تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للخطيب التبريزي (ت ٥٠٢هـ)

وَقَالَ دُرَيْد بن الصمَّة

نصحت لعَارض وَأَصْحَاب عَارضورهط بني السَّوْدَاء وَالْقَوْم شهدي

ــ

كَارِهًا حَال من قَوْله سيركب والعدا الغرباء الأباعد وَالْمعْنَى لم يُوجد أحد من الْبشر إِلَّا وَيحمل فِي النعش على أَعْنَاق الرِّجَال الأباعد والأقارب

وجده الْحَرْث بن مُعَاوِيَة أحد بني جشم بن مُعَاوِيَة بن بكر بن هوزان فَارس شُجَاع شَاعِر فَحل وَجعله مُحَمَّد بن سَلام أول شعراء الفرسان وَكَانَ أطول الفرسان الشُّعَرَاء غزوا وأبعدهم أثرا وَأَكْثَرهم ظفرا وأيمنهم طائرا وَأدْركَ الْإِسْلَام وَلم يسلم وَخرج مَعَ قومه بني جشم يَوْم حنين مُظَاهرا للْمُشْرِكين وَلَا فضل فِيهِ للحرب وَإِنَّمَا أَخْرجُوهُ تيمنا بِهِ وليقتبسوا من رَأْيه وَقتل يَوْمئِذٍ على شركه وَهَذِه القصيدة يرثي بهَا أَخَاهُ عبد الله بن الصمَّة لما قتل وَكَانَ عبد الله قد غزا غطفان وَمَعَهُ قومه وَقوم آخَرُونَ فظفر بهم وسَاق أَمْوَالهم فِي يَوْم يُقَال لَهُ يَوْم اللوى وَمضى بهَا وَلما كَانَ مِنْهُم غير بعيد قَالَ انزلوا بِنَا فَقَالَ أَخُوهُ دُرَيْد نشدتك الله أَن لَا تنزل فَإِن غطفان لَيست بغافلة عَن أموالها فَأبى إِلَّا أَن ينزل فَبَيْنَمَا هم كَذَلِك إِذا بغبار قد ارْتَفع أَشد من دخانهم فَأَقْبَلت بَنو غطفان وتلاحقوا بمنعرج اللوى واقتتلوا فَقتل رجل من بني قَارب عبد الله بن الصمَّة وتفرق جمعهم واستنقذ بَنو غطفان مَالهم

يُقَال نَصَحته وَنَصَحْت لَهُ وَهِي الجيدة نصحا ونصيحة وعارض أَخُو دُرَيْد وَكَانَ لَهُ ثَلَاثَة أَسمَاء وَثَلَاث كنى والرهط الْقَوْم وَبَنُو السَّوْدَاء أَصْحَاب عبد الله أَخِيه الَّذين كَانُوا مَعَه وَالْقَوْم شهدى أَي شُهُود على نصحي لَهُم

فَقلت لَهُم ظنُّوا بألفي مدججسراتهم فِي الْفَارِسِي المسرد
فَلَمَّا عصوني كنت مِنْهُم وَقد أرىغوايتهم وأنني غير مهتدي
أَمرتهم أَمْرِي بمنعرج اللوىفَلم يستبينوا الرشد إِلَّا ضحى الْغَد
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «أرث جديد الحبل من أم معبد»
وَهل أَنا إِلَّا من غزيَّة إِن غوتغويت وَإِن ترشد غزيَّة أرشد
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «أرث جديد الحبل من أم معبد»
تنادوا فَقَالُوا أردْت الْخَيل فَارِسًافَقلت أعبد الله ذَلِكُم الردي
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «أرث جديد الحبل من أم معبد»

ــ

وَالْإِضَافَة بَيَانِيَّة وَالْمعْنَى لم آل جهدا فِي نصحي لأخي عَارض وَأَصْحَابه ولقوم بني السَّوْدَاء وَالْقَوْم شُهُود على ذَلِك

ظنُّوا أَي أيقنوا والمدجج التَّام السِّلَاح والسراة الأخيار وَيُرِيد بالفارسي المسرد الدروع والسرد تتَابع الشَّيْء وَالْمرَاد تتَابع الْحلق فِي النسج وَالْمعْنَى أَنِّي نصحتهم وحذرتهم من الْأَعْدَاء وَقلت لَهُم أيقنوا أَن الْأَعْدَاء ألفا فَارس كاملو السِّلَاح قد لبس أَشْرَافهم الدروع المسردة الَّتِي تتَابع نسج حلقها

كنت مِنْهُم مَعْنَاهُ أَنه وافقهم وَترك خلافهم والغواية ضد الْهدى وَالْمعْنَى فَلَمَّا لم يمتثلوا أَمْرِي وَلم يقبلُوا نصيحتي سلكت مسلكهم عَالما أَنهم على غير هدى وأنني غير مُصِيب فِيمَا سلكته إِلَّا أَن الرَّحِم والقرابة دعتني إِلَى الذود عَنْهُم

أَمْرِي مصدر أَتَى لتوكيد الْفِعْل والمنعرج المنعطف واللوى مَا التوى واسترق من الرمل وَالْمعْنَى أبديت لَهُم رَأْيِي بمنعرج اللوى ليكونوا على حذر فَلم يظْهر لَهُم رشد قولي إِلَّا حِين أَن دهمهم الْعَدو فِي الضُّحَى

هَل للنَّفْي وغزية قومه وَالْمعْنَى مَا أَنا إِلَّا من غزيَّة فِي حالتي الغي والرشاد فغوايتي ورشادي مُتَعَلق بغوايتهم ورشادهم

أردى أهلك وَالْمرَاد بِالْخَيْلِ أَصْحَابهَا والردى الْهَالِك وَالْمعْنَى نَادَى بَعضهم بَعْضًا وصاحوا فِيمَا بَينهم لعظم الْمُصِيبَة فَقَالُوا

فَجئْت إِلَيْهِ والرماح تنوشهكوقع الصَّيَاصِي فِي النسيج الممدد
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «أرث جديد الحبل من أم معبد»
وَكنت كذات البو ريعت فَأَقْبَلتإِلَى جلد من مسك سقب مقدد
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «أرث جديد الحبل من أم معبد»
فطاعنت عَنهُ الْخَيل حَتَّى تنفستوَحَتَّى علاني حالك اللَّوْن أسودي
قتال امْرِئ آسى أَخَاهُ بِنَفسِهِوَيعلم أَن الْمَرْء غير مخلد
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «أرث جديد الحبل من أم معبد»
فَإِن يَك عبد الله خلى مَكَانَهُفَمَا كَانَ وقافا وَلَا طائش الْيَد
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «أرث جديد الحبل من أم معبد»

ــ

أهلك راكبو الْخَيل فلَانا الْفَارِس فَقلت أعبد الله أخي ذَلِكُم الْمَقْتُول وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِك إنكارا لقَتله واستعظاما لِأَنَّهُ يعلم إقدامه وشجاعته فِي الْحَرْب

تنوشه تتناوله والصياصي جمع صيصة وَهِي شَوْكَة يمرها الحائك على الثَّوْب وَقت نسجه والنسيج المنسوج وَالْمعْنَى أتيت عبد الله وَالْحَال أَن الرماح تتناوله وَلها صَوت كصوت شَوْكَة الحائك فِي الثَّوْب الَّذِي ينسجه

ذَات البو النَّاقة الَّتِي يَمُوت وَلَدهَا فيسلخ جلده ويحشى تبنا لتحن عَلَيْهِ فتدر اللَّبن وراعه أفزعه وخوفه وَالْجَلد مَا جلد من المسلوخ وألبس غَيره لتشمه أم المسلوخ فتدر عَلَيْهِ والمسك الْجلد والسقب ولد النَّاقة وَالْمعْنَى فصرت فِي الْفَزع وَالْخَوْف كذات البو الَّتِي فزعت على وَلَدهَا فَأَقْبَلت إِلَى جلده الْمَوْضُوع على غَيره لتشمه

تنفست تكشفت والحالك الْأسود وأسودي أَصله أسودي بياء النّسَب مُشَدّدَة فَخفف بِحَذْف إِحْدَى الياءين وَالْمعْنَى فضاربت الفرسان حَتَّى انكشفوا عَنهُ وتلوثت بدمائهم وَمن شدتها تغير لوني بِالسَّوَادِ

قتال مَنْصُوب على المصدرية وآساه سواهُ بِنَفسِهِ وَالْمعْنَى أَنِّي لم أقصر فِي دفاعي عَنهُ وَلم أرهب الْمَوْت لعلمي أَن الْإِنْسَان لَا يخلد

خلى مَكَانَهُ مضى لسبيله والوقاف الَّذِي يقف مَخَافَة وجبنا وَلَا يقدم والطائش الَّذِي لَا يُصِيب إِذا

كميش الْإِزَار خَارج نصف سَاقهبعيد من الْآفَات طلاع أنجد
قَلِيل التشكي للمصيبات حَافظمن الْيَوْم أعقاب الْأَحَادِيث فِي غَد
ترَاهُ خميص الْبَطن والزاد حَاضرعتيد وَيَغْدُو فِي الْقَمِيص المقدد
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «أرث جديد الحبل من أم معبد»
وَإِن مَسّه الإقواء والجهد زَادهسماحا وإتلافا لما كَانَ فِي الْيَد
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «أرث جديد الحبل من أم معبد»
صبا مَا صبا حَتَّى علا الشيب رَأسهفَلَمَّا علاهُ قَالَ للباطل أبعد
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «أرث جديد الحبل من أم معبد»

ــ

رمي وَالْمعْنَى فَإِن مضى عبد الله لسبيله فَمَا كَانَ جَبَانًا وَلَا ضَعِيف الْيَد جَاهِلا بِالرَّمْي

كميش الْإِزَار مثل فِي الْجلد والتشمير والكميش الْخَفِيف السَّرِيع وأضاف الكميش إِلَى الْإِزَار توسعا وَقَوله خَارج نصف سَاقه يصفه أَيْضا بالجد والنشاط وَقَوله بعيد من الْآفَات يُرِيد أَنه سليم الْأَعْضَاء لَا دَاء بِهِ وَالْمعْنَى أَنه كَانَ إِذا أَرَادَ أمرا جد فِيهِ وشمر لَهُ وَكَانَ مَعَ هَذَا سالما من الْأَمْرَاض جادا فِي الْأُمُور الشَّرِيفَة

يُرِيد بقوله قَلِيل التشكي نفى أَنْوَاع التشكي كلهَا لأَنهم يستعملون الْقلَّة فِي معنى النَّفْي والتشكي الشكاية وَالْمعْنَى أَنه كَانَ عالي الهمة قوي الفكرة صبورا على حوادث الدَّهْر بَصيرًا بالعواقب يعلم فِي يَوْمه مَا يكون فِي غده فيسعى فِي دَفعه

خميص الْبَطن خاليها والعتيد الْمعد والمقدد الممزق وَالْمعْنَى أَنه كَانَ كَرِيمًا بَالغ النِّهَايَة فِي الْكَرم يُؤثر غَيره على نَفسه بزاده وملبسه يصفه بقلة الْأكل مَعَ اتساع الْحَال وَحُضُور الزَّاد

الإقواء الْفقر والسماح والسماحة الْجُود وَالْكَرم وَالْمعْنَى أَنه إِذا ضَاقَتْ بِهِ الدُّنْيَا لَا يقصر فِي الْكَرم وبذل مَا فِي يَده

صبا الأول من الْميل وَالثَّانِي من الصباء وَهُوَ حَدَاثَة السن وَالْمعْنَى أَنه مَال إِلَى اللَّهْو مُدَّة صغر سنه فَلَمَّا شَاب ترك الملاهي

وَطيب نَفسِي أنني لم أقل لَهُكذبت وَلم أبخل بِمَا ملكت يَدي

النص من طبعة دار القلم ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح ديوان الحماسة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.