من «شرح ديوان الحماسة» للخطيب التبريزي (ت ٥٠٢هـ)
وَقَالَ حُصَيْن بن حمام المري
ــ
منا بِمَنْزِلَة أَنْفُسنَا من آذاهم فقد آذَانا
الْحصين تقدّمت تَرْجَمته وَكَانَ السَّبَب فِي هَذَا الشّعْر مَا حدث بِهِ أَبُو عُبَيْدَة قَالَ كَانَ نَاس من بني قضاعة يُقَال لَهُم بَنو سلامان بن سعد حلفاء لبني صرمة بن مرّة ونزولا فيهم وَكَانَ بَنو حميس ابْن عَامر حلفاء لبني سهم بن مرّة وَكَانَ فِي بني صرمة يَهُودِيّ من أهل تيماء يُقَال لَهُ جُهَيْنَة وَكَانَ فِي بني سهم يَهُودِيّ من أهل وَادي الْقرى وَكَانَ تَاجِرًا فِي الْخمر وَكَانَ بَنو جوشن أهل بَيت من عبد الله بن غطفان جيرانا لبني صرمة وَكَانَ يتشاءم بهم ففقدوا مِنْهُم رجلا يُقَال لَهُ حُصَيْن كَانَ يقطع الطَّرِيق وَحده فَكَانَت أُخْته وأخوته يسْأَلُون النَّاس عَنهُ وينشدونه فِي كل مجْلِس وموسم فَجَلَسَ ذَات يَوْم أَخ لذَلِك الْمَفْقُود فِي بَيت ذَلِك الْيَهُودِيّ المجاور لبني سهم يبْتَاع خمرًا إِذْ مرت أُخْت الْمَفْقُود تسْأَل عَن أَخِيهَا فَقَالَ لِلْيَهُودِيِّ نشدتك الله وَدينك هَل تعلم لأخي علما فَقَالَ لَا وديني لَا أعلم فَلَمَّا مضى أَخُو الْمَفْقُود تمثل ذَلِك الْيَهُودِيّ
لعمرك مَا ضلت ضلال ابْن جوشنحَصَاة بلَيْل ألقيت وسط جندل
أَرَادَ أَن الْحَصَاة يُمكن أَن ترجع وَأَن هَذَا لَا يرجع أبدا فَلَمَّا سمع أَخُوهُ ذَلِك تَركه حَتَّى إِذا أَمْسَى قَتله فَأتى الْحصين وَقيل لَهُ إِن جَارك الْيَهُودِيّ قد قَتله أَبُو جوشن جَار بني صرمة فَقَالَ اقْتُلُوا الْيَهُودِيّ الَّذِي فِي جوَار بني صرمة فَأتوهُ فَقَتَلُوهُ فَوَقع الشَّرّ بَينهم وصافهم الْحصين الْحَرْب وَقَاتلهمْ وَهَزَمَهُمْ وكف يَده بعد مَا أَكثر فيهم الْقَتْل وأبى بَنو سلامان أَن يكفوا عَن الْقَوْم حَتَّى أثخنوا فيهم وأجلبت بَنو ذبيان على بني سهم مَعَ بني صرمة وأجلبت بَنو محَارب
فَقلت لَهُم يَا آل ذبيان مَا لكمتفاقدتم لَا تقدمون مقدما
مواليكم مولى الْولادَة مِنْهُموَمولى الْيَمين حَابِس قد تقسما
وَقلت تبين هَل ترى بَين ضارجوَنهي الأكف صَارِخًا غير اعجما
من الصُّبْح حَتَّى تغرب الشَّمْس لَا ترىمن الْخَيل إِلَّا خارجيا مسوما
ــ
ابْن خصفة مَعَهم أَيْضا فأقاموا على الْحَرْب وغاظهم بَنو ذبيان ومحارب فَالْتَقوا بدارة مَوْضُوع فظفر بهم الْحصين وَهَزَمَهُمْ وَقتل مِنْهُم فَأكْثر فِي ذَلِك حَيْثُ يَقُول هَذِه الأبيات
جملَة تفاقد تمّ مُعْتَرضَة بَين مالكم وَبَين لَا تقدمون وَهِي دُعَاء عَلَيْهِم بِأَن يفقد بَعضهم بَعْضًا والمقدم مصدر قدم بِمَعْنى تقدم وضع مَوضِع الْإِقْدَام أَي التَّقَدُّم والفعلان إِذا اتفقَا فِي الْمَعْنى جَازَ وضع مصدر أَحدهمَا مَوضِع مصدر الآخر
الْمولى يُطلق على معَان كَثِيرَة والشاعر فِي هَذَا الْبَيْت قسم الموَالِي إِلَى بني عَم وهم الَّذين سماهم مولى الْولادَة وَالِي حَلِيف وَهُوَ من انْضَمَّ إِلَيْك فعز بعزك وَهُوَ الَّذِي سَمَّاهُ مولى الْيَمين لِأَنَّهُ يقسم لَهُ عِنْد الانضمام وَمعنى الْبَيْت تداركوا الَّذين ينتسبون بولاء النّسَب وَوَلَاء الْحلف والنصرة فَكل مِنْهُم ذُو حبس على الشَّرّ متقسم الْحَال مغار عَلَيْهِ
ضارج مَاء لبني عبس وَنهى الأكف مَوضِع والصارخ المستغيث والأعجم الَّذِي لَا يفصح وَالْمعْنَى تَأمل هَل ترى بَين هذَيْن الْمَوْضِعَيْنِ مستغيثا غير أعجم
كَانُوا قبل الْإِسْلَام يسمون من خرج شجاعا أَو كَرِيمًا وَهُوَ ابْن جبان أَو بخيل خارجيا وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ للْفرس الْجواد إِذا برز وَأَبَوَاهُ لبسا كَذَلِك خارجي والمسوم الَّذِي عَلَيْهِ سمة أَي عَلامَة
عَلَيْهِنَّ فتيَان كساهم محرقوَكَانَ إِذا يكسو أَجَاد وأكرما
صَفَائِح بصرى أخلصتها قيونهاومطردا من نسج دَاوُد مُبْهما
وَلما رَأينَا الصَّبْر قد حيل دونهوَإِن كَانَ يَوْمًا ذَا كواكب مظلما
صَبرنَا وَكَانَ الصَّبْر منا سجيةبأسيافنا يقطعن كفا ومعصما
نفلق هاما من رجال أعزةعلينا وهم كَانُوا أعق وأظلما
ــ
يعرف بهَا يَقُول لَا ترى من الصُّبْح إِلَى وَقت الْمسَاء إِلَّا خيلا مسومة يُرِيد بذلك كَثْرَة الْخَيل وَالرِّجَال حَتَّى يضيق بهم الفضاء
محرق هُوَ أحد مُلُوك لخم حرق قوما فَسُمي محرقا يُرِيد على الْخَيل فتيَان دروعهم وسلاحهم مِمَّا كساهم محرق وَكَانَ محرق إِذا كسى أحدا أَجَاد وَأكْرم
الصفائح السيوف وَهُوَ مفعول كساها فِي الْبَيْت قبله وَبصرى مَوضِع بالشأم تبَاع فِيهِ السيوف والقيون جمع قين وَهُوَ الْحداد والمطرد المتتابع النسج وَلم تجر الْعَادة بقَوْلهمْ كَسَاه سَيْفا وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِك وَحسن لِأَن السيوف وَقعت فِي صُحْبَة الدروع والدروع تلبس كَمَا تلبس الْكسْوَة من الثِّيَاب يَقُول كساهم محرق سيوف بصرى الَّتِي أجيد صنعها وكساهم أَيْضا دروعا متتابعة النسج خفيات الحلقات مِمَّا نسجه دَاوُد وَالِد سُلَيْمَان ﵉
وَإِن كَانَ يَوْمًا اسْم كَانَ يعود إِلَى الْيَوْم أَي وَإِن كَانَ ذَلِك الْيَوْم يَوْمًا ذَا كواكب مَأْخُوذ من قَوْلهم أرَاهُ الْكَوَاكِب نَهَارا وَهُوَ شَيْء نطقوا بِهِ فِي الدَّهْر الأول يُرِيدُونَ بذلك شدَّة الْأَمر وَعظم الْخطب
السجية الطبيعة والمعصم مَوضِع السوار من الساعد
نفلق أَي نشق والهام جمع هَامة وَهِي الرَّأْس والعقوق ضد الْبر وأغلب مَا يسْتَعْمل فِي الْوَلَد مَعَ وَالِده يَقُول نشق رُؤْس رجال أعزة علينا وَلَكنهُمْ
وَلما رَأَيْت الود لَيْسَ بنافعيعَمَدت إِلَى الْأَمر الَّذِي كَانَ أحزما
فلست بمبتاع الْحَيَاة بذلةوَلَا مرتق من خشيَة الْمَوْت سلما
النص من طبعة دار القلم ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع