من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
فصل
والاستفهام يقع صدر الجملة، وإنما لزم تصديره، لأنك لو أخّرته تناقض كلامك، فلو قلت: جلس زيد أين؟ وخرج محمد متى؟ جعلت أول كلامك جملة خبرية، ثم نقضت الخبر بالاستفهام، فلذلك وجب أن تقدّم الاستفهام، فتقول: أين جلس زيد؟ ومتى خرج محمد؟ لأنّ مرادك أن تستفهم عن مكان جلوس زيد، وزمان خروج محمد، فزال بتقديم الاستفهام التناقض.
فصل
وقد ورد الاستفهام بمعان مباينة له، فمن ذلك مجيئه بمعنى الأمر، كقوله تعالى:
﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ أى انتهوا، ومثله: ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ﴾ أى
أحبّوا هذا، وكذلك ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أى تذكّروا، و ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ﴾ أى اخشعوا، ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾ أى أسلموا، ﴿وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أى قاتلوا.
ومما جاء فى الشعر من مجىء الاستفهام بمعنى الأمر والنهى، قول امرئ القيس:
قولا لدودان عبيد العصاما غرّكم بالأسد الباسل
أى لا تغترّوا وكونوا على حذر، ومثله للأعشى:
ألست منتهيا عن نحت أثلتناولست ضائرها ما أطّت الإبل
أى انته عنّا فلست تضرّنا.
وممّا جاء بمعنى الأمر بالتنبّه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾، ﴿أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾، ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ كلّ هذا بمعنى تنبّه على هذا، واصرف فكرك إليه، واعجب منه.
/ويكون تنبيها على الشّكر كقوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى﴾.
ويكون توبيخا كقوله: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً﴾، ﴿أَفَبِالْباطِلِ﴾
﴿يُؤْمِنُونَ﴾، ﴿أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾، ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ﴾ ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا﴾ وكذلك هى توبيخ فى قراءة من قرأها بلفظ الخبر.
ومن الاستفهام الذى ورد بمعنى الأمر، والمراد به التوبيخ قوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ أى هاجروا.
وقد جاء التوبيخ فى الظاهر لغير المذنب، مبالغة فى تعنيف فاعل الذنب، وفى تكذيبه، كقول الله سبحانه لعيسى ﵇: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اِتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ وبّخه، والمراد بذلك تكذيب قومه، ومثله: ﴿أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ﴾.
وقد جاء الاستخبار والمراد به الخبر، كقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ﴾ أى جهنّم مثواهم، وكقوله: ﴿فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ أى قد حكمتم بالباطل، حين جعلتم لله ما تكرهونه لأنفسكم، ومنه: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ خبر «من» محذوف، تقديره: كمن ينعم فى الجنة،
والمعنى: ليس هذا هكذا، ومثله فى مجىء الاستفهام والمراد به الخبر المنفىّ قوله تعالى: ﴿أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ أى لم يخلقوا شيئا، وجاء بمعنى الخبر الموجب فى قوله: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ المعنى: الله يكفى عبده، و ﴿هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكّى﴾ أى أدعوك إلى أن تزكّى، وبمعنى الخبر المنفىّ قوله: ﴿أَفَمَنْ يُلْقى فِي النّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أى ليسا سواء، ويكون خبرا بافتخار، كقوله تعالى حاكيا عن فرعون: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ ومما جاء فيه الاستفهام بمعنى الخبر الموجب، قول جرير:
ألستم خير من ركب المطاياوأندى العالمين بطون راح
أى أنتم خير من ركب المطايا، فلذلك قال عبد الملك حين أنشده هذا البيت:
/نحن كذلك، ولو قال جرير هذا على جهة الاستخبار، لم يكن مدحا، وكيف يكون هذا استفهاما، وقد جعل الرواة لهذا البيت مكانا عليّا، حتى قال بعضهم:
هو أمدح بيت.
وقد جاء لفظ الاستفهام الصريح المستعمل بالهمزة وأم، خبرا فى قول القائل:
ما ضرّ تغلب وائل أهجوتهاأم بلت حيث تناطح البحران
المعنى: ما ضرّها هجاؤك وبولك، وأكثر ما يجيء هذا بعد التسوية كقولك:
سواء علىّ أقمت أم قعدت، أى سواء علىّ قيامك وقعودك، ﴿وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ أى سواء عليهم إنذارك إيّاهم وترك إنذارك، ومثله:
﴿سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا﴾ التقدير: جزعنا وصبرنا سواء، فسواء فى هذا ليس بمبتدإ، كما ظنّ بعضهم، وإنما هو خبر المبتدأ المقدّر، على ما مثّلته لك، وكيف يكون قولك: «أقمت» خبرا لسواء، وهو جملة خالية من عائد إلى «سواء» ظاهر أو مقدّر، وكذلك «ضرّ» فى قوله:
ما ضرّ تغلب وائل أهجوتها
مسند إلى الفاعل المقدّر، الذى هو هجاؤك.
ومثل مجىء الاستفهام بمعنى الخبر بعد التسوية، مجيئه فى قولك: ما أدرى أزيد فى الدار أم عمرو؟ ومنه قول زهير:
وما أدرى وسوف إخال أدرىأقوم آل حصن أم نساء
وحذف الآخر الهمزة فى قوله:
لعمرك ما أدرى وإن كنت داريابسبع رمين الجمر أم بثمان
أراد: أبسبع؟ وقد قيل فى قول عمر بن أبى ربيعة:
ثم قالوا تحبّها قلت بهراعدد القطر والحصى والتّراب
إنه أراد: أتحبّها؟ فحذف همزة الاستفهام، وقيل: إنه أراد الخبر، أى أنت تحبّها. ومعنى: «قلت بهرا»: أى قلت: نعم أحبّها حبّا بهرنى بهرا.
ومما لم يختلف فى حذف/همزة الاستفهام منه قول الكميت بن زيد:
ولا لعبا منّى وذو الشّيب يلعب
أراد: أوذو الشيب يلعب؟ وقول عمران بن حطّان:
وأصبحت فيهم آمنا لا كمعشرأتونى فقالوا من ربيعة أو مضر
أم الحىّ قحطان ....
أراد: أمن ربيعة؟ وكذلك قيل فى حكاية [قول] موسى ﵇: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ﴾ إن المراد: أو تلك؟
ومن الاستفهام الذى أريد به النفى قوله جلّ اسمه: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ أى لا يكون هذا، وقوله حاكيا عنهم: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ﴾
﴿بَيْنِنا﴾ أى ما أنزل عليه الذّكر، ومثله: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ أى لم يشهدوا ذلك، وكذلك قوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ معناه: ليس ذلك إليك، كما قال: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ وكذلك قوله: ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللهُ﴾ معناه: لا يهديه أحد، وقوله: ﴿أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾ أى لم نعى به، ومنه قول النابغة:
ولست بمستبق أخا لا تلمّهعلى شعث أىّ الرّجال المهذّب
أى ليس أحد من الرجال مهذّبا بلا ذنب له، ومثله:
فهذى سيوف يا صدىّ بن مالكحداد ولكن أين بالسّيف ضارب
أى ليس أحد يضرب بالسّيف، ومثله:
ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم
أى ليس يوجد هذا.
وممّا جاء بلفظ الاستفهام ومعناه الوعيد قوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً﴾ معناه: أفنترككم ولا نذكّركم بعقابنا؟
وممّا جاء بمعنى الحثّ قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ ويكون تهدّدا على جهة التنبيه، كقوله: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ﴾ إلى آخر القصة، ويكون تحذيرا كقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾، ويكون/تعجّبا، كقول جرير::
غيّضن من عبراتهنّ وقلن لىماذا لقيت من الهوى ولقينا
وكقول الآخر:
وكيف يسيغ المرء زادا وجارهخفيف المعى بادى الخصاصة والجهد
وكقول الأعشى:
شباب وشيب وافتقار وثروةفلله هذا الدّهر كيف تردّدا
جعل الخبر والاستفهام جميعا تعجّبا، ويكون عرضا، كقولك: ألا تنزل عندنا؟ ألا تنال من طعامنا؟ والعرض بأن يكون طلبا أولى من أن يكون استفهاما، وإنما أدخله من أدخله فى حيّز الاستفهام، لأنّ لفظه لفظ الاستفهام، وليس كلّ
ما كان بلفظ الاستفهام يكون استفهاما حقيقيّا، على ما بيّنته لك، ولو كان العرض استفهاما، ما كان المخاطب به مكرما، ولا أوجب لقائله على المقول له شكرا.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع