تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال آخر (١٣)

أقول وسيفي في مفارق أغلبوقد خر كالجذع السحوق المشذب

مفعول أقول أول البيت الذي بعده، وهو قوله بك الوسبة. وقال في مفارق لأنه جمعه على ما حوله، كما يقال بعير ضخم العثانين، كأنه جعل كل قطعةٍ مما يلي المفرق مفرقاً فجمعه. ومعنى خر سقط، ومصدره الخرور. والسحوق من النخل والحمر: الطويل. يقال: أتانٌ سحوقٌ، نخلةٌ سحوق. يقول: لما تمكنت من أغلب قنعته بسيفي فسقط، فقلت متشفياً ومستهيناً: أناخت الوجبة بك لا بمن كنت تطلبه لها، وهذا كما يقال: لليدين وللفم. وقوله كالجذع في موضع الحال، والعامل فيه خر، وتشبيهه إياه بالجذع من قديم التشبيه، وفي القرآن: " كأنهم أعجاز نخلٍ خاوية ". زدهلخ كشذباً ليكون طوله أظهر.

بك الوجبة العظمى أناخت ولم تنخبشعبة فابعد من صريعٍ ملحب

أراد بالوجبة العظمى المنية. وفي القرآن: " فإذا جبت جنوبها ". أي مزل بك المكروه الأعظم، والبلاء الأفظع، لا بشعبة. كأن هذا المصروع كان يتوعد شعبة بالقتل، أو يريده له ويتمناه، فما ائتمره به أصابه وحق عليه. وقوله فابعد دعاءٌ عليه على طريق الاستهانة بما حل به. والملحب: المذلل، ومنه طريقٌ لاحبٌ أي واضحٌ. ويجوز أن يكون معنى ملحبٌ مجروحٌ مقطع يقال لحبت اللحم إذا قطعته طولا.

سقاه الردي سيفٌ إذا سل أو مضتإليه ثنايا الموت من كل مرقب

هذا مثل قول تأبط شراً.

إذا هزه في عظم قرنٍ تهللتنواجذ أفواه المنايا الضواحك
للشاعر تأبط شراً، من قصيدة «إني لمهد من ثناء فقاصد»

وإن كان هذا أبلغ؛ جعل ضحك الموت تألق السيف إذا جرد من الغمد سروراً به، وذلك جعله إلى المضروب به ثقةً بكونه له. ويقال أومض وومض، إذا لمع. ورواه بعضهم: " أومضت إليه منايا الموت "، وهو تصحيف.

ويا عجل عجل القاتلين بذحلهمغريباً لدينا من قبائل يحصب
جنيتم وجرتم إذا أخذتم بحقكمزعمتم غريباً مرملاً غير مذنب

قوله عجل القاتلين وإضافة البعض إلى الكل، وكرره توكيداً. ولك أن تضم عجل الأول وتنصب الثاني على البدل، أو على عطف البيان. وبنو عجلٍ كانوا موتورين بما ارتكب منهم قبيلة الشاعر، وهم بنو مازنٍ، فلم يطلبوا ذخلهم من وجهه، ولا أدركوا الثأر من كاسبه، لكنهم أخذوا غريباً كان جاور بني مازن فقتلوه، فقال هذا الشاعر في مخاطبتهم معيراً، وهازئاً متهكماً: يا عجل القاتلين بوترهم غريباً كان عندنا من بني يحصب، لم يسع في اكتساب الثأر الذي تدعونه، ولا أعمل فيه يداه وسنانه حتى جنيتم وعدلتم عن طريق الرشاد، إذ أخذتم بحقكم على زعمكم غير واتركم. فقوله: إذ أخذتم بحقكم زعمتم يجوز أن يضعف بالزعم دعواهم الحق المشار إليه، ويجوز أن يضعف ما توهموه من درك الثأر بما فعلوه. ويجوز أن يضعف الأمرين جميعاً، وهو الأشبه. فإن قيل: أين مفعولا زعمتم، وكيف ساغ حذفهما؟ قلت: الحذف هنا كالحذف في قوله تعالى: " أين شركائي الذين كنتم تزعمون ". وكالحذف في قول الكميت:

بأي كتابٍ أم بأية سنةٍترى حبهم عاراً عليك وتحسب
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «طربت وما شوقا إلى البيض أطرب»

فكما حذف مفعولا تحسب في بيبت الكميت، ومفعولا تزعموت في الآية، كذلك حذف مفعولا زعمتم من هذا البيت، ويكون التقدير: إذ أخذتم بحقكم زعمتموه مأخوذاً رجلاً هذا صفته، وبحقكم زعمتموه ثاناي، فحذف ذكر الحق لما

تقدم من ذكره، ولما حذف المفعول الأول جاز حذف الثاني، وهذا كما يحذف المبتدأ والخبر من مسألة الكتاب، وهي متى ظننت أو قلت زيداً منطلقاً. إذا أعملت الفعل الأول ساغ ذلك، لأن الفعل الثاني نقيضهما، وقد حصل في الكلام ذكرهما. فاعلمه. والمرمل: الفقير.

وما قتل جارٍ غائبٍ عن نصيرهلطالب أوتارٍ بمسلك مطلب
فلم تدركوا ذحلا ولم تذهبوا بمافعلتم بني عجلٍ إلى وجه مذهب

يقول: الوتر مقيمٌ في موضعه ثابتٌ على حاله، لم تزيلوه ولم تظعنوه عن محله، لأن قتل جارٍ للواتر غائبٍ عن نصاره، بعيدٍ عن أرضه ودياره، لطالب الثأر ليس بطريقٍ يؤديه إلى نيل مرادٍ، ولا بسببٍ يوصله إلى اشتفاءٍ من داءٍ، فأنتم لم تصيبوا نجحاً في فعلكم، ولا سلمتم فيما أتيتم من عار يلحقكم.

ولكنكم خفتم أسنة مازنٍفنكبتم عنها إلى غير منكب
وقد ذقتمونا مرةً بعد مرةٍوعلم بيان المرء عند المجرب

يقال نكب بمعنى تنكب، ومثله قدم بمعنى تقدم؛ ومعناه انحرف. ويقال هو أنكب عن الحق ومنكابٌ عنه، إذا جانبه فيصير منه في شق. يقول: هبتم أعداءكم عندما هممتم به من طلب وتركم، واستشعرتم منهم جبناً، فحذرتموهم، ثم عدلتم عنهم إلى غير معدل فقبحت صورتكم، واخترتم ذلك لأنكم خبرتمونا حالةً بعد أخرى، والمرء يتبين الشيء، ويعرف الخصم عند تجربته.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

في هذا الباب

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح ديوان الحماسة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.