من «شرح ديوان الحماسة» للخطيب التبريزي (ت ٥٠٢هـ)
وَقَالَ آخر (١٢٢)
ومستنبح تهوي مساقط رَأسهإِلَى كل شخص فَهُوَ للسمع أصور
يصفقه أنف من الرّيح بَارِدونكباء ليل من جُمَادَى وصرصر
حبيب إِلَى كلب الْكَرِيم مناخهبغيض إِلَى الكوماء وَالْكَلب أبْصر
ــ
أثويناك من أثواه بِالْمَكَانِ إِذا أَقَامَهُ بِهِ مَعْنَاهُ أننا بعد إكرامنا للضيف قُلْنَا لَهُ إِن أردْت الْإِقَامَة بَيْننَا أَقمت مكرما مُعظما وَإِن أردْت التَّوَجُّه إِلَى مقدصك بلغناك مرادك وأوصلناك إِلَى مَحل استقرارك
المساقط جمع مسْقط وَيُرِيد بِهِ الْمصدر أَي يمِيل رَأسه إِلَى كل شخص يقدره إنْسَانا ليلتجئ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ ضل الطَّرِيق والأصور المائل مَعْنَاهُ وَرب طَارق بِاللَّيْلِ ضال عَن الطَّرِيق يكَاد رَأسه يسْقط من مَكَانَهُ لِكَثْرَة التفاته يَمِينا وَشمَالًا ليجد إنْسَانا يضيفه مَعَ ميله إِلَى كل صَوت يسمعهُ لشدَّة حيرته وَجَوَاب رب فِي الأبيات الْآتِيَة وَهُوَ حضأت لَهُ نَارِي
يصفقه أَي يضْربهُ وَالْأنف من الرّيح أَولهَا والنكباء كل ريح تهب بَين ريحين من الرِّيَاح الْأَرْبَع وَالْمرَاد بجمادى شهر من شهور الشتَاء والصرصر الرّيح الْبَارِدَة وَالْمرَاد من هَذَا الْبَيْت وصف الضَّيْف بِمَا لاقاه من أَذَى الرّيح وَشدَّة الْبرد والمطر ليَكُون لَهُ عذر فِي استنباحه الْكلاب وَطَلَبه من ينزل عِنْده
حبيب ارْتَفع على أَنه خبر مقدم ومناخه مُبْتَدأ مُؤخر أَي إِن مناخ الضَّيْف حبيب إِلَى الْكَلْب لِأَنَّهُ يشركهُ فِي الْقرى وَقَوله بغيض أَي هُوَ بغيض يرد ان النَّاقة الْعَظِيمَة تبغض الضَّيْف وتكرهه لِأَنَّهَا تنحر عِنْد نُزُوله وَلَا بُد والكوماء النَّاقة
حضأت لَهُ نَارِي فأبصر ضوأهاوَمَا كَاد لَوْلَا حضأة النَّار يبصر
دَعَتْهُ بِغَيْر اسْم هَلُمَّ إِلَى الْقرىفَأسْرى يبوع الأَرْض وَالنَّار تزهر
فَلَمَّا أَضَاءَت شخصه قلت مرْحَبًاهَلُمَّ وللصالين بالنَّار أَبْشِرُوا
فجَاء ومحمود الْقرى يستفزهإِلَيْهَا وداعي اللَّيْل بالصبح يصفر
ــ
الْعَظِيمَة السنام وَأبْصر أَي أعلم من الْبَصَر بِالْقَلْبِ لَا من الْبَصَر بِالْعينِ مَعْنَاهُ أَن كلب الرجل الْكَرِيم يحب الضَّيْف ليَأْكُل من طَعَامه وَأَن نَاقَته تكره الضَّيْف لِأَنَّهُ يَنْحَرهَا لَهُ
حضأت لَهُ نَارِي أَي رفعتها لَهُ مَعْنَاهُ وَرب ضيف رفعت لَهُ نَار الضِّيَافَة ليهتدي بهَا فِي طَرِيقه فَيَأْتِي إِلَيْهَا وَلَوْلَا رَفعهَا لَهُ مَا كَانَ يبصر الطَّرِيق وَلَا يَهْتَدِي
دَعَتْهُ بِغَيْر اسْم يُرِيد أَنَّهَا أمرشدته إِلَى مَوضِع الضِّيَافَة فَكَأَنَّهَا نادته وهلم أَي تعال ويبوع الأَرْض أَي يقطعهَا بالخطوات الواسعة والحركات السريعة وتزهر أَي تضيء فِي ارْتِفَاع مَعْنَاهُ أَن النَّار دعت الضَّيْف بِلِسَان الْحَال فَأتى إِلَيْهَا مسرعا وَهِي مضيئة مُرْتَفعَة
فَلَمَّا أَضَاءَت شخصه أَي لما دنا مني وتراءى لي شخصه وَقَوله قلت مرْحَبًا هَلُمَّ الأول تَسْلِيم عَلَيْهِ وترحيب بِهِ وَالثَّانِي أر بالدنو إِلَيْهِ وَأَبْشِرُوا أَي اسْتَبْشَرُوا وَالْمعْنَى أَن الضَّيْف لما قرب مني وتراءى لي شخصه بضوء النَّار تلقيته بالترحيب وَقلت لمن حول النَّار من المصطلين وَمن الْأَهْل والحاشية اسْتَبْشَرُوا بالضيف
يستفزه أَي يستحثه وداعي اللَّيْل مَا يصوت بِالسحرِ مثل الديك وَغَيره والصفير كل صَوت يَمْتَد مَعَ رقة مَعْنَاهُ أَن الضَّيْف أَتَى فِي وَقت السحر وَأَنا أستحثه إِلَى نَار الضِّيَافَة لأجل أَن يصطلى بهَا ويجد من إكرامنا لَهُ مَا يسره
تَأَخَّرت حَتَّى لم تكد تصطفي الْقرىعلى أَهله وَالْحق لَا يتَأَخَّر
وَقمت بنصل السَّيْف والبرك هاجدبهَا زره وَالْمَوْت فِي السَّيْف ينظر
فأغضضته الطُّولى سناما وَخَيرهَابلَاء وَخير الْخَيْر مَا يتَخَيَّر
فأوفضن عَنْهَا وَهِي ترغو حشاشةبِذِي نَفسهَا وَالسيف عُرْيَان أَحْمَر
ــ
لم تكد تصطفي الْقرى مَعْنَاهُ أَن غَيْرك يسْبق إِلَى الْقرى فينال صفوته فَلَا تكَاد تنَال شَيْئا مِنْهُ وَقَوله وَالْحق لَا يتَأَخَّر أَي حق الضَّيْف لَا يُؤَخر عَنهُ وَإِن تَأَخّر حُضُوره مَعْنَاهُ أَنِّي قلت للضيف قد تَأَخَّرت حَتَّى كَاد غَيْرك يسْبق إِلَى الْقرى فينال خِيَار الطَّعَام دُونك وَلَكِن حق الضَّيْف لَا يُؤَخر عَنهُ بتأخر حُضُوره
البرك الْإِبِل والهاجد النَّائِم والبهازر جمع بهزرة وَهِي النَّاقة الْعَظِيمَة مَعْنَاهُ فَقُمْت بِالسَّيْفِ إِلَى الْإِبِل الْعَظِيمَة وَهِي نَائِمَة وَالْمَوْت فِي سَيفي ينْتَظر مَاذَا يكون مني
فأعضضته الطُّولى أَي جعلت السَّيْف يعضها والطولى مُؤَنّثَة الأطول وَخَيرهَا بلَاء أَي وأحسنها نعْمَة وَمن نعْمَة النَّاقة أَن تكون كَرِيمَة الْأَوْلَاد غزيرة اللَّبن سريعة السّير وَغير ذَلِك من الصِّفَات المحمودة فِيهَا وَمَعْنَاهُ أَنه نحر من الْإِبِل أطولها سناما وأطيبها لَحْمًا وَأَكْرمهَا عِنْده منزلَة
فأوفضن عَنْهَا من الإيفاض وَهُوَ الْإِسْرَاع أَي تَفَرَّقت الْإِبِل عَنْهَا بِسُرْعَة وترغو من الرُّغَاء أَي تصوت والحشاشة بَقِيَّة الرّوح وبذي نَفسهَا أَي بخالصة نَفسهَا وعريان أَحْمَر أَي مُجَرّد من غمده متلطخ بِدَم النَّاقة وَمَعْنَاهُ أَنه لما عرقب النَّاقة بِالسَّيْفِ تَفَرَّقت الْإِبِل من حولهَا وَهِي تصوت وتجود بِبَقِيَّة روحها وَالسيف مُجَرّد من غمده متلطخ بدمها
فباتت رحاب جونة من لحامهاوفوها بِمَا فِي جوفها يتغرغر
النص من طبعة دار القلم ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع