تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للخطيب التبريزي (ت ٥٠٢هـ)

وَقَالَ مُطِيع بن إِيَاس فِي يحيى بن زِيَاد

ــ

رزئت الرزء الْمُصِيبَة وَقَوله وَمَا الْكَفّ الخ يُرِيد أَن الْكَفّ بالأصابع تبطش فَإِذا ذهبت الْأَصَابِع بَطل عمل الْكَفّ أَي أَنِّي ذللت بعد مَوْتهمْ وضعفت حَتَّى صرت ككف ذهبت أصابعها وَالْمعْنَى أَنِّي أصبت بفقد إخوتي فَأَصْبَحت بعدهمْ كَالْكَفِّ الخالية من الْأَصَابِع لَا أقدر على الْبَطْش

الَّذِي لَهُ الخ مَعْنَاهُ لَهُ أَن يدل وعَلى أَن أحتمل والدلال والدالة مَا تدل بِهِ على حميمك وصديقك والمفجع من التفجع وَهُوَ أَن يوجع الْإِنْسَان بِشَيْء يكرم عَلَيْهِ فيعدمه يقسم أَنه أَصَابَته فاجعة عَظِيمَة فِي أعز أخلائه الَّذين كَانَ يحْتَمل دلالهم لمحبته لَهُم

الْمولى هُنَا العشير أَو ابْن الْعم والممتع من قَوْلهم متع الله فلَانا بفلان أَي أبقاه لَهُ ليستمتع بِهِ وَأَصله من الْمَدّ وَالزِّيَادَة يشتكي من فقد من كَانَ يرتجي نفعهم ويعتز بهم وَبَقَاء من لَا يضرون وَلَا ينفعون من بني عمومته

أحد بني كنَانَة وَهُوَ من مخضرمي الدولتين بني أُميَّة وَبني الْعَبَّاس وَلم يكن من فحول الشُّعَرَاء وَإِنَّمَا كَانَ ظريفا خليعا حُلْو الْعشْرَة مليح النادرة مَاجِنًا مُتَّهمًا فِي دينه بالزندقة وَكَانَ مُتَّصِلا بالوليد بن يزِيد بن عبد الْملك ومتصرفا فَأَبْعَده فِي دولة بني أُميَّة ثمَّ اتَّصل فِي دولة بني الْعَبَّاس بِجَعْفَر بن أبي جَعْفَر الْمَنْصُور قَالَ مُحَمَّد بن حبيب سَأَلت رجلا من أهل الْكُوفَة عَن مُطِيع بن إِيَاس وَكَانَ صاحبا لَهُ فَقَالَ لَا أود أَن تَسْأَلنِي عَنهُ

يَا أهل بكوا لقلبي الْقرحوللدموع السواكب السفح
راحوا بِيَحْيَى وَلَو تطاوعني الأقدارلم تبتكر وَلم ترح
يَا خير من يحسن الْبكاء لَهُ الْيَوْموَمن كَانَ أمس للمدح
للشاعر ابن إياس الكناني، اقرأ القصيدة
قد ظفر الْحزن بالسرور وَقدأديل مكروهنا من الْفَرح
للشاعر ابن إياس الكناني، اقرأ القصيدة

ــ

قلت وَلم قَالَ وَمَا سؤالك عَن رجل إِذا حضر ملك وَإِذا غَابَ عَنْك شاقك وَإِذا عرفت بِصُحْبَتِهِ فَضَحِك وَكَانَ مُطِيع من أهل الْكُوفَة نديما ليحيى بن زِيَاد لَا يكادان يفترقان وَكَانَ لمطيع صديق يُقَال لَهُ عمر بن سعيد فَلَمَّا مَاتَ رثاه مُطِيع بِهَذِهِ الأبيات

يَا أهل أَصله يَا أَهلِي حذفت مِنْهُ الْيَاء وَيُقَال بكاه بِالتَّشْدِيدِ بَكَى عَلَيْهِ ورثاه وبكاه على الْمَيِّت تبكية هيجه للبكاء وَإِنَّمَا قَالَ بكوا لِأَن التشارك أدل على تَعْظِيم الفجيعة وتجليل الْمُصِيبَة والقرح الجريح والسفح جمع سفوح من قَوْلهم سفح الدمع يسفحه أرْسلهُ وسفح الدمع يسفح انصب يُرِيد شاركوني فِي الْبكاء وساعدوني عَلَيْهِ فَإِن قلبِي تقرح ودمعي تحدر وانسكب كَأَنَّهُ يذهب إِلَى أَنه قلبه تفطر وَفَسَد ودمعه نفد وَذهب فَلم يجد لَدَيْهِ قلبا وَلَا دمعا فَهُوَ يطْلب المعونة من أَهله والمشاركة فِي الْبكاء

راحوا بِهِ أَي ذَهَبُوا بِهِ وَالْمعْنَى ذَهَبُوا بِيَحْيَى إِلَى الْقَبْر وَلَو كَانَت الأقدار طوع أَمْرِي لتركته فَلم يفارقني غدوا وَلَا عشيا

الْمَعْنى أَنه الْيَوْم أحسن إِنْسَان يسْتَحق الْبكاء لعزته ومجده وَقد كَانَ فِي حَيَاته أَحَق النَّاس بالمدح

قد ظفر الْحزن بالسرور هَذَا هُوَ الْكَلَام الَّذِي يروقك حسنه ويبهرك جماله ورونقه وَيذْهب مَعْنَاهُ إِلَى نَفسك طَائِعا غير مكره وأديل من الدولة وَهِي انقلاب الزَّمَان وَقَوله من الْفَرح من للبدل وَأَرَادَ بالفرح مَا يفرح بِهِ

النص من طبعة دار القلم ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح ديوان الحماسة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.