من «شرح ديوان الحماسة» للخطيب التبريزي (ت ٥٠٢هـ)
وَقَالَ تأبط شرا (٣)
ــ
كحثو قبر على قبر فَمَاذَا ينفع الْبكاء
آل صمة أَي أَوْلَاده وَكَانَ لدريد أخوة كلهم قد قتل عبد الله وَقيس وَعبد يَغُوث وَقد تبين من قَتلهمْ وخَالِد وَقَتله بَنو الْحَارِث بن كَعْب وَقَوله وَالْقدر الخ مَعْنَاهُ كَمَا أَنهم قدرُوا للْقَتْل كَذَلِك الْقَتْل قدر لَهُم مَعْنَاهُ أَن هَؤُلَاءِ الْقَوْم أَبَوا أَن يموتوا حتف أنفهم فَكَأَن الْقَتْل أبي أَن ينزل بِأحد إِلَّا بهم وَقدر لَهُم كَمَا قدرُوا لَهُ
لَا تزَال الخ فِي مَوضِع الْمَفْعُول لترين والواتر هُوَ الَّذِي قتل لَهُ قَتِيل وَهُوَ يسْعَى فِي ثَأْره
فَإنَّا الخ جَوَاب الشَّرْط وَغير نكيرة نصب على الْمصدر وَالْهَاء للْمُبَالَغَة يَقُول فَأَما ترى أَنا لَا تزَال دماؤنا أَبَد الدَّهْر عِنْد واترين يسعون بهَا فَإنَّا نخاطر بأرواحنا فنقتل ونقتل وَذَلِكَ لَيْسَ بمنكر فِينَا وَمنا
واترين حَال من الضَّمِير فِي علينا وَالْمعْنَى أَن أعداءنا إِمَّا أَن يُغيرُوا علينا طَالِبين ثؤرهم عندنَا فيصيبوا منا مَا يشتفون بِهِ وَإِمَّا أَن نغير عَلَيْهِم لنأخذ بثأرنا يُرِيد ان دأبهم ذَلِك
انتصب شطرين على الْمصدر وَالْمعْنَى أننا بِهَذَا السَّبَب قسمنا الدَّهْر قسمَيْنِ إِمَّا أَن ننتصر عَلَيْهِم أَو ينتصروا علينا فَلَا نزال على أحد الْقسمَيْنِ
تقدّمت تَرْجَمته وَالصَّحِيح أَن هَذَا الشّعْر مولد قَالَه خلف
إِن بِالشعبِ الَّذِي دون سلعلقتيلا دَمه مَا يطلّ
خلف العبء عَليّ وَولىأَبَا بالعبء لَهُ مُسْتَقل
ووراء الثأر منى ابْن أُخْتمصع عقدته مَا تحل
مطرق يرشح سما كَمَا أطرقأَفْعَى ينفث السم صل
ــ
الْأَحْمَر قَالَ النمري وَمِمَّا يدل على أَنه مولد قَوْله جلّ حَتَّى دق فِيهِ الْأَجَل فَإِن الْأَعرَابِي لَا يكَاد يتغلغل إِلَى مثل هَذَا وَقَالَ أَبُو الندى مِمَّا يدل على أَن هَذَا الشّعْر مولد أَنه ذكر فِيهِ سلعا وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ وَأَيْنَ تأبط شرا من سلع وَهُوَ إِمَّا قتل فِي بِلَاد هُذَيْل وَرمي بِهِ فِي غَار يُقَال لَهُ رخمان هَذَا وَكَلَام أبي الندى بناه على أَن قَائِل الشّعْر هُوَ ابْن أُخْت تأبط شرا يرثي بِهِ خَاله أَو تأبط شرا نَفسه يرثي نَفسه قبل مَوته لما أَيقَن بِالْقَتْلِ
الشّعب الطَّرِيق فِي الْجَبَل وسلع مَوضِع وَقَوله دَمه مَا يطلّ يُقَال طل دَمه بِالْفَتْح وطل بِالضَّمِّ وَهُوَ أَكثر طلا ذهب هدرا لَا يثأر بِهِ وَالْمعْنَى أَن الْقَتِيل الَّذِي بِالشعبِ دون سلع لَا يذهب دَمه هدرا
العبء الثّقل ومستقل أَي مُحْتَمل يُقَال اسْتَقل كَذَا حمله وَرَفعه وَالْمعْنَى أَنه ترك ثقل الثأر عَليّ وَذهب وَأَنا قَادر على حمل ثقله غير عَاجز عَن طلبه
المصع الشَّديد الْمُقَاتلَة الثَّابِت وَالْمعْنَى أَن هَذَا الثأر الَّذِي أتركه إِن لم آخذه مِنْكُم فخلفي ابْن أُخْت ثَابت الْجنان قوي الْعَزِيمَة لَا تنْتَقض عزيمته
أطرق أرْخى عَيْنَيْهِ ينظر إِلَى الأَرْض والرشح كالعرق والنفث كالقذف والصل الْخَبيث من الأفاعي وَالْمعْنَى أَن ابْن أُخْتِي إِذا رَأَيْته مطيل النّظر إِلَى الأَرْض فَلَا تظن إطراقه إطراقا بل هُوَ شُجَاع فِي الحروب مِقْدَام فِي النزال يطْرق إطراق الْحَيَّة الخبيثة الَّتِي تنفث السم
خبر مَا نابنا مصمئلجلّ حَتَّى دق فِيهِ الْأَجَل
يَزْنِي الدَّهْر وَكَانَ غشومابِأبي جَاره مَا يذل
شامس فِي القر حَتَّى إِذا مَاذكت الشعرى فبرد وظل
يَابِس الجنبين من غير بؤسوندي الْكَفَّيْنِ شهم مدل
ظاعن بالحزم حَتَّى إِذا مَاحل حل الحزم حيت يحل
ــ
المصمئل الشَّديد وَجل عظم ودق صغر وَالْأَجَل الْجَلِيل وَالْمعْنَى أَن الَّذِي نزل بِنَا وأصابنا بِخَبَر مَوته أَمر كَبِير يصغر عِنْده مَا هُوَ عَظِيم جليل من الْحَوَادِث
بزه الشَّيْء سلبه إِيَّاه وَالْمرَاد فجعني بِهِ الدَّهْر والغشوم الظلوم والأبي الَّذِي لَا يحْتَمل الضيم وَالْمعْنَى أَن الدَّهْر بتجبره وظلمه فجعني وسلبني رجلا عَزِيزًا ذَا أَنَفَة لَا يحْتَمل الذل يحمي جَاره فيعز وَلَا يضام
الشامس ذُو الشَّمْس والقر الْبرد وذكت اشتعلت وَالْمعْنَى أَن هَذَا الرجل ذُو كرم وسخاء فَمن لَجأ إِلَيْهِ فِي الشتَاء وجد عِنْده مَا يدفئه من الطَّعَام واللباس كَالشَّمْسِ تدفئ المقرور وَمن وَفد عَلَيْهِ فِي الصَّيف حِين يطلع نجم الشعرى وجد عِنْده ظلا ظليلا وَمَاء بَارِدًا يُطْفِئ بِهِ حرارة جَوْفه
يَابِس الجنبين يُرِيد أَنه هزيل وَمن عَادَتهم التمدح بالهزال والبؤس الْفقر والشهم الذكي الْحَدِيد الْقلب والمدل الواثق بِنَفسِهِ وبآلاته وعدته وَالْمعْنَى أَنه قَلِيل الْأكل لَا طَعَام غَيره وَلَيْسَ ذَلِك لفقر بل هُوَ سخي يُؤثر أضيافه بالزاد على نَفسه ذكي الْقلب يقظان واثق بِنَفسِهِ وَمَا أعده لحوادث الدَّهْر
الظعن ضد الْإِقَامَة وَالْمعْنَى أَنه متصف بالحزم فِي جَمِيع شؤونه وأحواله حلا وترحلا
غيث مزن غامر حَيْثُ يجديوَإِذا يَسْطُو فليث أبل
مُسبل فِي الْحَيّ أحوى رفلوَإِذا يَغْزُو فَسمع أزل
وَله طعمان أرِي وشريوكلا الطعمين قد ذاق كل
يركب الهول وحيدا وَلَا يَصْحَبهُإِلَّا الْيَمَانِيّ الأفل
ــ
المزن جمع مزنة وَهِي فِي الأَصْل السحابة الْبَيْضَاء وَالْمرَاد السحابة فِيهَا المَاء لِأَن السَّحَاب الْأَبْيَض لَا مَاء فِيهِ وغمره المَاء علاهُ ويجدي يُعْطي الجدوى وَهِي الْعَطِيَّة ويسطو يقهر ويصول وَاللَّيْث الْأسد وَالْإِبِل المصمم الْمَاضِي على وَجهه لَا يُبَالِي مَا لَقِي وَالْمعْنَى أَنه جواد كريم شُجَاع إِذا أعْطى أجزل الْعَطاء كالسحاب الَّذِي يغمر النَّاس بِكَثْرَة أمطاره وَإِذا صال فكالأسد الهصور لَا يُبَالِي بالعدو
مُسبل فِي الْحَيّ مَفْعُوله مَحْذُوف أَي مُسبل إزَاره فِي الْحَيّ وهم يمدحون ذَا النِّعْمَة بذلك حَال الدعة وَعدم الْحَرْب فَأَما فِي الشدائد فَإِنَّهُم يمدحون الرجل بالتشمير وَعدم اللين والأحوى من فِي شَفَتَيْه سَواد وَهُوَ مَحْمُود فيهمَا والرفل الْكثير اللَّحْم والسمع ولد الذِّئْب وَالْأَزَلُ السَّرِيع الْمَشْي الْمَمْسُوح الْعَجز وَالْمعْنَى أَنه يتنعم فِي حَالَة السّلم ويسبل رِدَاءَهُ وَيَأْكُل مَا يَشْتَهِي وَإِذا نزل فِي الْحَرْب كَانَ كالسبع الضاري يشمر عَن ساعد جده وَيقدم إقدامه
الأري الْعَسَل والشري الحنظل وكلا مفعول ذاق وَالْمعْنَى أَنه رجل سهل الْجَانِب حُلْو المذاق لمحبه مر الطّعْم خشن لعَدوه وكل من الْمُحب والعدو قد ذاق كلا الطعمين
انتصب وحيدا عَن الْحَال واليماني السَّيْف والأفل المنثلم وَالْمعْنَى أَنه شُجَاع لَا يخَاف الْأَهْوَال لِكَثْرَة ممارسته لَهَا يقتحمها بِنَفسِهِ وَلَا يستصحب معينا إِلَّا السَّيْف الْيَمَانِيّ المنثلم من كَثْرَة الضَّرْب بِهِ
وفتو هجروا ثمَّ أَسرُّواليلهم حَتَّى إِذا انجاب حلوا
كل مَاض قد تردى بماضكسنا الْبَرْق إِذا مَا يسل
فَأَدْرَكنَا الثأر مِنْهُم وَلماينج ملحيين إِلَّا الْأَقَل
فاحتسوا أنفاس نوم فَلَمَّاهوموا رعتهم فاشمعلوا
فلئن فَلت هُذَيْل شباهلبما كَانَ هذيلا يفل
وَبِمَا أبركها فِي مناخجعجع ينقب فِيهِ الأظل
ــ
فتو جمع فَتى وهجر سَار وَقت الهاجرة وَهِي اشتداد الْحر فِي نصف النَّهَار وَالسري السّير فِي اللَّيْل خَاصَّة وانجاب انْكَشَفَ وَالْمعْنَى وَرب فتيَان واصلوا سيرهم من وَقت الهاجرة إِلَى آخر اللَّيْل فَإِذا انْكَشَفَ الضَّوْء وطلع الْفجْر أَقَامُوا وَقَوله حلوا جَوَاب لرب وَإِذا
تَقول الْعَرَب ارتدى بِسَيْفِهِ وتردى وَيُسمى السَّيْف الرِّدَاء والعطاف وسنا الْبَرْق لمعانه وَالْمعْنَى أَن كل مَاض مِنْهُم تقلد بِالسَّيْفِ الْمَاضِي الَّذِي يَحْكِي سنا الْبَرْق عِنْد إِخْرَاجه من الغمد
أدركنا أَخذنَا وملحيين مُخْتَصر من الْحَيَّيْنِ لُغَة لبَعض الْعَرَب وَالْمعْنَى أَخذنَا ثَأْرنَا مِنْهُم وَلم ينج مِنْهُم إِلَّا الْيَسِير
احتسى الشَّرَاب تنَاوله شَيْئا شَيْئا والأنفاس الجرع وهوم الرجل إِذا هز رَأسه من النعاس واشمعلوا أَسْرعُوا فِي السّير ورعتهم أفزعتهم وَهُوَ جَوَاب لما وَالْمعْنَى كَانُوا فِي النعاس فَلَمَّا أفزعتهم جدوا فِي السّير
الفل كسر فِي حد السَّيْف والشبا الْحَد وَقَوله لبما كَانَ الخ مَعْنَاهُ فكثيرا مَا كَانَ كَذَا
وَبِمَا أبركها مَعْطُوف على لبما كَانَ فِي الْبَيْت قبله وأبرك النَّاقة أناخها والجعجع الأَرْض الغليظة ونقبت النَّاقة حفي خفها والأظل بَاطِن خف النَّاقة وَضرب ذَلِك مثلا لِشِدَّتِهِ وَقُوَّة
وَبِمَا صبحها فِي ذراهامِنْهُ بعد الْقَتْل نهب وشل
صليت مني هُذَيْل بخرقلَا يمل الشَّرّ حَتَّى يملوا
ينهل الصعدة حَتَّى إِذا مَانهلت كَانَ لَهَا مِنْهُ عل
حلت الْخمر وَكَانَت حَرَامًاوبلأي مَا ألمت تحل
فاسققنها يَا سَواد بن عَمْروإِن جسمي بعد خَالِي لخل
ــ
بأسه وَأَنه كَانَ ينَال مِنْهُم ويحملهم على مراكب صعبة وَمعنى الْبَيْتَيْنِ لَئِن ناله ضعف من هُذَيْل فَلَا فخار لَهُم بذلك فطالما نالهم مِنْهُ الضعْف والانهزام من قبل وطالما حملهمْ المشاق وأركبهم المراكب الصعبة
ذَر الْبَيْت ساحته وَمَا يكتنفه والشل الطَّرْد وَالْمعْنَى أَنه كثيرا مَا أغار عَلَيْهِم صباحا فِي أكناف بُيُوتهم فَبعد أَن يقتل أبطالهم ينهبهم ويستاق أَمْوَالهم
صلى بِالْأَمر قاسي شدته والخرق الشجاع والكريم وَالْمعْنَى أَن هذيلا قاست الشدائد من شُجَاع ذِي صَبر وثبات على الْقِتَال فَلَا يسأمه حَتَّى يجد السَّآمَة من أعدائه فيرأف بهم
أنهله الشَّرَاب سقَاهُ إِيَّاه أول مرّة وعله سقَاهُ الثَّانِيَة والصعدة الْقَنَاة تنْبت مستوية وَالْمعْنَى أَنه لَا يَكْتَفِي بطعن أعدائه بقناته مرّة بل يكرره مرّة بعد أُخْرَى كالشارب الَّذِي لَا يَكْفِيهِ النهل فيشتاق إِلَى الْعِلَل
الْإِلْمَام الزِّيَارَة الْخَفِيفَة وَلكنهَا هُنَا كِنَايَة عَن حُصُول الْخمر عِنْده بِالْفِعْلِ واللأى البطء وَالْمعْنَى أَنه فَازَ بِأخذ الثأر بعد بطء وَمضى مُدَّة فَصَارَت الْخمر حَلَالا لَهُ بعد أَن حرمهَا على نَفسه جَريا على عَادَتهم من تَحْرِيم الْخمر وَغسل الرَّأْس من الْجِمَاع قبل أَخذ الثأر
سَواد مرخم سوَادَة والخل المهزول وَالْمعْنَى اسْقِنِي الْخمر الْآن فَإِن جسمي قد هزل بعد خَالِي
تضحك الضبع لقتلى هُذَيْلوَترى الذِّئْب لَهَا يستهل
وعتاق الطير تَغْدُو بطاناتتخطاهم فَمَا تستقل
النص من طبعة دار القلم ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع