من «شرح ديوان الحماسة» للخطيب التبريزي (ت ٥٠٢هـ)
وَقَالَ ورد الْجَعْدِي
ــ
الوشاة أَنِّي كَفَفْت عَن ليلى وَزَالَ ولوعي بهَا فَلَا بَارك الله فيهم فَإِنَّهُم ادعوا بَاطِلا ومرادهم إِفْسَاد قَلبهَا عَليّ
الْمَعْنى وَلَو أَن ليلى هرمت وأصبحت تدب على الْعَصَا لَكَانَ حبها فِي ذَلِك الْوَقْت جَدِيدا
الملا الْمَفَازَة والحقبة السّنة وَالْمعْنَى أَنِّي وقفت بِمَنْزِلَة لليلى بالملا بعد سنة فَذَكرتهَا فَبَكَيْت
ودعت مَعْنَاهُ تودعت ثمَّ قَالَ وَمَا النَّاس إِلَّا آلف ومودع يُرِيد أَن النَّاس مَا بَين آلف لَهَا لكَونه مُسَافِرًا مَعهَا ومنصرف عَنْهَا بعد توديعها وتشييعها
معنى الْبَيْتَيْنِ أَنِّي صرت تَابعا لليلى بروحي فِي سَيرهَا وتوديعها وَقد صَار النَّاس قسمَيْنِ قسم آلف لَهَا لكَونه مُسَافِرًا مَعهَا وَقسم منصرف عَنْهَا بعد تشييعها وتوديعها فَكنت على خلافهم لِأَنِّي ملازمها فِي كل حَال وَصَارَ قلبِي طَائِعا لَهَا ومنقادا إِلَيْهَا كَأَنَّهَا علقت فِيهِ زماما تقوده بِهِ حَيْثُ أَرَادَت وَأَنا على أَثَرهَا
هُوَ ورد بن عَمْرو بن ربيعَة بن جعدة شَاعِر جاهلي وَهُوَ الَّذِي قتل شرَاحِيل بن الأصهب الْجعْفِيّ وَذَلِكَ أَن شرَاحِيل خرج ذَات سنة مغيرا فِي جمع عَظِيم من الْيمن وَكَانَ قد طَال عمره وَكثر
خليلي عوجا بَارك الله فيكماوَإِن لم تكن هِنْد لأرضكما قصدا
وقولا لَهَا لَيْسَ الضلال أجارناولكننا جرنا لنلقاكم عمدا
ــ
تبعه وَبعد صيته واتصل ظفره وَكَانَ قد صَالح بني عَامر على أَن يَغْزُو الْعَرَب مارا بهم فِي بَدأته وعودته وَلَا يُعَارض وَاحِد مِنْهُم صَاحبه فَلَمَّا خرج غازيا أبعد حَتَّى مر على بني جعدة فَنزل بهم ونحروا لَهُ وأكرموه هُوَ وَمن مَعَه ثمَّ عمد نَاس من أَصْحَابه سُفَهَاء فتناولوا إبِلا لبني جعدة فنحروها فشكت ذَلِك بَنو جعدة إِلَى شرَاحِيل وَقَالُوا قريناك وأحسنا ضيافتك ثمَّ لم تمنع أَصْحَابك مِمَّا يصنعون فَقَالَ أَنهم قوم مغيرون وَقد أساؤا لعمري وَإِنَّمَا يُقِيمُونَ عنْدكُمْ يَوْمًا أَو يَوْمَيْنِ ثمَّ يرتحلون عَنْكُم فَقَالَ الرقاد لِأَخِيهِ ورد دَعْنِي أذهب إِلَى بني قُشَيْر وجعدة وقشير إخْوَان لأَب وَأم فَأَدْعُوهُمْ وأصنع أَنْت لشراحيل طَعَاما طيبا حسنا وادخله إِلَيْك واقتله فَإِن احتجت إِلَيْنَا فدخن فَإِنِّي إِذا رَأَيْت الدُّخان أَتَيْتُك بهم فَوَضَعْنَا سُيُوفنَا فِي الْقَوْم فَعمد ورد إِلَى طَعَام فأصلحه ودعا شرَاحِيل وناسا من أَصْحَابه وَأَهله وَبني عَمه فَكلما دخل الْبَيْت رجل قَتله ورد حَتَّى انتصف النَّهَار فَوَقع بَين الْفَرِيقَيْنِ مَا يطول ذكره قَالَ أَبُو رياش ذكرُوا أَن الْمَأْمُون قَالَ ذَات يَوْم للمغنين أَيّكُم يعرف هَذِه الأبيات
تخيرت من نعْمَان عود أراكةلهِنْد فَمن هَذَا يبلغهُ هندا
الأبيات وَهِي ثَمَانِيَة فَلم يعرفهَا مِنْهُم أحد ثمَّ انصرفوا فَسَأَلَ عَنْهَا بعض الأدباء فَقَالَ أَنا أعرفهَا وأنشده إِيَّاهَا وَهِي لورد هَذَا وَلَكِن أَبَا تَمام اخْتَار مِنْهَا بَيْتَيْنِ
عاج نزل وَأقَام قَلِيلا
أجارنا عدل بِنَا وَمعنى الْبَيْتَيْنِ
النص من طبعة دار القلم ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع