تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للخطيب التبريزي (ت ٥٠٢هـ)

وَقَالَ آخر (٥٩)

تأملتها مغترة فَكَأَنَّمَارَأَيْت بهَا من سنة الْبَدْر مطلعا

ــ

وَعجل بن لجيم وحنيفة بن لجيم إخْوَان وَكَانَ بكر بن النطاح صعلوكا يُصِيب الطَّرِيق ثمَّ أقصر عَن ذَلِك وَجعله أَبُو دلف من الْجند وَكَانَ شجاعا بطلا فَارِسًا شَاعِرًا حسن الشّعْر جيد التَّصَرُّف فِيهِ كثير الْوَصْف لنَفسِهِ بالشجاعة والإقدام وَكَانَ فِي عهد بني الْعَبَّاس قَالَ أَبُو الْحسن الراوية قَالَ لي الْمَأْمُون أَنْشدني أَشْجَع بَيت وأعفه وأكرمه من شعر الْمُحدثين فَأَنْشَدته

وَمن يفْتَقر منا يَعش بحسامهوَمن يفْتَقر من سَائِر النَّاس يسْأَل
للشاعر بَكرِ بنِ النَطّاح، اقرأ القصيدة
وَإِنَّا لنلهو بِالسُّيُوفِ كَمَا لهتعروس بِعقد أَو سخاب قرنفل

فَقَالَ لي وَيحك من يَقُول هَذَا قلت بكر بن النطاح فَقَالَ أحسن وَالله وَلكنه قد كذب فِي قَوْله فَمَا باله يسْأَل أَبَا دلف وينتجعه ويمدحه هلا أكل خبزه بِسَيْفِهِ كَمَا قَالَ وَكَانَ بكر قد قصر مدائحه على أبي دلف وأخيه معقل وَله فيهمَا جيد الشّعْر ومختاره

الْفَرْع شعر الرَّأْس والوحف الْكثير الْأسود مِنْهُ والأسحم المظلم

معنى الْبَيْتَيْنِ أَن هَذِه الحبيبة بَيْضَاء صَافِيَة نقية طَوِيلَة الشّعْر فَإِذا قَامَت جرته وَإِذا أَرْسلتهُ سترهَا فتغيب فِيهِ وَهُوَ مَعَ طوله وَكَثْرَة أُصُوله كثير السوَاد شَدِيد الظلمَة فَكَأَنَّهَا فِيهِ لشدَّة بيضاها نَهَار سَاطِع من خلل ظلام وَكَأن ذَلِك الشّعْر لشدَّة سوَاده عَلَيْهَا ليل مظلم يغشى بَيَاض نَهَار

مغترة أَي غافلة وَأَرَادَ بِسنة الْبَدْر وَجهه وَالْمعْنَى نظرت إِلَيْهَا وَهِي

إِذا مَا مَلَأت الْعين مِنْهَا ملأتهامن الدمع حَتَّى أنزف الدمع أجمعا

و قَالَ كثير بن عبد الرَّحْمَن

وددت وَمَا تغني الودادة أننيبِمَا فِي ضمير الحاجبية عَالم
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «وَدِدْتُ وَمَا تُغْنِي الودَادَة ُ أَنَّني»
فَإِن كَانَ خيرا سرني وعلمتهوَإِن كَانَ شرا لم تلمني اللوائم
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «وددت وما تغني الودادة أنني»
وَمَا ذكرتك النَّفس إِلَّا تَفَرَّقتفريقين مِنْهَا عاذر لي ولائم
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «وددت وما تغني الودادة أنني»

ــ

غافلة فَكَأَنِّي لكَمَال محاسنها رَأَيْت بهَا بَدْرًا طالعا

أنزف الدمع أفناه كُله وَالْمعْنَى إِذا مَلَأت عَيْني من محاسنها بَكَيْت وجدا عَلَيْهَا حَتَّى أفنى الدمع كُله

وجده الْأسود بن عَامر أحد بني خُزَاعَة بن ربيعَة ويكنى أَبَا صَخْر وَكَانَ من فحول شعراء الْإِسْلَام جعله ابْن سَلام فِي الطَّبَقَة الأولى مِنْهُم وَكَانَ غاليا فِي التَّشَيُّع يذهب مَذْهَب الكيسانية من الشِّيعَة وَيَقُول بالرجعة والتناسخ وَكَانَ بَنو مَرْوَان يعلمُونَ بمذهبه فَلَا يغيرهم ذَلِك عَنهُ لجلالته فِي أَعينهم ولطف مَحَله فِي أنفسهم وَكَانَ أَشد النَّاس تيها بِنَفسِهِ وأزهاهم بهَا على كل أحد وَهُوَ أحد عشاق الْعَرَب الْمَشْهُورين بذلك وصاحبته عزة الحاجبية وَبهَا يعرف

وَمَا تغني الودادة اعْتِرَاض بَين وددت ومفعوله والودادة مصدر ود يود والحاجبية من بني حَاجِب وَالْمعْنَى تمنيت وَمَا يُغني التَّمَنِّي أَنِّي عَالم بِمَا ينطوي عَلَيْهِ قلب عزة الحاجبية لي

اكْتفى قَوْله وعلمته بمفعول وَاحِد لِأَنَّهُ بِمَعْنى عرف وَالْمعْنَى فَإِن كَانَ مَا تضمره لي ودا صافيا سرني ذَلِك وَإِن كَانَ إعْرَاضًا أرحت نَفسِي من لوم اللائمات

إِلَّا تَفَرَّقت الخ قَالَ هَذَا جَريا على عَادَة النَّاس فِي ترددهم بَين مَا يقوى الْعَزْم عَلَيْهِ وَبَين مَا يضعف فِيهِ فَجعل كل وَاحِد مِنْهُمَا كَأَنَّهُ نفس على حِدة فَوَاحِدَة تعذره وَأُخْرَى

فريق أَبى أَن يقبل الضيم عنْوَةوَآخر مِنْهَا قَابل الضيم راغم
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «وددت وما تغني الودادة أنني»

النص من طبعة دار القلم ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح ديوان الحماسة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.