من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
فصل فى سوى
سوى فى الاستثناء معدودة فى الظّروف، فهى فى محلّ نصب على الظّرف، ومؤدية معنى «غير»، فإن فتحت أوّلها مددتها ونصبتها نصب الظرف، فقلت:
خرج القوم سواء زيد، ولا يدخل الخافض عليهما إلا فى الشّعر كقوله:
تجانف عن جلّ اليمامة ناقتىوما قصدت من أهلها لسوائكا
أى لغيرك، وأراد عن جلّ أهل اليمامة، أى أكثرهم، وإنما لم يدخل الخافض عليهما، لأنهما من الظروف التى لا تتصرّف، ووجه الظرفية فيهما أنك تقول:
أخذت رجلا ليعمل ما أكلّفه سوى زيد، أى مكان زيد، وأنهم قد وصلوا بهما، فقالوا: جاء الذى سوى زيد، ومررت بالذى سواء بكر، وليستا فى باب الاستثناء من/المساواة، وإنما هما مشتملتان على حروف المساواة، ومعناهما معنى «غير»، فإن أخرجتهما من باب الاستثناء جاءتا على ضروب، أحدها: استعمالهما بمعنى المكان المتوسّط بين المكانين، فمن ذلك فى التنزيل: ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً﴾ أى مكانا يكون النّصف ممّا بيننا وبينك، وكذلك تقول فى الممدودة: هذا مكان سواء، أى متوسّط بين المكانين، وجاء فى
الآية: ﴿سُوىً﴾ و ﴿سُوىً﴾ مكسور الأول ومضمومه، وقد استعملوا المقصورة بمعنى القصد فقالوا: قصدت سوى فلان، أى قصدت قصده، وهذا أغرب ما جاء فيها، قال:
فلأصرفنّ سوى حذيفة مدحتىلفتى العشىّ وفارس الأجراف
أراد قصد حذيفة.
واستعملوا الممدودة بمعنى الوسط، كما جاء فى التنزيل: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ أراد فى وسط الجحيم.
واستعملوها مصدرا فى معنى اسم الفاعل المشتقّ من الاستواء، كقوله جلّ ذكره: ﴿سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ﴾ أى مستو فيه هذا وهذا، ومنه قولهم:
«مررت برجل سواء والعدم» برفع العدم بالعطف على المضمر فى سواء، والوجه أن تؤكّده بمنفصل فتقول: هو والعدم، فإن رفعت سواء، فلا بد من المنفصل، تقول:
سواء هو والعدم، فهو مبتدأ والعدم معطوف عليه، وسواء خبر عنهما.
وقد استعملوها للتسوية بين الشيئين المتضادّين، كقولهم: سواء علىّ أقمت أم قعدت، كما جاء فى التنزيل: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ أى سواء عليهم
إنذارك لهم وترك إنذارك، ومثله: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا﴾ أى سواء علينا جزعنا وصبرنا.
سأل حبشىّ بن محمد بن شعيب الواسطىّ، عن إعراب قول المتنبى:
/ما لمن ينصب الحبائل فى الأرض ومرجاه أن يصيد الهلالا
فأجبت بأنه يروى «مرجاه» بإضافة «مرجا» إلى الهاء، و «مرجاة» بتاء التأنيث منصوبة نصب المفعول معه، كما تقول: مالك وزيدا؟ فمرجاة مثل مسعاة ومرضاة ومعلاة، وأجاز أبو الفتح فيها الخفض بالعطف على «من» ومن روى «مرجاه» فيحتمل أن يكون فى موضع رفع بالابتداء، و «أن يصيد» خبره، والجملة فى موضع الحال، ويحتمل أن يكون موضعه نصبا على أنه مفعول معه، فالواو فى القول الأول واو الحال، وفى الثانى بمعنى مع، وإن حملته على ما أجازه أبو الفتح فى «مرجاة» من الخفض، فالواو عاطفة، قال أبو الفتح: وهذا مثل ضربه، فأراد: أين هم من الظّفر بك على بعدهم من ذلك؟
وسأل عن قول كعب بن سعد:
فقلت ادع أخرى وارفع الصّوت بعدهالعلّ أبى المغوار منك قريب
فأجبت بأنه أراد: لعلّ لأبى المغوار منك مكان قريب، فخفف «لعل» وألغاها كما يلغون «إنّ وأنّ ولكنّ»، إذا خفّفوهن، وكذلك «كأنّ» فى قوله:
وصدر مشرق النّحركأن ثدياه حقّان
ولمّا حذف اللام المتطرّفة بقى «لعل» ساكن اللام، فأدغمها فى لام الجر، وفتح لام الجر لاستثقال الكسرة على المضاعف، والقياس فى الخطّ أن تكتب منفصلة من لعل.
ونولك فى قولهم: لا نولك أن تفعل، مأخوذ من التّناول للشيء، وهم يريدون به الاختيار، فإذا قالوا: نولك أن تفعل كذا، فمعناه ينبغى لك أن تفعل، والاختيار لك أن تفعل، ويقولون: لا نولك أن تفعل كذا، ومعناه: لا ينبغى لك أن تفعل كذا، ولم يلزم تكريره وإن كان معرفة، لأنه بمعنى لا ينبغى لك، فلم يلزم /تكريره، كما لا يلزم تكرير الفعل إذا دخلت عليه «لا» وعلّل المبرّد هذا بقوله: إن الأفعال وقعت موقع الأسماء النكرات التى تنصبها «لا»، وتبنى معها، لأن الأفعال تقع فى مواقع النّكرات، أوصافا وأحوالا، فلذلك لم تحتج إلى تكرير «لا»، ولو قدّرتها تقدير: لا رجل فى الدار ولا امرأة، لقلت: لا يقوم زيد ولا ينطلق، وصار جوابا لمن قال: أيقوم زيد أم ينطلق؟.
قال أبو سعيد: وهذا القول لا يصحّ على موضوع أصحابنا، لأنهم يقولون:
عوامل الأسماء لا تدخل على الأفعال، والصحيح عندى أن «لا» الواقعة على الفعل، لا يلزمها التكرير، لأنها جواب يمين، واليمين قد تقع على فعل واحد مجحود، فلا يلزم فيها تكرير «لا» كقولك: والله لا أخرج إلى البصرة، بل لا معنى لتكريرها ويمينك واقعة على شيء واحد.
ووجه آخر أيضا، وهو أن قولك: لا أفعل، نقيض قولك: لأفعلنّ، كقولك فى نفى: والله لأضربنّ زيدا: والله لا أضرب زيدا، فمن حيث لم يجب ضمّ فعل آخر إلى قولك: لأضربنّ، لم يجب ضمّ فعل آخر إلى قولك: لا أضرب، وأيضا فإن الفعل قد ينفى بلم ولن، ولا يلزمهما تكرير، ف «لا» مثلهما فى أنها تنفى الفعل، وإن كانت تختصّ بجواب اليمين.
قال سيبويه: اعلم أن «لا» قد تكون فى بعض المواضع هى والمضاف إليه بمنزلة اسم واحد، وذلك قولهم: أخذته بلا ذنب، وغضبت من لا شيء، وذهبت بلا عتاد، والمعنى: ذهبت بغير عتاد، ومثل ذلك: أجئتنا بغير شيء؟ أى رائقا، وتقول إذا قلّلت الشىء: ما كان إلاّ كلا شيء، وإنك ولا شيئا سواء، ومن هذا النحو قول الشاعر:
/تركتنى حين لا مال أعيش بهوحين جنّ زمان الناس أو كلبا
والرفع عربىّ جيّد، على قوله: «حين لا مستصرخ» و «لا براح» والنصب أجود من الرفع، يعنى فى غير البيت الذى أنشده، قال:
لأنك إذا قلت: لا غلام، فهى أكثر من الرافعة التى بمعنى ليس، قال الشاعر:
حنّت قلوصى حين لا حين محنّ
وأما قول جرير:
ما بال جهلك بعد الحلم والدّينوقد علاك مشيب حين لا حين
فإنما هو حين حين، و «لا» بمنزلة «ما» إذا ألغيت.
قال أبو سعيد: جئت بغير شيء، إنما يراد به جئت خاليا من شيء معك، وهذا معنى قوله: رائقا، لأن الرائق هو الخالى، واشتقاقه من راق الشّراب: إذا صفا، كأنه جاء ولم يعلق به شيء.
وقوله: «حين لا حين محن» حين منصوب بلا، كقولك: لا مثل زيد، ولا غلام امرأة، وخبره محذوف، التقدير [حين] لا حين محنّ لنا، و «حين» الأول مضاف إلى الجملة، التى هى لا حين محنّ لنا، كما تضاف أسماء الزمان إلى الجمل.
وأما قول جرير: «حين لا حين» فحين الأول مضاف إلى الثانى، وفصلت «لا» بين الخافض والمخفوض، كفصلها فى: جئت بلا شيء، كأنه قال: حين لا حين فيه لهو ولعب، أو نحو ذلك من الإضمار، لأن المشيب يمنع من اللهو واللّعب.
قال سيبويه: واعلم أن المعارف لا تجرى مجرى النكرات فى هذا الباب، لأن «لا» لا تعمل فى معرفة، فأما قول الشاعر:
لا هيثم اللّيلة للمطىّ
فإنه جعله نكرة، أراد لا مثل هيثم، وقال ابن الزّبير الأسدىّ:
أرى الحاجات عند أبى خبيبنكدن ولا أميّة فى البلاد
أراد: ولا أمثال أمية، وقالوا: «قضية ولا أبا حسن» قال الخليل: تجعله نكرة، فقلت: كيف يكون هذا، وإنما أرادوا عليّا ﵇؟ فقال: لأنه لا يجوز/لك أن تعمل «لا» إلا فى نكرة، فإذا جعلت «أبا حسن» نكرة، حسن لك أن تعمل «لا» وعلم المخاطب أنه قد دخل فى هؤلاء المنكورين.
فإن قلت: لم يرد أن ينفى كلّ من اسمه علىّ، فإنما أراد أن ينفى منكورين، كلّهم فى صفة علىّ، كأنه قال: لا أمثال علىّ لهذه القضية، ودلّ هذا الكلام على أنه ليس لها علىّ، وأنه مغيّب عنها، وإن جعلته نكرة ورفعته كما رفعت «لا براح» فجائز.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع