من «شرح ديوان الحماسة» للخطيب التبريزي (ت ٥٠٢هـ)
وَقَالَ أَشْجَع بن عَمْرو السّلمِيّ
مُضِيّ ابْن سعيد حِين لم يبْق مشرقوَلَا مغرب إِلَّا لَهُ فِيهِ مادح
ــ
وَالْمعْنَى قد غلب الْحزن السرُور فخلفت دولته دولته وتحولت الْحَال من هناء إِلَى كدر
الحنانة هُنَا السحابة فِيهَا رعد كَأَنَّهَا تحن بِهِ إِلَى شَيْء ودلوح ثَقيلَة بِمَا فِيهَا من المَاء وتسح تنصب وسحوح كثير الانصباب وَالْمعْنَى قلت للسحابة ذَات الرَّعْد الْكَثِيرَة المَاء الَّتِي تصب مَطَرا كثير الانصباب
أُمِّي اقصدي والضريح الحفرة فِي وسط الْقَبْر واستهلي صبي وَالْمعْنَى اقصدي الْقَبْر الَّذِي أسمى لَك صَاحبه ثمَّ صبى عَلَيْهِ
الْمَعْنى لَيْسَ من الْعدْل أَن تبخلي أيتها السحابة بمائك على فَتى لم يكن بَخِيلًا بِأَعَز شَيْء عَلَيْهِ
هُوَ من ولد الشريد بن مطرود السّلمِيّ وَكَانَ يكنى أَبَا الْوَلِيد شَاعِر إسلامي عباسي نَشأ بِالْبَصْرَةِ وَقَالَ الشّعْر وأجاد فِيهِ حَتَّى عد من الفحول وَكَانَ الشّعْر يَوْمئِذٍ فِي ربيعَة واليمن وَلم يكن لقيس شَاعِر فَلَمَّا نجم أَشْجَع وَقَالَ الشّعْر افتخرت بِهِ قيس وَانْقطع إِلَى البرامكة ومدحهم واختص بِجَعْفَر فأصفاه مدحه فأعجب بِهِ جَعْفَر وَوَصله إِلَى الرشيد ومدحه فأعجب بِهِ أَيْضا وأمده بِالْمَالِ فأثرى وَحسنت حَاله فِي أَيَّامه وَتقدم عِنْده وَله فِيهِ المدائح المختارة والقصائد السائرة
الْمَعْنى مَاتَ ابْن سعيد بعد أَن خلد لَهُ جميل الذّكر فِي الْمَشَارِق والمغارب
وَمَا كنت أَدْرِي مَا فواضل كَفهعلى النَّاس حَتَّى غيبته الصفائح
فَأصْبح فِي لحد من الأَرْض مَيتاوَكَانَت بِهِ حَيا تضيق الصحاصح
سأبكيك مَا فاضت دموع فَإِن تغضفحسبك مني مَا تجن الجوانح
فَمَا أَنا من رزء وَإِن جلّ جازعوَلَا بسرور بعد موتك فارح
كَأَن لم يمت حَيّ سواك وَلم تقمعلى أحد إِلَّا عَلَيْك النوائح
لَئِن حسنت فِيك المراثي وَذكرهَالقد حسنت من قبل فِيك المدائح
ــ
وَترك جَمِيع أهل الدُّنْيَا مداحا لَهُ
الفواضل جمع فاضلة وَهِي مَا يفضل من ندى الْكَفّ والصفائح أَحْجَار عراض تغطي بهَا الْقُبُور وَالْمعْنَى مَا كنت أعلم مَاله من مَكَارِم وعطايا أَيَّام حَيَاته فَلَمَّا مَاتَ وَظهر الْبُؤْس على من كَانُوا مغمورين بنعمه اتَّضَح كرمه
الصحاصح جمع صحّح الْمَكَان المستوي وَالْمعْنَى أَنه أصبح فِي جُزْء صَغِير من الأَرْض بعد مَوته مَعَ أَن فيا فِيهَا كَانَت تضيق بِمَالِه من إِحْسَان وإنعام فِي حَال حَيَاته فَكَأَنَّهَا كَانَت تضيق بِهِ
الجوانح الضلوع سميت بذلك لِأَن فِيهَا ميلًا وَالْمعْنَى سأديم الْبكاء عَلَيْك مُدَّة فيضان دموعي فَإِن تذْهب فيكفيك مَا تكنه ضلوعي من اللوعة والأسى يُرِيد أَن حزنه لَا يَنْقَطِع
الرزء الْمُصِيبَة وَالْمعْنَى أَن مصيبتي فِيك عَظِيمَة فلست أجزع لما يُصِيبنِي بعْدهَا وَإِن عظم وَلَا أفرح بِمَا أنال من المسرات
كَأَن مُخَفّفَة من الثَّقِيلَة والنوائح جمع نائحة يَقُول كَأَنَّهُ لم يمت أحد سواك من قبلك وَلَا من بعْدك فَلَا يجد الْإِنْسَان سلوة بِهِ عَنْك وَكَأن النوائح لَا تنوح إِلَّا عَلَيْك لعظم الْمُصِيبَة بك
الْمَعْنى أَنْت ذُو محَاسِن فِي حياتك وَبعد موتك وَلِهَذَا حسنت فِيك المراثي والمدائح
النص من طبعة دار القلم ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع