من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
ومنها قوله
بما بجفنيك من سحر صلى دنفايهوى الحياة وأمّا إن صددت فلا
الدّنف: المرض الملازم، ويقال للمريض: دنف ودنف، بالكسر والفتح، فإن فتحت لم تثنّ ولم تجمع ولم تؤنّث، لأنه مصدر موصوف به الشخص، كما قالوا:
رجل كرم [ورجلان كرم] ورجال كرم، وكذلك المؤنّث وتثنيته وجمعه.
قال الشاعر:
وأن يعرين إن كسىالجوارى
فتنبو العين عن كرم عجاف
فإن كسرت ثنّيت وجمعت وأنّثت، لأنه صفة، كحذر وبطر.
والباء التى فى قوله: «بما» متعلّقة بحال محذوفة، وهى حال من الياء فى «صلى»
والباء التى فى قوله: «بجفنيك» نائبة مناب «فى» كما تقول: زيد بالبصرة، ومثله:
﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً﴾ وهى متعلقة فى التقدير بفعل لا باسم فاعل، لأنها صلة «ما» والظّروف وحروف الخفض إذا كانت صلات، لم تتعلّق باسم فاعل، لأن اسم الفاعل مفرد، وإن تضمّن ضميرا، من حيث لا اعتداد بالمضمر فيه، والصّلة لا تكون إلا جملة أو ما يقوم مقام الجملة، كالظرف، فالتقدير: صلى دنفا، مسئولة بما فى جفنيك من السحر، /كما تقول: بالله زرنى، أى زرنى مسئولا بالله.
قال أبو الفتح: الفاء فى قوله: «فلا» جواب «أمّا» لا جواب «إن»، ومثله:
﴿وَأَمّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ. فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ﴾ انقضى كلامه.
وأقول: إنما كانت الفاء جواب «أمّا» لأن «أمّا» أسبق المجابين، وجواب الشرط محذوف، دلّ عليه الجواب المذكور، ونظير ذلك قولك: «والله إن زرتنى لأكرمنّك» جعل الجواب للقسم لتقدّمه، وسدّ جواب القسم مسدّ جواب الشرط، وكذلك إن قدّمت الشرط جعلت الجواب له، فقلت: إن تزرنى والله أكرمك، وممّا جاء فى التنزيل، من ذكر خبر الأسبق قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾ لما كانت اللام فى «لئن» مؤذنة بالقسم، كان الجواب للقسم، وكذلك مجىء لولا فى قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ ثم مجىء «لو» بعدها فى قوله:
﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ وجاء الجواب فى قوله: ﴿لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وجب الحكم بأنه جواب «لولا» لتقدّمها، وهو سادّ مسدّ جواب «لو».
وقوله: «يهوى الحياة» تحتمل ألف «يهوى» الإثبات فى الخطّ والحذف، فحذفها للجزم على جواب الأمر، لأن الأمر أحد الأشياء التى تنوب عن الشرط، فالتقدير: صلى دنفا فإن تصليه يهو الحياة، وإثباتها على إجرائه وصفا لدنف، كما جاء الجزم والرفع فى ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ من قوله تعالى: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي﴾
وقول الشاعر: «وأما إن صددت فلا» ممّا حذف منه جملة، حذفها كالنّطق بها، لأن قوله: «يهوى الحياة» دالّ على أنه أراد: فلا يهوى الحياة، والمعنى من قول دعبل:
ما أطيب العيش فأمّا علىأن لا أرى وجهك يوما فلا
لو أنّ يوما منك أو ساعةتباع بالدّنيا إذن ما غلا
/كرّر المتنبى معنى فى أبيات مختلفة الألفاظ، فضّل فيها الفرع على أصله، فأحسن فيها كلّ الإحسان، فمنها قوله:
فإن تفق الأنام وأنت منهمفإنّ المسك بعض دم الغزال
وقوله فى مرثية أخت سيف الدولة:
فإن تكن تغلب الغلباءعنصرها
فإنّ فى الخمر معنى ليس فى العنب
وقوله:
فإن يك سيّار بن مكرم انقضىفإنّك ماء الورد إن ذهب الورد
وقوله:
وما أنا منهم بالعيش فيهمولكن معدن الذّهب الرّغام
الرّغام: التّراب.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع