من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال منقذ الهلالي
الدهر لاءم بين ألفتناوكذاك فرق بيننا الدهر
وكذاك يفعل في تصرفهوالدهر ليس يناله وتر
نسب ما اتفق عليه وعلى محبيه الى الدهر، فقال: الدهر جمع بيننا وسوى ألفتنا، فلما أراد كل منا أن يفرح بصاحبه كما يهواه، ويتمتع به ويتملاه، فرق بيننا وشتت شملنا، فعاد ما كنا نأمله من التملي والاستمتاع تبايناً وتوجعاً. ومعنىوكذاك فرق بيننا: ومثل ذك. وأشار الى مادل عليه لاءم من التأليف. يريد: وكتأليفه فرق أيضاً. وكرر لفظ الدهر تفخيماً. وموضع كذاك نصب على الحال من فرق بيننا. وقوله " وكذاك يفعل في تصرفه " يريد أن الدهر في مصارفه فعال لمثل ما فعل بنا، يهب ويرتجع، ويؤلف ويفرق، ولايترك شيئاً على حاله الا ريث ما
يسلط عليه التغيير. وقوله:
والدهر ليس يناله وتر
يريد أنه يتر غيره فلا يوتر، وينكى فلا يجازى، فليس معه الا الاستسلام لحكمه، والرضا بمحتومه. وهذا الذي جعله للدهر، الفاعل له القادر على كل شيء، تعالى عن الأشباه.
كنت الضنين بمن أصبت بهفسلوت حين تقادم الأمر
ولخير حظك في المصيبة أنيلقاك عند نزولها الصبر
قوله " كنت الضنين " تشك من الفراق الواقع بينه وبين من يرثيه، واظهار لضنه كان به، وتنافسه فيه. فيقول: كنت لاأصبر عنه، وأعد الأوقات التي لاأراه فيهاكثلمة في العيش، ونقيصة من زاكي الحظ، اذ كنت لاأرى طيب العيش الا معه، ولا أعرف طعم الحياة الا في صحبته فلما افترقنا وتقادم العهد بيننا سلوت عنه، حتى كأنني لم يجمعني واياه حال. وهذا الكلام منه استقصار لجزعه، واعتراف بأنه لم يفعل كنه الواجب عليه عند الرزيئة. وقوله: " ولخير حظك " يريد: خير انصبائك فيما تصاب به وتعنوله، أن يتلقاك الصبر عند الصدمة الأولى لتصون به دينك ونفسك وعقلك؛ لأن المرجع اليه، فألايتسلى الانسان تسلي البهائم أحسن وفي هذه الطريقة قول الخريمي:
واني وان أظهرت صبراً وحسبةًوصانعت أعدائي عليك لموجع
ولو وشيت أن أبكي دماً لبكيتهعليك ولكن ساحة الصبر أوسع
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع