظهره حرم: يعني من ركبه أمن، لأنه إذا طلب فات، فلا يخاف أحداً، كما لا يخاف سكان الحرم.

رجلاه في الرّكض رجلٌ واليدان يدٌوفعله ما تريد الكفّ والقدم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

الركض: في الأصل ضرب الدابة بالرجل لتعدون، ثم ذكر ذلك حتى قيل لنفس العدو ركض فيقال: ركض الفرس: أي عدا.

يقول: إن رجليه تقعان معاً على الأرض وكأنهما رجل واحدة، وكذلك يداه وأنه لجودة جريه يغني راكبه عن تحريك يده بالسوط، وتحريك رجليه للركض، بل هو يعطيه من العدو ما يطلبه منه، بيده وقدمه، ذكره ابن جني.

وقال غيره: معناه أن فرسه مؤدب مطيع لفارسه، متصرف على اختياره، فكأن رجليه رجل راكبه، فيضع قوائمه حيث شاء صاحبه، ويتصرف راكبه فيهما، كما يتصرف في جوارح نفسه.

ولا يقال: إن هذا المعنى الذي ذكرتموه هو معنى المصراع الثاني، فيكون المصراعان واحداً، فليس فيه إلا التكرير بلا فائدة.

لأنا نقول: إن الأول يفيد أن رجليه رجلاً راكبه، ويديه يداه في حال ركضه فقط، والمصراع الثاني يدل على أن فعل هذا الفرس، ما يريده صاحبه في جميع الأحوال، من ركض أو غيره، وأنه مطيع لصاحبه في جميع جوارحه، فكأنه قال: أفعال الفرس من أحواله كلها وجوارحه جميعاً موافقة لاختيار صاحبه، وتصريف كف راكبه وقدمه، وهذه فائدة جديدة.

ومرهفٍ سرت بين الموجتين بهحتّى ضربت وموج الموت يلتطم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وروى: الجحفلين أي العسكرين. والموجتين: هما صفتا العسكرين وأراد بالموج. الأمواج، فهو واحد في معنى الجمع، ولهذا قال: يلتطم، والالتطام لا يكون من واحد، ويجوز أن يكون الموج: جمع موجة.

يقول: رب سيف محدد شققت به الصفين، وضربت به الأعداء في حال اشتداد الحرب، والتطام موج الموت. وأراد به مقدمات الموت، من الضرب والطعن.

وقيل: أراد بالموجتين: جملة كل واحد من الصفين على الآخر كالتطام الأمواج.

فالخيل واللّيل والبيداء تعرفنيوالحرب والضّرب والقرطاس والقلم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: أنا لجامع بين آداب السيف والقلم: فالخيل تعرفني بالفروسية لإدماني ركوبها، والليل يعرفني لدوام سيري في ظلامه، والبيداء تعرفني لإدمان قطعي إياها، ودوام سكناي فيها، والحرب يعرفني لكثرة مباشرتي له، والقرطاس والقلم يعرفاني لأني كاتب أديب.

وقيل: أراد به أهل الخيل، وأهل البيداء إلخ يعرفوني.

قال ابن جني: قد سبق بجميع هذه الأمور في بيت واحد، ولم يجتمع مثله في بيت مما أعلمه، الأقرب إليه قول البحتري:

اطلبا ثالثاً سواي فإنّيرابع العيس والدّجى والبيد
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أطلبا ثالثا سواي فإني»

وحكى أن سيف الدولة قال لما أنشد هذا البيت: والله لو قال هذا البيت في لشاطرته في ملكي.

صحبت في الفلوات الوحش منفرداًحتّى تعجّب منّي القور والأكم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

القور: جمع قارة، وهي صرة من الأرض، فيها حجارة سود، وقيل: جبل صغير أسود كأنه مطلي بالقار، والأكمة: الجبل الصغير، وجمعها الأكم، والآكام، وقيل: هي ما ارتفع من الأرض.

يقول: إني لا أزال أقطع المفاوز وحدي، من غير أن يدلني أحد. وأراد بذلك وصف شجاعته، وقيل: أراد بذلك أنه بدوي، تربيته مع الوحش، بين الأكم والقور.

يا من يعزّ علينا أن نفارقهموجداننا كلّ شيء بعدكم عدم
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «قاضي القضاة بيمنى حكمه القلم»

يعز: أي يشتد، يعرض برحيله عن سيف الدولة، يقول: يا من يشتد علينا مفارقتهم، كل شيء نجده بعد فراقكم فهو عندنا عدم، أي وجوده كعدمه ومثله:

ومن اعتاض عنك إذا افترقناوكلّ النّاس زورٌ ما خلاكا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «فدا لك من يقصر عن مداكا»
ما كان أخلقنا منكم بتكرمةٍلو أنّ أمركم من أمرنا أمم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

يقول: ما أخلقه بهذا الأمر! وما أجدوه! وما أولاه! والأمم: القصد والقرب يقول: ما أولانا منكم بأن تكرمونا! لو أن أمركم قريب من أمرنا، وجواب لو محذوف أي لو كنتم تحبوننا، كما نحبكم، لكنتم تكرموننا.

إن كان سرّكم ما قال حاسدنافما لجرح إذا أرضاكم ألم
للشاعر جرمانوس فرحات، من قصيدة «قل للحبيب الذي عزت محبته»

يقول: إن كان سركم قول الحساد وسعايتهم بي، فإني أصبر على ذلك، وكل جرح يصيبني فلا أتألم به، إذا كان فيه رضاكم.

وبيننا لو رعيتم ذاك معرفةٌإنّ المعارف في أهل النّهي ذمم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

قوله: معرفة مبتدأ وبيننا خبرها مقدم عليها، وذكرها ذهابا بها إلى العرفان أو الحق، وتقديره: بيننا معرفة لو رعيتم ذاك: أي لو رعيتم حق المعرفة، وجواب لو محذوف أي لو رعيتم لرفعتم منزلتي، وكافأتموني عليه.

يقول: قد تقدمت بيننا معرفة، وحرمة يجب عليك رعاية حقها؛ لأن المعارف ذمم بين أهل العقول: يعني يمتنع كل أحد من المتعارفين أن يسيء إلى صاحبه إذا كان عاقلاً، فكأن هذه المعرفة ذمة وعهد بينهما.

كم تطلبون لنا عيباً فيعجزكم؟ويكره الله ما تأتون والكرم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

يقول: لا تزالون تطلبون عيباً فيّ، فيعجزكم عيبي: أي لا تقدرون عليه، وهذا الفعل لا يرضى الله به، ولا يليق بالكرم.

ما أبعد العيب والنّقصان من شرفيأنا الثّريّا وذان الشّيب والهرم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الخيل والليل والبيداءُ تعرفني»

ذان: إشارة إلى العيب، والنقصان.

يقول: كما أن الثريا لا تشيب، ولا تهرم، كذلك شرفي لا يلحقه عيب ولا نقصان.

ليت الغمام الّذي عندي صواعقهيزيلهنّ إلى من عنده الدّيم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

الضمير في صواعقه: للغمام، ويزيلهن فعله، والكناية التي هي هن تعود إلى الصواعق كني بالغمام عني سيف الدولة وصواعقه عن إيذائه إياه وبالديم عن عطائه عند غيره.

فيقول: ديم هذا الغمام عند غيري، وصواعقه عندي، فليت صواعقه عند من ديمه عنده، يعني ليته إن ليم يخصني بكرامة لا يقصدني بأذاه، بل يصرف امتنانه إلى من عنده عطاياه، ومثله لآخر:

فلو شاء هذا الدّهر أقصر سوءهكما أقصرت عنّا لهاه ونائله

ومثله للبحتري:

سحابٌ خطاني جوده وهو مسبلوبحر عداني قطره وهو مفعم

وبيت ابن الرومي أقرب إلى أبي الطيب:

أعندي تنقضّ الصّواعق منكماوعند ذوي الكفر الحيا والثّرى الجعد

والأصل في ذلك قول الحسين بن علي ﵄: نال حارها من تولي قارها.

أرى النّوى تقتضيني كلّ مرحلةٍلا تستقلّ بها الوخّادة الرّسم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

تقتضيني: أي تتقاضاني، وتطالبني، والوخادة الإبل التي تسير الوخد، وهو ضرب سريع من السير، والرسم: جمع رسوم، وهي التي تسير الرسيم، وهو أيضاً ضرب من السير، والهاء في بها للمرحلة: أي لا ينهض بها.

يقول: أرى البعد يطالبني بكل مرحلة لا تقطعها الإبل السريعة السير، من طولها، فأظهر لسيف الدولة السير عنه والرحيل. وبينه أيضاً فيما يليه.

لئن تركن ضميراً عن ميامنناليحدثنّ لمن ودّعنهم ندم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ضمير: اسم ماء في السماوة وقيل: جبل عن يمين طالب مصر، إذا خرج من الشام قاصداً مصر، والكناية في تركن وميامنها وودعن إلى الوخادة الرسم.

يقول: لئن تركت الإبل الوخادة الرسم ضميراً عن ميامنها، وأخذت بنا طيق مصر، ليحدثن لمن أفارقه ندم. واللام في قوله: ليحدثن جواب قسم محذوف: أي والله ليحدثن. واللام في لئن تركن زائدة دخلت توطئة للام الثانية، وحل جواب القسم محل جواب الشرط.

إذا ترحّلت عن قومٍ وقد قدرواألاّ تفارقهم فالرّاحلون هم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الراحل: المرتحل.

يقول مخاطبا لنفسه: إذا قدر قوم على ألا يضطروك إلى مفارقتهم والرحيل عنهم، ثم اضطروك إلى ذلك، فهم مخلون بحقك، فيكونون بمنزلة المرتحلين عنك، لرغبتهم عنك، فلا فرق بين رحيلهم عنك، وإلجائهم إياك إلى فراقهم.

شرّ البلاد بلادٌ لا صديق بهاوشرّ ما يكسب الإنسان ما يصم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ما يصم أي ما يصمه، ومعناه: ما يلحقه الوصم، وهو العيب.

يقول: شر البلاد بلاد لا صديق بها تسكن إليه، ويعينك على ما تريده، ويدفع ما يضرك، وشر كسب يكسبه الإنسان، ما يعاب به، وبذل عرضه بسببه.

وشرّ ما قنصته راحتي قنصٌشهب البزاة سواءٌ فيه والرّخم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

البزاة: الشهب البيض، وهي كرامها، والرخم: جمع رخمة، وهي طائر يشبه النسر، تأكل الجيف ولا تصيد، وهي من لئام الطير وقيل: الرخمة: الأنثى من النسور. وروى: اقتنصته وقنصته.

يقول: أنا كالبازي، وشعراؤك كالرخم، فلم سويت في المنزلة بيننا في الجائزة فيبطل فضل البازي فيم يعد لذلك العطاء عندي قدر. ومثله لأبي تمام:

كلابٌ أغارت في فريسة ضيغمطروقاً وهامٌ أطمعت صيداً أجدلا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «لهان علينا أن نقول وتفعلا»
بأيّ لفظٍ يقول الشّعر زعنفةٌتجوز عندك لا عربٌ ولا عجم؟!
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الزعانف: سقاط الناس، واحدها زعنفة، وأصله من زعنفة الأديم: وهو ما سقط منهن إذا قطع فلا ينتفع به، فشبه به رذال الناس، وقيل: الزعانف: أجنحة السمك، ثم يقال للدعي الملحق بالقوم زعنفة.

يقول: إن شعراءك الذين تسوي بيني وبينهم أدعياء في الشعراء، وإنهم من جملة رذال الناس، ليسوا بأهل للإقبال عليهم؛ لأنهم دخلاء في الشعر، ليسوا من العرب ولا من العجم، فتقبل منهم شعرهم، ويجوز عليك تمويههم.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.