من «شرح ديوان الحماسة» للخطيب التبريزي (ت ٥٠٢هـ)
وَقَالَ تأبط شرا (٢)
وَقَالُوا لَهَا لَا تنكحيه فَإِنَّهُلأوّل نصل أَن يلاقي مجمعا
فَلم تَرَ من رأى فتيلا وحاذررتتأيمها من لابس اللَّيْل أروعا
قَلِيل غرار النّوم أكبر همهدم الثأر أَو يلقى كميا مسفعا
ــ
حَيَاة سارة لي وَأَنا مخذول طول اللَّيَالِي مُسلم للأعداء بجرائري ظَاهِرَة لقومي فَيكون سَبَب شماتتهم
وَهُوَ ثَابت بن جَابر وَقد تقدّمت تَرْجَمته وَمن خبر هَذَا الشّعْر أَنه خطب امْرَأَة من بني عبس وَمن بني قَارب فَأَرَادَتْ أَن تتزوجه ووعدته بذلك فَلَمَّا جاءها وجدهَا قد رغبت عَنهُ فَقَالَ لَهَا مَا غَيْرك فَقَالَت وَالله إِن الْحسب لكريم وَلَكِن قومِي قَالُوا مَا تصنعين بِرَجُل يقتل عِنْد أحد الْيَوْمَيْنِ وتبقين بِلَا زوج فَانْصَرف عَنْهَا وَهُوَ يَقُول هَذَا الشّعْر
أَن يلاقي مجمعا أَن وَالْفِعْل فِي تَأْوِيل مصدر بدل من ضمير فَإِنَّهُ وَالتَّقْدِير فَإِن ملاقاته مجمعا لأوّل نصل وَمعنى الْبَيْت أَنهم قَالُوا لَهَا لَا تنكحيه فَإِنَّهُ إِذا لَاقَى مجمعا فَهُوَ لأوّل نصل يقتل
الفتيل والنقير والقطمير يضْرب بهَا الْمثل فِي حقارة الشَّيْء وَعدم نَفعه والتأيم الْبَقَاء بِلَا زوج والأروع هُنَا الْحَدِيد الْفُؤَاد وَمعنى الْبَيْت أَنَّهَا لم تَرَ قدر فتيل من الرَّأْي فِي انصرافها عَن رجل متيقظ محترس من الْأَمر قبل وُقُوعه
المُرَاد بالقلة النَّفْي والغرار الْقَلِيل أَي أَنه لَا ينَام الْقَلِيل من اللَّيْل فَكيف بالكثير والكمي الشجاع والمسفع الْمُتَغَيّر لون الْوَجْه وَمعنى الْبَيْت أَنه لَا ينَام اللَّيْل لشجاعته وَأكْثر اهتمامه طلب الثأر أَو ملاقاة الفرسان لممارسته الْحَرْب
يماصعه كل يشجع قومهوَمَا ضربه هام العدا ليشجعا
قَلِيل أدخار الزَّاد إِلَّا تعلةفقد نشز الشرسوف والتصق المعا
يبيت بمغنى الْوَحْش حَتَّى ألفنهوَيُصْبِح لَا يحمي لَهَا الدَّهْر مرتعا
على غرَّة أَو نهزة من مكانسأَطَالَ نزال الْقَوْم حَتَّى س تسعسعا
وَمن يغر بالأعداء لَا بُد أَنهسيلقى بهم من مصرع الْمَوْت مصرعا
رأين فَتى لَا صيد وَحش يهمهفَلَو صافحت إنسا لصافحنه مَعًا
ــ
يماصعه أَي يجالده ويقاتله وَقَوله يشجع قومه أَي يشجعه قومه وَمعنى الْبَيْت أَنه لَا يضار بِهِ وَلَا يراميه إِلَّا كل رجل مَعْرُوف بالشجاعة وَأَنه لَا يقْصد بضربه هام العدا أَن ينْسب إِلَى الشجَاعَة لِأَن ذَلِك أَهْون شَيْء عِنْده
التعلة مَا يتعلل بِهِ والنشوز الشخوص والشرسوف مقاطع الأضلاع الَّتِي تشرف على الْبَطن والمعي الْبَطن وَالْمعْنَى أَنه لَا يدّخر من الزَّاد وَلَا يُرِيد مِنْهُ إِلَّا مَا يمسك رمقه ويتعلل بِهِ فاضطره الْجُوع إِلَى شخوص رُؤْس أضلاعه والتصاق بَطْنه
المغنى الْمنزل وَمعنى الْبَيْت أَنه طَال ملازمته الْوَحْش حَتَّى ألفنه فَلَا يمْنَعهَا من الرَّعْي فَهِيَ لَا تخَاف مِنْهُ لِأَن همته مصروفة إِلَى غير وَهَذَا هَا وَهَذَا مِمَّا يدل على قُوَّة ثباته
على غرَّة مُتَعَلق بقوله يحمي والغرة الْغَفْلَة والنهزة الفرصة والمكانس الملازم للكناس وتسعسعا من قَوْلهم تسعسع الشَّهْر إِذا ولى وَالْمعْنَى أَنه لَا يحمي المرتع على غَفلَة أَو فرْصَة من أَسد مكانس وَقد طَال شغفه بنزال الْقَوْم حَتَّى تسعسع أَي ولى أَكْثَره
يُقَال أغراه بفلان حمله على قَتله أَي وَمن يلهج بمحاربة الْأَعْدَاء لَا بُد أَن يلقى بذلك مصرعا
رأين فَتى يلغ يُرِيد بِهَذَا الْبَيْت أَن يبين سَبَب أُنْسُهَا بِهِ بأبين مِمَّا قدمه فَيَقُول رَأَتْ الْوَحْش
وَلَكِن أَرْبَاب الْمَخَاض يشفهمإِذا اقتفروه وَاحِدًا أَو مشيعا
وَإِن وَإِن عمرت أعلم أننيسألقى سِنَان الْمَوْت يَبْرق أصلعا
النص من طبعة دار القلم ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع