من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)
العضديات (٢)
يقول: هل رضيت يا وهسوذان بما حكمت السيوف فيك؟ أم تطلب زيادة عليه، ثم دعا عليه بالهلاك فقال: ثكلتك أمك.
وردت بلادك غير مغمدةٍوكأنّها بين القنا شعل
يقول: إن السيوف وردت بلادك يا وهسوذان وهي مجردة من أغمادها، فكأنها بين الرماح، شعل النيران بين الحطب.
والقوم في أعيانهم خزرٌوالخيل في أعناقها قبل
الخزر: ضيق العينين. والقبل: إقبال إحدى العينين على الأخرى، والخيل تفعله لعزة أنفسها.
يقول: قصدك فرسان خزر العيون؛ لأنهم أتراك، أو فعلوا ذلك غضباً، على خيل عربية عزيزة الأنفس.
فأتوك ليس لمن أتوا قبلٌبهم وليس بمن نأوا خلل
الأصل: لمن أتوه، ولا بمن نأوا عنه، فحذف الضمير.
يقول: أتاك جيش ركن الدولة ولم يكن لك به طاقة، ولم تقدر على مقاومتهم، ولم يكن بركن الدولة، لما نأى جيشه عنه لمحاربتك خلل. يصف كثرة جيش ركن الدولة.
لم يدر من بالرّيّ أنّهمفصلوا ولا يدري إذا قفلوا
فصلوا: أي ارتحلوا.
يقول: لما فصلوا عن الري لم يعلم بهم أحد، وكذلك إذا رجعوا لا يعلمون برجوعهم؛ لأنهم لا يظهرون في جملة العسكر. ومن بالري قيل: أراد به ركن الدولة. ويجوز أن يريد به أهل الري، إنهم لا يعلمون لهم خروجاً ولا قفولاً.
فأتيت معتزماً ولا أسدٌومضيت منهزماً ولا وعل
يقول: لما قصدوك أتيتهم أنت معتزماً، ولا أسد يقدم مثل إقدامك، ثم انهزمت ولا وعل ينهزم مثل انهزامك.
تعطى سلاحهم وراحهمما لم تكن لتناله المقل
يقول لوهسوذان: تعطي سلاح عساكر ركن الدولة جيوشك فتقتلها، وتعطي راحات أكفهم من ذخائرك وغنائم القتلى وأسلابهم، ما لم تكن العيون تناله لعزته.
يعني: مكنت سلاحهم منكم، وراحهم من أموالكم وذخائركم، فكأنك أعطيتها هذه الأشياء.
قال ابن جني: قوله: وراحهم إشارة إلى الصفع، يعني لصفعوا قفاك وقتلوا خيلك.
أسخى الملوك بنقل مملكةٍمن كاد عنه الرّأس ينتقل
يقول أسخى الملوك من نقل مملكته إلى غيره عندما يخاف أن ينقل عنه رأسه.
يعني: نجوت برأسك وسمحت بمملكتك.
لولا الجهالة ما دلفت إلىقومٍ غرقت وإنّما تفلوا
دلفت: قربت، وقيل: الدلف: المشي الرويد والسريع.
يقول: لولا جهلك لم تقرب من قوم بصقوا عليك فغرقت في بصاقهم، أي انهزمت بيسير من عسكرهم.
لا أقبلوا سرّاً، ولا ظفرواغدراً، ولا نصرتهم الغيل
الغيل: جمع الغيلة، وهي الخديعة.
يقول: لم يقصدوا إليك خفيةً، بل جاءوك مجاهرة، ولا ظفروا بك على سبيل الغدر، لأن هذا مذموم يدل على ضعف الطالب، ولا نصرهم المكر عليك والخديعة.
لا تلق أفرس منك تعرفهإلاّ إذا ما ضاقت بك الحيل
يقول: لوهسوذان: من عرفت أنه أفرس منك فلا تقاتله، إذا ما كان لك حيلة في مسالمته، وإنما تحاربه إذا ضاقت الحيل.
لا يستحي أحدٌ يقال له:نضلوك آل بويه أو فضلوا
نضلوك: أي غلبوك، وأصله في الرمي. يقال: تناضل الرجلان ففضل أحدهما صاحبه. وأتى بعلامة الجمع مع تقدم الفعل على مذهب من قال: أكلوني البراغيث.
يقول: إن الناس قد انقادوا لآل بويه، فلا يستحي أحد إذا قيل له: إن آل بويه غلبوك ونضلوك، وذلك لا يخفي على أحد.
قدروا عفوا، وعدوا وفوا، سئلواأغنوا، علوا أعلوا، ولواعدلوا
علوا: من عليت في المكارم، مثل علوت في المكان.
يقول: إذا قدروا على أعدائهم عفوا عنهم عند القدرة، وإذا وعدوا وفوا وأنجزوا، وإذا سألهم سائل أعطوه وأغنوه. ولما ارتفعوا في المكارم شاركوا أولياءهم في معاليهم، ولما ولوا بثوا العدل في الرعية.
فوق السّماء وفوق ما طلبوافمتى أرادوا غايةً نزلوا
فوق السماء: أي علوا فوق الغايات التي يضرب بها المثل، وعلوا الرتب فإذا أرادوا غاية نزلوا إليها من العلو.
قطعت مكارمهم صوارمهمفإذا تعذّر كاذبٌ قبلوا
تعذر: أي اعتذر كاذب.
يقول: إن كرمهم قد قطع سيوفهم: أي منعها من القتل بالعفو، فإذا اعتذر إليهم مذنب قبلوا عذره، وإن كان كاذباً. كرماً منهم.
لا يشهرون على مخالفهمسيفاً يقوم مقامه العذل
يقول: إذا قدروا على دفع مخالفهم باللوم، لم يشهروا عليه السيف، ولم يتعدوا إلى القتال. يصفهم بذلك لكرم أخلاقهم.
فأبو عليٍّ من به قهرواوأبو شجاعٍ من به كملوا
يقول: إن آل بويه إنما قهروا أعداءهم بأبي علي ركن الدولة، وكمل فضلهم وفخارهم بأبي شجاع عضد الدولة.
حلفت لذا بركات نعمة ذافي المهد: ألاّ فاتهم أمل
يقول: حلفت لأبي علي بركات أبي شجاع أنه يريك فيه جميع آماله: أي كانت مخايل سؤدده لائحة عليه وهو صغير في المهد، فذا الأول لأبي علي، والثاني لأبي شجاع، وقيل المعنى: حلفت لأبي شجاع بركات نعمة أبي علي ألا يتجاوزها المل، فذا الأول إشارة إلى أبي شجاع والثاني إلى أبي علي.
وقال أيضاً يعزى عضد الدولة بعمته وقد توفيت بمدينة السلام.
آخر ما الملك معزّىً بههذا الّذي أثّر في قلبه
هذا دعاء بلفظ الخبر يعني: جعل الله هذه المصيبة التي أثرت في قلبك آخر ما تعزى به. أي: لا أعادها الله بعد هذه.
لا جزعاً بل أنفاً شابهأن يقدر الدّهر على غصبه
يقول: لو لم يؤثر هذا المصاب في قلبه جزعاً، لكن تداخلته الحمية والأنفة حيث قدر الدهر على غصبه عمته.
لو درت الدّنيا بما عندهلاستحيت الأيّام من عتبه
يقول: لو علمت الدنيا بما عنده من الفضل والمجد، لاستحيت من عتبه عليها؛ لأنها إذا أساءت إليه عتب عليها، لأجل هذه الإساءة.
لعلّها تحسب أنّ الّذيليس لديه من حزبه
يقول: لعل الأيام ظنت أن من غاب عن حضرته، ليس من حزبه فأقدمت على ذلك لما رأتها بعيدةً عن نصرته.
وأنّ من بغداد دارٌ لهليس مقيماً في ذرا عضبه
الذرا: الناحية.
يقول: لعل الأيام ظنت أن من داره بغداد ليس في حماية سيفه، فلهذا عرضت لعمته لما كانت مقيمة ببغداد.
وقيل: كان ابن معز الدولة مقيماً ببغداد وهو ابن عمه. يعني: أنه في حماية سيفه. والمقصد تفضيله عليه.
وأنّ جدّ المرء أوطانهمن ليس منها ليس من صلبه
يقول: لعل الأيام ظنت ألا نسب بينك وبين عمتك لما بعدت عنك، ولم تكن مقيمةً في وطنك الذي من عادتك وعادة أجدادك أن يكونوا فيه، ولعلها ظنت أن القوم يتناسبون بأوطانهم، فمن فارق وطنه لم يكن بينه وبين أهله نسب؛ فلهذا أقدمت عليها لما فارقت وطنك. والهاء في أوطانه للمرء وفي صلبه للجد.
أخاف أن يفطن أعداؤهفيجفلوا خوفاً إلى قربه
يقول: أخشى أن يفطن أعداؤه إلى أن من قرب منه آمن حوادث الدهر، فيسرعون إلى قربه؛ ليحصلوا في ذمته.
لا بدّ للإنسان من ضجعةٍلا تقلب المضجع عن جنبه
يقول: لا بد للإنسان من الموت، فعبر عنه بالضجعة، ثم قال: تلك الضجعة لا تقلب المضجع عن جنبه. يعني: لا بد للإنسان أن يرقد رقدة لا ينقلب فيها من جنب إلى جنب، ولا ينتبه منها أبداً. ويعني بها ضجعة القبر.
ينسى بها ما كان من عجبهوما أذاق الموت من كربه
الهاء في بها للضجعة.
يقول: صاحب هذه الضجعة ينسى بسببها تكبره، وينسى عندها أيضاً ما ذاقه من مرارة الموت؛ لأنه لا يحس شيئاً.
نحن بنو الموتى فما بالنانعاف ما لا بدّ من شربه؟!
يقول: مات آباؤنا وأجدادنا ونحن نموت أيضاً، فكيف نكره ما لا بد لنا منه!! لأن الفرع يلتحق بأصله ويعود إليه. وقوله: نحن بنو الموتى مأخوذ من قول أبي نواس:
وما المرء إلاّ هالكٌ وابن هالكٍوذو نسبٍ في الهالكين عريق
تبخل أيدينا بأرواحناعلى زمانٍ هي من كسبه
يقول: كيف نبخل على الزمان بأرواحنا، وهي له وكسبه على ما جرت به عادة العرب في نسبة الأمور إلى الدهر.
وقيل: أراد أن الإنسان، هذه أحواله إلى آخر تربيته في الزمان، واختلاف أحواله تترتب على اختلاف أحوال الزمان، على ما جرت العادة به، فلهذا نسب أرواحنا إلى الزمان.
فهذه الأرواح من جوّهوهذه الأجسام من تربه
يقول: أرواحنا من جو الزمان، وأجسامنا من تربه، فنحن مركبون منه؛ وذلك لأن الجسم كثيف والأرض كثيفة، والروح لطيف كالهواء والشيء منجذب إلى شبهه.
لو فكّر العاشق في منتهىحسن الّذي يسبيه لم يسبه
يقول: لو تفكر العاشق في عاقبة حسن حبيبه الذي يسبي قلبه، فيعلم أنه يصير إلى الدود والتراب، لنفرت نفسه، ولم يسب قلبه.
لم ير قرن الشّمس في شرقهفشكّت الأنفس في غربه
هذا مثل. والمعنى: إذا ولد المولود، علم أنه سيموت لا محالة كما أن الشمس إذا طلعت لا يشك أحد في غروبها.
يموت راعي الضّأن في جهلهميتة جالينوس في طبّه
العرب تضرب المثل براعي الضأن فتقول: أجهل من راعي الضأن.
يقول: لا حيلة لأحد في الموت! يستوي فيه الأحمق الجاهل، والطبيب العالم فجهل هذا لا يقدم أجله، وعلم الآخر لا يؤخر موته.
وربّما زاد على عمرهوزاد في الأمن على سربه
السرب: النفس. والهاء في عمره وسربه ضمير جالينوس.
يقول: ربما عاش الجاهل المخلط أكثر من العالم المهتم وربما زاد أمر الجاهل في نفسه إلى وقت موته على أمر العالم بها.
وغاية المفرط في سلمهكغاية المفرط في حربه
يقول: عاقبة من بالغ في الاحتراز، وتجاوز الحد في المسالمة وترك الحرب، كعاقبة المبالغ في التغرير بنفسه، والتعرض للحرب. يعني: غاية كل واحد منهما الموت الذي لا محيص لأحد عنه، فما بالنا نجزع منه!
فلا قضى حاجته طالبٌفؤاده يخفق من رعبه
يقول: إذا كانت الحال هذه، فلا عذر لمن يجزع من الموت، فمن طلب حاجة وخاف الإقدام عليها حتى يخفق فؤاده من خوفه منها، فلا قضيت حاجته ولا بلغها. والهاء للخائف.
أستغفر الله لشخصٍ مضىكان نداه منتهى ذنبه
يعني: لم يكن له ذنب إلا جوده وسخاؤه، فجوده هو نهاية ذنبه. أي: لا ذنب له ومع ذلك أسأل الله له الغفران.
وكان من حدّد إحسانهكأنّما أسرف في سبّه
حدد: إحسانه أي حصره. وقيل: معناه من حدد ذكر إحسانه فحذف المضاف. يعني: أنه كان يكره أن يذكر فضائله، كأنه عنده سبه وذكره بالسوء في وجهه.
يريد من حبّ العلا عيشهولا يريد العيش من حبّه
الهاء في حبه للعيش.
يقول: كان يحب الحياة ليكتسب فيها المعالي، ولم يكن يريد الحياة لأجل حبها وطلب اللذة فيها.
يحسبه دافنه وحدهومجده في القبر من صحبه
الهاء في يحسبه المفعول الأول ليحسب. والمفعول الثاني وحده.
يقول: من دفنه يحسب أنه دفنه وحده، ولم يعلم أن المجد مدفون معه. أي: قد مات المجد بموته. وقوله: من صحبه يريد أن مجده واحد من أصحابه؛ لأن معه المجد والعفاف والكرم والبر وغير ذلك.
ويظهر التّكير في ذكرهويستر التّأنيث في حجبه
يقول: نكنى عنه بلفظ التذكير إعظاماً له فنظهر التذكير وإن كان في حجبه. أي: هي أنثى مستورة في الحجب.
أخت أبي خير أميرٍ دعافقال جيشٌ للقنا لبّه
يعني: أن هذا الشخص عمة عضد الدولة، وهو خير أمير دعا جيشه فقال الجيش للقنا: أجبه ولبه. أي: قل له: لبيك.
يا عضد الدّولة من ركنهاأبوه والقّلب أبو لبّه
يقول: أنت زين ركن الدولة وكماله، كما أن العقل زين للقلب، فضله على أبيه. يعني: أنت لبه، وهو وعاء لك، والهاء في لبه للقلب.
ومن بنوه زين آبائهكأنّها النّور على قضبه
القضب: جمع قضيب. والنور: الزهر.
يقول: بنوك زين آبائك، يتزينون بهم وبسؤددهم وكرمهم، كما يتزين القضيب بالنور. ولم يجعل أبناءه زيناً له كما جعله زين أبيه، لأنه لم يرد تفضيل أولاده عليه كما فضله على أبيه؛ لما في ذلك من الحط من منزلته. فجعلهم زينا لجدودهم. يعني: أن آباءك يتزينون ببنيك كما تزينوا بك.
فخراً لدهرٍ بتّ من أهلهومنجبٍ أصبحت من عقبه
فخراً: نصب على المصدر، بإضمار فعل. أي: فليفخر الدهر فخراً، حيث صرت من أهله، وليفخر أبوك المنجب فخراً، حيث أصبحت من عقبه.
إنّ الأسى القرن فلا تحيهوسيفك الصّبر فلا تنبه
الهاء في تحيه للأسى، وهو الحزن. ونبا السيف ينبو: إذا لم يقطع، وأنباه صاحبه: إذا ضرب به فلم يقطع في يده.
يقول: إن الحزن قرن من أقرانك، فلا تحيه. أي: لا تمكنه من قلبك، إذ ليس عادتك أن يقاومك قرن، والصبر سيفك الذي تقتل به الأسى فاقتله به ولا تنبه عنه، فليس من عادتك أن ينبوا السيف في يدك.
ما كان عندي أنّ بدر الدّجىيوحشه المفقود من شهبه
الشهب: جمع شهاب، وهو الكوكب، والهاء للبدر، لما جعله بدراً جعل أهله كواكب فقال: إن البدر لا يستوحش من فقد كوكب، فليس ينبغي لك أن تستوحش لفقد واحد منهم.
حاشاك أن تضعف عن حمل ماتحمّل السّائر في كتبه
السائر: الذي حمل الخبر إليه، والهاء في كتبه للسائر.
يقول: كيف تضعف عن حمل هذا الخبر الذي حمله الفيج الذي سار به إليك وتضمنه كتاب! وقيل: أراد بالسائر: المثل السائر. والمعنى: أن الأمثال قد سارت والأخبار قد تظاهرت بفضل الصبر على المصائب وذكر قوم تحملوا غصصها، ففضلوا بذلك على غيرهم. فقال: حاشاك أن تضعف عما قوى عليه غيرك من الصبر ممن سارت بأخبارهم الصحف والكتب حيث ذكر فيها صبر من صبر.
وقد حملت الثّقل من قبلهفأغنت الشّدّة عن سحبه
الشدة: القوة، والهاء في قلبه للمفقود.
يقول: حملت ثقل الشدائد من المصائب وغيرها من الأمور العظيمة، قبل المصيبة بهذا المفقود، فأغنت القوة التي بك عن سحب ما حملته من الشدائد؛ لأن الإنسان إذا ثقل عليه شيء جره وسحبه، فيعود الضمير في سحبه على الثقل.
وقيل: يرجع إلى ما ترجع إليه الهاء في قبله وهو المفقود.
يدخل صبر المرء في مدحهويدخل الإشفاق في ثلبه
الإشفاق: الجزع.
يقول: المرء يمدح على الصبر، ويذم بالجزع، فإياك أن تجزع إذ ليس من عادتك أن تأتي أمراً تذم عليه.
مثلك يثنى الحزن عن صوبهويستردّ الدّمع عن غربه
الصوب: الإصابة، وقيل: الصوب: الناحية والقصد. والغرب: مجرى الدمع من العين.
يقول: من كان مثلك رد الجزع عن طريقه وقصده، أو عما يريد إصابته، ويرد الدمع من عينه، ولا يسيل فيدل على جزعه.
إيما لإبقاءٍ على فضلهإيما لتسليمٍ على ربّه
إيما: معناه إما. والإبقاء: الرعاية والمحافظة. والتسليم: الرضا بالقضاء.
يعني: مثلك يصبر: إما مراعاةً لفضله كي لا يذم بالجزع، وإما رضاءً بقضاء الله وحكمه.
ولم أقل مثلك أعنى بهسواك يا فرداً بلا مشبه
لما قال: مثلك يثنى الحزن أثبت له مثلاً في الظاهر، فاعتذر عنه وقال: لم أرد بقولي: مثلك إنساناً سواك، وإنما أردت أنت الذي تفعل ذلك، ومثل صلة، وزيادة. وهذا مثل قوله:
كفاتكٍ. ودخول الكاف منقصةكالشّمس قلت، وما للشّمس أمثال
وقال أيضاً يمدحه، وقد جلس الأمير عضد الدولة ليشرب في مجلس متخذ له تدور غلمان بأعلاه وتنثر الورد على فرقه من جميع جوانبه، حتى يتورد المجلس ومن فيه، وحضر أبو الطيب فقال ارتجالاً سنة أربع وخمسين وثلاث مئة.
قد صدق الورد في الّذي زعماأنّك صيّرت نثره ديما
الديم: جمع ديمة، وهي المطرة تدوم أياماً.
يقول: صدق الورد في زعمه أنك صيرت منثوره أمطاراً. شبه أوراق الورد في نزوله من أعلى السماء متفرقةً بقطر الأمطار.
كأنّما مائج الهواء بهبحرٌ حوى مثل مائه عنما
العنم: نبت أحمر. وحوى: أي امتلأ. والهاء في به للورد.
يقول: كأنما الهواء الذي يموج بالورد بحر ملآن بالعنم، مثل مائه. شبه الصفة بالبحر، والورد بالعنم، وشبه الورد في الهواء، وموجه فيه، ببحر ماؤه عنم.
ناثره ناثر السّيوف دماًوكلّ قولٍ يقوله حكما
دماً وحكماً نصب على التمييز، ونصب كل قول بفعل مضمر. أي: وينثر كل قول. وقيل: نصبه عطفاً على موضع السيوف معنىً كقوله تعالى: " وَجَاعِلُ اللَّيْلِ سَكَناً وَالشَّمْسَ والْقَمَرَ حُسْبَاناً ". ويجوز جره عطفاً على لفظ السيوف، غير أنه لما عطف عليه البيت الذي يليه منصوب القافية منع فيه الجر.
يقول: ناثر هذا الورد هو الذي ينثر السيوف دماً. أي: يكسرها على رءوس أعدائه ويطرحها مختضبة بالدم، وإذا قال قولاً ينثر الحكم في كل قول يقوله.
والخيل قد فصّل الضّياع بهاوالنّعم السّابغات والنّقما
أي ينثر أيضا خيله ونعمه وضياعه. أي: يفرقها ويهبها. يعني: أنه ينثر الخيل منظومة مفصلةً بالنعم والنقم.
فليرنا الورد إن شكا يدهأحسن منه من جوده سلما
يقول: إن الورد إن كان يشكو يده في نثرها له، فليرنا الورد أحسن منه، هل سلم من جوده؟؟! أي لا معنى لشكايته من يد عادتها تفريق ما هو أحسن منه من الذخائر النفيسة، والجواهر الجليلة، فأي قدر للورد عندها.
وقل له لست خير ما نثرتوإنّما عوّذت بك الكرما
أي: قل للورد، لست بخير من الأموال التي تنثرها يده، وإنما نثرك الآن تعويذاً لكرمه من أن يصاب بالعين.
خوفاً من العين أن يصاب بهاأصاب عيناً بها يعان عمى
عين الرجل يعان: إذا أصيب بعين. وخوفاً نصب على المفعول له. أي: إنما نثرك الآن عوذه لكرمه أن يصاب بالعين، ثم دعا على العين التي تصيب كرمه فقال: أعمى الله عيناً عانته وهمت بإصابته.
وقال أيضاً يمدحه وقد ورد الخبر بهزيمة وهسوذان بعد الكرة الأولى وضربت الدبادب على باب الملك عضد الدولة. فقال أبو الطيب في جمادى الآخرة.
أزائرٌ يا خيال أم عائد؟أم عند مولاك أنّني راقد؟
الزيارة: للصحيح، والعيادة: للمريض. ومولاك: أي صاحبك. يخاطب خيال المحبوبة ويقول: أجئتني زائراً أم عائداً؛ لما نالتني العلة من حب صاحبك؟! وما لحقتني من الغشية شوقاً إليه؟! أم ظن صاحبك أني نائم فبعثك إلي زائراً كما يزور الطيف في المنام، وليس الأمر كما ظن فإني لست براقد.
ليس كما ظنّ غشيةٌ لحقتفجئتني في خلالها قاصد
قاصد في موضع نصب على الحال، فجعله مقيداً لأجل القافية.
يقول للخيال: ليس كما ظن صاحبك أني نائم، وإنما نالتني غشية لشدة الشوق فجئتني في خلال هذه الغشية قاصداً، حيث حسبت أني نائم، ولأن العاشق لا ينام وإنما يغشى عليه. ومثله:
وإنّي لأستغشى وما بي غشيةٌلعلّ خيالاً منك يلقى خياليا
عد وأعدها فحبّذا تلفٌألصق ثديي بثديها النّاهد
الهاء في أعدها للغشية.
يقول: عد يا خيال؛ وأعد الغشية التي كانت بي، فإني أحتملها من أجلك، فحبذا حال جمعت بيني وبينك، وإن كان فيها تلف النفس، فضلا عن الغشية والثدي الناهد: هو المشرف. والهاء في ثديها للمحبوبة.
وجدت فيها بما يشحّ بهمن الشّتيت المؤشّر البارد
الهاء في فيها للغشية. ويشح: أي يبخل. والشتيت: المتفرق من الثغر. والمؤشر: الذي في طرفه تحزيز وحدة، يكون ذلك في أطراف أسنان الأحداث.
والمعنى: وجدت أيها الخيال في حال الغشية بما يشح صاحبك به في حال اليقظة من الشتيت الموشر البارد: أي كنت تبخل بتقبيلي فمك، وارتشا في الثغر البارد الريق، فجدت في حال المنام.
إذا خيالاته أطفن بناأضحكه أنّني لها حامد
خيالات: جمع خيالة، وقيل: جمع خيال، نحو جوابات وجواب، فكأن الخيال والخيالة لغتان مثل: مكان ومكانة، وجمعه وإن كان واحداً لأنه رآه دفعات كل دفعة خيالا، فصارت خيالات، والهاء في خيالاته وأضحكه يعود إلى مولاك، وفاعل أضحكه: أنني وصلته. ويقال: أطاف الخيال يطيف، وطاف يطوف.
يقول: إذا طاف بي خيال صاحب فحمدته، أضحك صاحبه حمدي إليه لخياله، من حيث أن الخيال لا حقيقة له، وليس بشيء يحمد فضحك لذلك.
وقال: إن كان قد قضى أرباًمنا فما بال شوقه زائد؟
زائد: في موضع نصب على الحال.
يقول: قال مولى الخيال: إن كان قد قضى حاجته من خيالي، فلم شوقه إلي زائد؟ فهلا تسلي عني، وقنع بالطيف الذي يزوره؟ ومثله لآخر:
رأتني وقد شبّهت بالورد خدّهافصدّت وقالت: قاس خدّي بالورد
إذا كان مثلي في البساتين عندهفماذا الّذي قد جاء يطلبه عندي
لا أجحد الفضل ربّما فعلتما لم يكن فاعلاً ولا واعد
ولا واعد في موضع نصب عطفاً على قوله: فاعلا وهو خبر كان، وفاعل فعلت ضمير الخيالات.
يقول: مجيباً لحبيبه وراداً عليه في قوله: لا أنكر فض هذه الخيالات علي؛ لأنها فعلت ما لم يكن يفعله صاحبها من الوصل، ولا كان يعد به، ونظر التهامي إلى هذا المعنى فقال:
فكان أكرم فضلاً، إنّ لذّتهتخلو من المنّ والتّنغيص والمنن
ما تعرف العين فرق بينهماكلٌّ خيالٌ وصاله نافد
يقول: لا فرق بين الخيال وبين صاحبه، فإن وصله ينقضي وينصرم، وكلاهما خيال لا حقيقة له ولا دوام، فليس لصاحب الخيال أن يزدري بالخيال ووصله، إذ هما في الانقضاء سواء. وقوله: فرق بينهما أراد كلا من المذكورين: الخيال ومولاه، لما قال: لا فرق بينهما في قصر وصلهما، قدر أن كل واحد منهما خيال، ثم قال: كل خيال وصاله نافد.
يا طفلة الكفّ عبلة السّاعدعلى البعير المقلّد الواخد
الطفلة: الرخصة الناعمة: العبلة الممتلئة. والبعير المقلد: الذي جعل في عنقه قلادة. والواخد: السريع السير.
يقول هذا كله لمحبوبته.
زيدي أذى مهجتي أزدك هوىًفأجهل النّاس عاشقٌ حاقد
يجوز أذىً مهجتي وفيه تقديران: أحدهما أن مهجتي منادى مضاف. أي يا مهجتي زيدي أذىً. والثاني أنه مفعول زيدي وتقديره: زيدي مهجتي أذى.
يقول: زيدي في أذاك لي وتعذيبك إياي.
يقول: إنك كلما زدتني أذىً ازددت لك هوى، ولا أحقد عليك؛ لأن أجهل الناس هو العاشق الحاقد.
حكيت يا ليل فرعها الواردفاحك نواها لجفني السّاهد
الفرع: شعر الرأس. والوارد: الطويل المسترسل. يخاطب الليل ويعاتبه على طوله.
يقول: يا ليل أشبهت شعرها في طوله وسواده، فاحك أيضا بعدها، كما حكيت شعرها، وابعد عن عيني.
وقيل: تقدير البيت: حكيت يا ليل فرعها الوارد، لجفني الساهد فاحك نواها.
طال بكائي على تذكّرهاوطلت حتّى كلاكما واحد
يقول مخاطبا لليل: إن بكائي قد طال على تذكر المحبوبة، وطلت أنت أيها الليل، فكأنك والبكاء واحد، من حيث الطول، لا فرق بينكما.
ما بال هذي النّجوم حائرةًكأنّها العمى مالها قائد؟؟!
يصف طول الليل ويقول: ما للنجوم من هذا الليل متحيرةً واقفةً لا تزل! فكأنها عميان لا قائد لهم، فيبقون متحيرين لا يهتدون إلى مذهب. وهذا البيت مأخوذ من قول ابن المعتز:
والنّجم في كبد السّماء كأنّهأعمى تحيّر ما لديه قائد
أو عصبةٌ من ملوك ناحيةٍأبو شجاعٍ عليهم واجد
العصبة: الجماعة، وهذا تشبيه آخر. شبه النجوم في تحيرها بملوك سخط عليهم الممدوح فبقوا حائرين لا يدرون ما يصنعون.
إن هربوا أدركوا وإن وقفواخشوا ذهاب الطّريف والتّالد
هذا تفسير حيرة الملوك. يعني: لا يدرون ما يصنعون؛ لأنهم إن هربوا أدركهم، وإن وقفوا خافوا أن يغير على أموالهم.
فهم يرجّون عفو مقتدرٍمبارك الوجه جائدٍ ماجد
الجائد: الجواد، وهو على أصل القياس، جاد فهو جائد، ولكنه مرفوض، واستغنوا عنه بقولهم جواد.
يعني: أنهم تحيروا فلا يدرون: أيهربون، أم يثبتون؟! فاستسلموا رجاء أنه إذا قدر عفا عنهم، وجرى على عادته في الجود والمجد.
أبلج لو عاذت الحمام بهما خشيت رامياً ولا صائد
صائد: في موضع النصب. وأبلج: في موضع جر بدلاً عن المجرورات المذكورة في البيت المتقدم. والأبلج: المفروق الحاجبين.
يقول: هو يحمي كل من يلجأ إليه، فلا يقدر على ضيم من استجار به، حتى لو لجأت إليه الحمام لأمنت ولم تخف صائدا ولا راميا.
أورعت الوحش وهي تذكرهما راعها حابلٌ ولا طارد
الوحش: اسم الجنس، وأراد ها هنا الجماعة فأنثه. والحابل: صاحب الحبالة، والطارد: الذي يطرد الوحش.
يعني: لا يجسر أحد على التعرض لمن يستجير به، حتى لو أن الوحش ذكرت اسمه في حال رعيها، أو خطر اسمه لها بالبال لأمنت بذكره، ولم يفزعها حابل بحبالته، ولا طارد يطردها. وهذا ذكره على وجه المثل.
تهدي له كلّ ساعةٍ خبراًعن جحفلٍ تحت سيفه بائد
فاعل تهدى: كل ساعة. والجحفل: الجيش العظيم. والبائد: الهالك.
يقول: يرد عليه كل ساعة خبر من عسكر عدوة: أنه هلك تحت سيفه، وإنما ذلك لكثرة سراياه وانتشارها في الأرض، وإنما قال ذلك، لأن الخبر كان قد ورد عليه بهزيمة وهسوذان مرة أخرى.
وموضعاً في فتان ناجيةٍيحمل في التّاج هامة العاقد
وموضعاً: أي مسرعاً، وهو نصب عطفاً على قوله: تهدى له كل ساعة خبراً، وموضعاً والناجية: الناقة السريعة. والفتان: غشاء من أدم يكون للرحل.
يعني: كل ساعة يرد عليه رسول ببشارة، وراكب يسرع، في رحل ناقة سريعة، تحمل تاج الملك الذي هلك تحت سيفه، ورأس من عقد ذلك التاج على رأسه، ويجوز أن يكون هو الذي قد عقد عليه.
يا عضداً ربّه به العاضدوسارياً يبعث القطا الهاجد
يبعث القطا: أي ينبه. والهاجد: النائم، وهو من وصف القطا. والساري: الذي يسير ليلا. والعاضد: المعين والمعني: يا عضد الدولة الذي ربه يعين به أولياءه.
وقيل: العاضد هو القاطع. يعني: يا عضداً يقطع الله تعالى به أصول أعدائه ويستأصلهم بفعله، ويا من سرى بالليل في فلوات يطلب الأعداء، فينتبه القطا النائم فيها.
وممطر الموت والحياة معاًوأنت لا بارقٌ ولا راعد
الراعد: السحاب الذي فيه الرعد. والبارق: الذي فيه البرق.
يقول: إنك تمطر الموت على أعدائك والحياء على أوليائك، فتحييهم بنعمك وتميت أعداءك بنقمك، ولست مع ذلك سحاباً حقيقياً لا ذي رعد ولا ذي برق. وقيل: أراد أنك تحسن بلا برق وتسيء بلا رعد، بخلاف السحاب يكون البرق فيه وعداً، والرعد وعيداً.
نلت وما نلت من مضرّة وهسوذان ما نال رأيه الفاسد
أي: وما نلت من مضرته ما نال منها رأيه الفاسد. يعني: أن ما نال منه فساد رأيه أكثر مما نلت أنت منه. أي: جنى الشر على نفسه حين تعرض لقتال ركن الدولة.
يبدأ من كيده بغايتهوإنّما الحرب غاية الكائد
الكائد: اسم فاعل من الكيد.
يقول: من جهله أنه بدأ بالمحاربة، وكان سبيله ألا يحارب إلا إذا اضطر إليه؛ إذ الحرب غاية الكائد.
ماذا على من أتى محاربكمفذمّ ما اختار لو أتى وافد
وافد: في موضع نصب على الحال.
يقول: من حاربكم فقتلتموه فيذم عاقبة ما اختاره، ولو جاءكم وافداً عليكم لنال كل ما أراد. يعني: لو أتى وافدا لأدرك مناه.
بلا سلاحٍ سوى رجائكمففاز بالنّصر وانثنى راشد
راشد: حال، فترك نصبه لأجل التقفية. يعني: لو أتى محاربكم وافدا بلا سلاح إلا رجاءه إياكم لفاز بالنصر، وانثنى بالغنيمة والرشد، فمن علم ذلك من حالكم وحاله، فما الذي يضره لو فعل هذا، ولم يعرض نفسه للقتل، ونعمته للزوال والانتقال.
يقارع الدّهر من يقارعكمعلى مكان المسود والسّائد
يقارع: أي يقاتل. والمسود: الذي ساده غيره. والسائد: الذي ساد غيره. يعني: أن الدهر يحارب من حاربكم ونازعكم على الملك، وهو مكان المسود والسائد: يعني: أن الدهر خصم لعدوكم وعون لكم.
وقيل: أراد أن الدهر مسود، وأنتم ساده، فمن قارعكم قارعه الدهر لسيادتكم، فكأن الدهر جند لكم تسودونه، وتسوسونه.
وليت يومي فناء عسكرهولم تكن دانياً ولا شاهد
شاهد: في موضع النصب عطفا على قوله: دانيا والهاء في عسكره لوهسوذان.
يقول: إنك توليت القتال في اليومين اللذين فنى فيهما عسكر وهسوذان، وإن لم تكن حاضراً ذلك اليوم ولا قريباً؛ لأن جيش أبيك إنما فعلوا ذلك لتشجيعك إياهم.
ولم يغب غائبٌ خليفتهجيش أبيه وجدّه الصّاعد
الهاء في خليفته وأبيه وجده للغائب. يعني: أنك وإن كنت غائبا كان خليفتك الذي يقوم مقامك جيش أبيك، وجدك الصاعد، فمن كان كذلك فكأنه لم يغب، فلهذا قلت: إنك توليت القتال وهزمه.
وكلّ خطيّةٍ مثقّفةٍيهزّها ماردٌ على مارد
هذا عطف على ما تقدم، والمارد: الذي لا يطاق من خبثه.
يقول: ناب عنك جيش أبيك، كل فارس مارد على فرس مارد، يهز كل رمح خطى.
سوافكٌ ما يدعن فاصلةًبين طريّ الدّماء والجامد
يقول: نابتك رماح خطية، تسفك دماء الأعداء دائماً، لا تدع بين الطري والجامد فصلا. أي: إذا أراقت دماً فجمد أتبعته بطري من غير فصل.
إذا المنايا بدت فدعوتهاأبدل نوناً بداله الحائد
الحائد: إذا أبدل داله بالنون فهو الحائن أي الهالك. والحائد: الذي يميل عن الحرب. والهاء في دعوتها للمنايا. وقيل: للخيل. أي دعوة الخيل: أن تقول ما في البيت.
يقول: إذا ظهرت المنيه في الحرب، فدعوة المنايا هي أن تقول: أبدل الله تعالى الحائد نوناً بدال. يعني: أنها تدعو على من يحيد عن الحرب بهذا القول أي جعل الله الحائد حائناً. أي: هالكا، من الحين، وهو الهلاك.
إذا درى الحصن من رماه بهاخرّلها في أساسه ساجد
ساجد: حال، والهاء في بها ولها للخيل المضمرة.
يقول: إذا علم الحصن أنك رميته بخيلك سجد لك على أساسه، تعظيما لك ومثله قوله:
تملّ الحصون الشّمّ طول نزالنافتلقى إلينا أهلها وتزول
ما كانت الطّرم في عجاجتهاإلا بعيراً أضلّه ناشد
الطرم: بلدة وهسوذان، أو قلعته، والهاء في عجاجتها للخيل. والعجاجة: الغبار.
يعني: أن الطرم قد خفيت في عجاجة خيلك ساعة ثم أثخنتها فكانت بمنزلة بعير ضل عن صاحبه ثم وجده.
وقيل: أراد من كثرة ما أثارت الخيل الغبار، اسودت الطرم، فخفيت القلعة حتى لا يكاد أحد يراها، ثم شبه الطرم بالبعير الضال الذي فقده صاحبه، لأن وهسوذان خرج عنها وسلمها، فكأنه بعير أضله صاحبه.
تسأل أهل القلاع عن ملكٍقد مسخته نعامةً شارد
شارد: في موضع النصب صفة لنعامة، وإنما ذكره لأن النعامة تقع على الذكر والأنثى، وتسأل: فعل الخيل وكذلك مسخت والهاء فيه ضمير الملك.
يقول: تتبع خيلك وهسوذان وتسأل عنه القلاع، وقد مسخته هذه الخيل نعامة نافراً. أي: كان ملكا ففر من بين يديه كالنعامة الشارد، وسؤال الخيل عنه: تعرضها للقلاع وأهلها.
تستوحش الأرض أن تقرّبهفكلّها آنهٌ به جاحد
الهاء في آنه ترجع إلى لفظ كل.
يقول: تفزع الأرض أن تقر بوهسوذان، فكل مكان منها حاحد لا يقر بمكانه. والمعنى: أنه فر ولم يوجد له أثر، فكل مكان طلبته الخيل فيه لم تجده، والغرض باستيحاش الأرض من الإقرار به هو أنها تأنف من كونه عليها، وتريد ألا يكون حياً يمشي عليها، فلما كان الأمر بخلاف مرادها لم ترض أن تقر به أنفةً من أن يكون هو من أهلها.
فلا مشادٌ ولا مشيدٌ حمىولا مشيدٌ أغنى ولا شائد
المشيد: الجص. يقال: شدت البناء أشيده شيداً: إذا بنيته بالشيد وأنا شائد وهو مشيد.
وأشدته أشيده إشادةً: إذا رفعته. فأنا مشيد وهو مشاد. يعني: أنه هرب ولم يمنعه حصنه الذي رفعه وطوله وبناه بالشيد ولا مبانيه التي شيدها وجصصها.
فاغتظ بقومٍ وهسوذ ما خلقواإلا لغيظ العدوّ والحاسد
أراد: وهسوذان فرخمه، فحذف منه الألف والنون. كما تقول: في مروان يا مرو.
يقول: يا وهسوذان: اغتظ بآل بويه، فهم لم يخلقوا إلا غيظاً لكل عدو وحاسد. وقيل: أراد بالقوم: جيش ركن الدولة.
رأوك لمّا بلوك نابتةًيأكلها قبل أهله الرّائد
بلوك: أي جربوك. والنابتة: القطعة النابتة من الحشيش.
يقول: لما جربوك رأوك أمراً هيناً فرموك بطلائعهم، وأوائل خيلهم قبل حضورهم، فكنت في القلة كالقطعة من العشب يأكلها الرائد قبل حضور الحي.
وخلّ زيّاً لمن يحقّقهما كلّ دام جبينه عابد
يقول: خل زي الملك لأهله الذين يستحقونه، فإنه لا يليق بك، فليس كل من تزيا بزي الملوك يستحق ذلك، كما أنه ليس كل من دمى جبينه فهو عابد.
إن كان لم يعمد الأمير لمالقيت منه فيمنه عامد
يقول: إن كان عضد الدولة لم يقصد إلى ما جرى عليك، ولم يشهده بنفسه، فإن يمنه تعمد ذلك فناب عنه.
يقلقه الصّبح لا يرى معهبشرى بفتحٍ كأنّه فاقد
يقول: إذا طلع الصبح، ولم يرد عليه من يبشره بفتح، قلق لذلك، حتى كأنه فقد شيئاً كان في يده. وقيل: الفاقد: المرأة التي فقدت ولدها بغير هاء كحائض وطاهر يعني: كأنه من قلقه امرأة فقدت ولدها.
والأمر لله ربّ مجتهدٍما خاب إلاّ لأنّه جاهد
يقول لوهسوذان: اجتهدت في طلب الملك، فخاب سعيك، وقد رأينا من كان سبب خيبته، اجتهاده. وحرصه، وهذا كما قيل: الحريص محروم فكأنه قال: إن الإمارة والدولة بتوفيق الله تعالى، ومن مواهبه، لا تنال بالجد والاجتهاد.
ومتّقٍ والسّهام مرسلةٌيحيص عن حابضٍ إلى صارد
يحيص: أي يعدل. وحابض: من قولهم حبض السهم يحبض حبضا فهو حابض، إذا وقع بين يدي الرامي لضعفه ولم يصل إلى الغرض. والصادر: من قولهم صرد السهم صردا، إذا نفذ من الرمية إلى ما وراءها.
يقول: رب متق من سهام مرسلة يعدل عنها من قرب، ويمر إلى الهدف حتى تصيبه يعني: ورب إنسان يحذر ما لا يصيب، ويفر إلى ما فيه هلاكه.
فلا يبل قاتلٌ أعاديهأقائماً نال ذاك أم قاعد
يعني: الغرض قتل العدو، فسواء قتلته بنفسك، أو قتله غيرك ممن هو منك، وأنت قاعداً - وقاعد في موضع نصب عطفاً على قائم وقوله: فلا يبل أصله فلا يبالي، فحذف الياء للجزم ثم حذف الألف أيضاً تخفيفاً.
ليت ثنائي الّذي أصوغ فدىمن صيغ فيه، فإنّه خالد
الهاء في فإنه للثناء وفي فيه للممدوح.
يقول: إن ثنائي الذي أصوغه في عضد الدولة يبقى مخلداً، فليت أن الله جعله فداء من مدحته ليدوم ملكه خالداً كما دام هذا الثناء.
لويته دملجاً على عضدٍلدولةٍ ركنها له والد
يقول: صغت مدحي دملجاً يزينه، كما يزين الدملج العضد، ولما كان الممدوح ملقباً بعضد الدولة جعل شعره دملجاً عليه؛ لما بين العضد والدملج من المناسبة؛ لأن الدملج زين العضد. ثم قال: ركنها له والد أي ركن هذه الدولة والد لعضد الدولة، أورد لقبه ولقب أبيه بلفظ وجيز، والهاء في لويته للثناء وفي له للعضد، والعضد: مؤنثة ولكنه رد الهاء إليها بلفظ التذكير، حملا على المعنى؛ لأنه أراد الممدوح، وهو مذكر، فرد الضمير إليه.
وخرج عضد الدولة يتصيد ومعه الكلاب والفهود والبزاة والشواهين وعدد الصيد، ما لم يرم مثله كثرةً، وكن يسير قدام الجيش يمنه ويسرةً فلا يطير شيء إلا وصاده، حتى وصل إلى دشت الأرزن، وهو موضع حسن على عشرة فراسخ من شيراز، كثير الصيد تحف به الجبال، والأرزن، فيه غاب وماء ومروج، وكانت الأيائل تصاد ويقتل بعضها، ويقبل بعضها يمشي والحبل في قرونها، وكانت الوعول تعتصم بالجبال، وتدور بها الرجال، وتأخذ عليها المضايق، فإذا أثخنها النشاب لجأت إلى مواضع لا تحملها، فهوت من رءوس الجبال إلى الدشت، فسقطت بين يديه، فمنها ما يطيح قرنه. ومنها ما يؤخذ ويذبح فتخرج نصول النشاب من كبده وقلبه، فأقام بها أياماً على عين حسنة وأبو الطيب معه، ثم قفل فقال أبو الطيب يمدحه في رجب سنة أربع وخمسين وثلاث مئة:
ما أجدر الأيّام واللّيالي
بأن تقول ماله وما لي؟
لا أن يكون هكذا مقالي
يقول: ما أخلق الأيام والليالي بأن تتظلم مني وتستغيث من يدي فتقول: ما لهذا الرجل ومالي؟! وقوله: لا أن يكون هكذا مقالي: يعني: ما أجدر ألا تكون الأيام هكذا. أي: تحتال الأيام والليالي من أجلي.
والمعنى: أنها أولى بأن تتظلم مني، وأن تقول هذا المقال، من أن أقوله أنا لها. أي: هي أحق بأن تستغيث مني، لا أنا، لأني أقوى منها وأقدر، فلا أحتاج إلى التظلم منها؛ لاعتصامي بعضد الدولة.
وتقديره: لا أن يكون هكذا مقالي لها، فحذف للاختصار والعلم به، ولا بد من ضمير يعود إليها، فلو لم يحمل على هذا التفسير لم يصح.
فتىً بنيران الحروب صالي
منها شرابي وبها اغتسالي
لا تخطر الفحشاء لي ببال
الضمير في منها وبها للحروب. والبال: القلب. وفتىً: خبر ابتداء محذوف أي: أنا فتى.
يقول: كيف لا تتظلم الأيام والليالي من يدي؟ وأنا فتى أصطلي بنار الحروب وألابسها وأخوض شدائدها. وهي نيرانها. وقوله: منها شرابي أي: أني ألفتها كما ألفت الماء الذي أشرب منه وأغتسل به، وقيل: أراد شرابي من دماء الأعداء التي أريقها في الحروب، وأتضمخ بها، فيكون ذلك اغتسالي، ثم قال: وأنا مع ذلك عفيف النفس، لا تخطر الفحشاء بقلبي فضلا عن فعلها.
لو جذب الزّرّاد من أذيالي
مخيّراً لي صنعتي سربال
ما سمته سرد سوى سروالي
الزراد: الذي يعمل الدروع. والسربال: القميص والسروال. واحد السراويل. والسرد: عمل الدروع ونسجها.
يقول: لو جذب الزراد أذيالي، وخيرني أن يسرد لي قميصا أو سراويل. وهو قوله: مخيراً لي صنعتي سربال ما طلبت منه إلا أنه يصنع لي سراويل، أحصن بها عورتي، ثم لا أبالي بعد ذلك بانكشاف سائر جسدي، إذا صنت العورة وحصنتها. وهذا مبالغة منه في بيان العفة.
وقيل: إن المراد بذلك أن كل ما علي حديد: فثوبي من حديد، وعمامتي من حديد، وتجافيف فرسي حديد. فلم يبق إلا أن أصنع سراويل من حديد.
وكيف لا وإنّما إدلالي
بفارس المجروح والشّمال
أبي شجاعٍ قاتل الأبطال
المجروح، والشمال: فرسان لعضد الدولة. وأبي شجاع: بدل من فارس. أي: كيف لا أكون كذا، وإنما أدل وأعتمد بفارس هذين الفرسين، وهو أبو شجاع الذي يقتل الشجعان كلهم.
ساقي كئوس الموت والجربال
لما أصار القفص أمس الخالي
وقتّل الكرد عن القتال
حتّى اتّقت بالفرّ والإجفال
فهالكٌ وطائعٌ وجالي
الجربال: الخمر. يعني: يسقى أعداءه كئوس الموت وأولياءه كئوس الخمر. والقفص: قوم من الأكراد، في نواحي كرمان، كان أهلكهم. والخالي: الماضي. والفر: الفرار. والإجفال: الإسراع في الهرب. وقتل الكرد: أي منعهم. والقفص: المفعول الأول لأصار. وأمس: المفعول الثاني.
يقول: لما قتل القفص حتى جعلهم منقضياً كأمس الماضي، وقتل الكرد عن آخرهم فلم يبق منهم مقاتلاً، حتى التجئوا إلى الفرار وصاروا بين ثلاثة أقسام: هالك قتل، وطائع سلم، وهارب قد خلا عن وطنه.
واقتنص الفرسان بالعوالي
والعتق المحدثة الصّقال
يقول: اصطاد الفرسان بالرماح والسيوف. العتق: القديمة، الحديثة الصقال؛ لأنها كل وقت يجدد صقالها.
سار لصيد الوحش في الجبال
وفي رقاق الأرض والرّمال
على دماء الإنس والأوصال
الرقاق من الأرض: ما كان رقيقاً، ليس بذي رمل؛ لأنه أطيب التراب. وقوله: سار جواب لقوله: لما أصار والمعنى: أنه بدأ أولا بالجد والحرب، ثم أتبعه بالنزهة والصيد.
يقول: لما قتل الكرد، عاد إلى صيد الوحش في السهول والجبال، فكان سيره في هذه الأرضين على دماء الإنس وأوصالهم. وأراد بالإنس: الكرد الذين قتلهم وأجرى دماءهم وأبان أوصالهم: وهي كل عظم يتصل بالآخر.
منفرد المهر عن الرّعال
من عظم الهمّة لا الملال
وشدّة الضّنّ لا الأستبدال
الرعال: جمع رعلة، وهي القطعة من الخيل. ونصب منفرد على الحال. يعني: كان يسير وحده منفرداً عن جيشه، ولم يكن يفعل ذلك مللاً بجيشه، وإنما فعله لعظم همته أن يدنو منه أحد، وأن يختلط الجيش به، وليتأمل عسكره ويميزه ويتفقده؛ لظنه به، ولو اختلط بهم لم يستبن له قدره.
وقيل: إن عظم قدره وعلو همته حمله على الصيد بنفسه وقوله: لا الاستبدال يعني: أنه لم يرد الاستبدال بجيشه لتنزهه بهم، لكن لشدة ضنه بهم، أو بنفسه عن الاختلاط بهم.
ما يتحرّكن سوى انسلال
فهنّ يضربن على التّصهال
يعني: أن الرعال، وهي الخيل، لا تتحرك ولا تمشي إلا على وجه الانسلال: وهو اللين والرفق، هيبةً أو حذراً من تنفير الصيد، فإن صهل منها فرس ضرب على صهيلة هيبةً له، وحذراً من نفور الصيد.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع