من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
المجلس الرابع والثلاثون يتضمّن القول فى الاستخبار
الاستخبار والاستفهام والاستعلام واحد، فالاستخبار: طلب الخبر، والاستفهام: طلب الفهم، والاستعلام: طلب العلم، والاستخبار نقيض الإخبار، من حيث لا يدخله صدق ولا كذب، وأدواته حروف وأسماء وظروف، فالحروف:
الهمزة وهل وأم، والهمزة أمّ الباب، ألا تراها تكون للإثبات، كقوله:
أطربا وأنت قنّسرىّ
خاطب نفسه مستفهما، وهو مثبت، أى قد طربت، ولا يجوز: هل طربا؟ ويدلّك على قوّة الهمزة فى بابها أنّ حرف العطف الذى من شأنه أن يقع قبل المعطوف، لا يتقدّم عليها، بل لها الرّتبة الصّدريّة عليه، كقولك: أفلم أكرمك، أولم أحسن إليك؟ كما جاء فى التنزيل: ﴿أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ - ﴿أَوَكُلَّما﴾
﴿عاهَدُوا عَهْداً﴾ وجاء تقديم العاطف على «هل» على القياس، تقول: هل جاء زيد، وهل عندك محمد؟
والأسماء المستفهم بها «من وما وكم وأىّ» فى نحو: أىّ القوم عندك؟ وأىّ/ الخيل ركبت؟ فإن أضفتها إلى اسم من أسماء الزمان أو المكان، أخرجتها بذلك إلى الظّرفية، لأنها بعض ما تضاف إليه، كقولك: أىّ الشّهور خرجت؟ وأىّ المنازل نزلت؟
والظّروف المستفهم بها «أين وكيف ومتى وأيّان وأنّى» وإنما عدّوا «كيف» فى الظّروف، للاستفهام بها عن الحال، والحال تشبه الظّرف، لأنها عبارة عن الهيئة التى يقع فيها الفعل، ولذلك تقول: كيف زيد جالسا؟ أى على أىّ هيئة جلوسه، كما تقول: أين زيد قائما؟ فينوب «كيف» مناب اسم الفاعل فى نصب الحال، كنيابة أين.
فأمّا أوضاع هذه الكلم: فأين وضعت فى هذا الباب للاستفهام عن المكان [ومتى] وأيّان للاستفهام عن الزمان، وإنما قلت: فى هذا الباب، لأن «أين» تفارق الاستفهام إلى الشّرط، وكذلك متى، وكيف يستفهم بها عن الأحوال، وأنّى يتجاذبها شبهان، شبه أين، وشبه كيف، وقد جاء التنزيل بهما، فى قوله:
﴿يا مَرْيَمُ أَنّى لَكِ هذا﴾ أى من أين لك هذا؟ وفى قوله: ﴿أَنّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها﴾ أى كيف يحيى هذه الله؟
و «من» للاستفهام عن العقلاء، و «ما» يستفهم بها عن ذوات غير العقلاء، وعن صفات العقلاء، فذوات غير العقلاء ضربان: أجسام وأحداث، والأجسام ضربان: أحدهما الحيوانات الصّوامت، والآخر الجمادات والنباتات والمائعات، وغير ذلك، يقول القائل: ما معك؟ فتقول: فرس أو دينار أو غصن آس، أو ماء ورد، ومثال الاستفهام بها عن صفات العقلاء، أن تقول: من عندك؟ فتقول: زيد، فيستفهمك بعد ذلك عن صفته، فيقول: وما زيد؟ فتقول: رجل طويل أسمر بزّاز، وفى التنزيل: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ﴾.
و «كم» يستفهم بها عن الأعداد، وأىّ تستغرق هذا كلّه، لأن الإضافة/ تلزمها، لفظا أو تقديرا، فهى عبارة عن بعض ما تضاف إليه.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع