من «شرح ديوان الحماسة» للخطيب التبريزي (ت ٥٠٢هـ)
وَقَالَ التَّمِيمِي فِي مَنْصُور بن زِيَاد
ــ
الجرثومة الأَصْل وسمقا طالا ويسمو يَعْلُو وَالْمعْنَى كنت أَنا وَأخي كغصنين طالا وتشعبا من أصل وَاحِد متكافئين فِي رفْعَة الشّرف ودمنا زَمَانا على أحسن مَا يَدُوم بِهِ الفرعان فِي أَصلهمَا
ألفيء الظل واستنظر انْتظر
أخنى مَعْنَاهُ أهلك وريب الزَّمَان مصيبته وَلَا يذر لَا يدع وَمعنى الْبَيْتَيْنِ أننا لما بلغنَا مبلغ الْكَمَال وطاب منشؤنا وَكُنَّا كفرعي الشَّجَرَة الَّتِي طَابَ ظلها وانتظر ثَمَر أَغْصَانهَا أحدث حدثان الدَّهْر أحدثا فاجعة فأهلكت أخي الْوَاحِد وَلَا عجب فَإِن هَذِه أَحْوَال الدَّهْر الَّذِي لَا يَدُوم على حَال
الْمَعْنى أننا كُنَّا فِي الِاجْتِمَاع مَعَ الأهلين كالأنجم الَّتِي تبدو فِي اللَّيْل وَهُوَ بَيْننَا كَالْقَمَرِ الَّذِي يكْشف الظلمَة فَسقط من وَسطهَا أَي غَابَ عَن أَعيننَا
هُوَ عبد الله بن أَيُّوب ويكنى أَبَا مُحَمَّد كَانَ من أهل الْيَمَامَة شَاعِر مولد فصيح عَرَبِيّ عَالم مُتَكَلم وَكَأَنَّهُ كَانَ بعد مُسلم بن الْوَلِيد بِقَلِيل وَمن مَشْهُور قَوْله فِي الْفضل بن يحيى
لعمرك مَا الْأَشْرَاف فِي كل بَلْدَةوَإِن عظموا للفضل إِلَّا صنائع
ترى عُظَمَاء النَّاس للفضل خشعاإِذا مَا بدا وَالْفضل لله خاشع
تواضع لما زَاده الله رفْعَةوكل رفيع عِنْده متواضع
لهفا عَلَيْك للهفة من خَائِفيَبْغِي جوارك حِين لَيْسَ مجير
أما الْقُبُور فَإِنَّهُنَّ أوانسبجوار قبرك والديار قُبُور
عَمت فواضله فَعم مصابهفَالنَّاس فِيهِ كلهم مأجور
يثني عَلَيْك لِسَان من لم تولهخيرا لِأَنَّك بالثناء جدير
ردَّتْ صنائعه إِلَيْهِ حَيَاتهفَكَأَنَّهُ من نشرها منشور
فَالنَّاس مأتمهم عَلَيْهِ وَاحِدفِي كل دَار رنة وزفير
ــ
وَهَذَا من جيد الشّعْر وحر الْكَلَام
لهفا أَصله لهفي قلبت ياؤه ألفا وَهُوَ مُبْتَدأ مُضَاف إِلَى يَاء النَّفس الَّتِي قلبت ألفا وَقَوله عَلَيْك خَبره وَقَوله للهفة اللَّام فِيهِ للتَّعْلِيل كَأَن الَّذِي جعله يتلهف عَلَيْهِ وُقُوعه فِي لهف شَدِيد وحزن بَالغ وَالْمعْنَى لي عَلَيْك حسرة شَدِيدَة من أجل حسرة رجل جر عَلَيْهِ الدَّهْر فَطلب جوارك حِين لم يجد مجيرا
الْمَعْنى لما حللت فِي قبرك أنست بمجاورتك الْقُبُور وَأما الديار فَصَارَت موحشة بعد فراقك
الفواضل جمع فاضلة الْمَوَاهِب والعطايا وَقَوله فَعم مصابه أَي أَن النَّاس كلهم جزعوا بِمَوْتِهِ لما كَانَ يصل إِلَيْهِم من بره وَالْمعْنَى أَنه عَمت عطاياه جَمِيع النَّاس فِي حَيَاته فجزعوا كلهم بِمَوْتِهِ وصاروا شُرَكَاء فِي الْأجر والمصيبة
الْمَعْنى أَنْت جدير بِكُل ثَنَاء حَتَّى أَن من لم تحسن إِلَيْهِ يشكرك ويعدد خصالك
الصَّنَائِع جمع صَنِيعَة وَهِي مَا تسديه إِلَى غَيْرك من الْبر وَالْإِحْسَان الْمَعْنى مَاتَ وَترك مننا مخلدة بَين النَّاس ينشرونها فَصَارَ كَأَنَّهُ حَيّ بنشرهم لَهَا
الْمَعْنى أَن النَّاس فجعوا كلهم بفقده وتشاركوا فِي الْحزن عَلَيْهِ فَلم يبْق لَهُم دَار إِلَّا وفيهَا جزع وبكاء
عجبا لأَرْبَع أَذْرع فِي خَمْسَةفِي جوفها جبل أَشمّ كَبِير
النص من طبعة دار القلم ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع