من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
فصل يتضمّن القول فى الأمر
وأقول: حدّ الأمر: استدعاء الفعل بصيغة مخصوصة مع علوّ الرّتبة، وقد استحقّ هذا الاسم باجتماع هذه الثلاثة، فأما علوّ الرتبة، فإنّ أصحاب المعانى قالوا: الأمر لمن دونك، والطّلب والمسألة لمن فوقك، كقولك للخليفة: أجرنى، وسمّوا هذه الصيغة إذا وجّهت إلى الله تعالى: دعاء، لأنّ الدعاء الذى هو النداء يصحبها، كقولك: اللهمّ اغفر لى، ويا ربّ ارحمنى، وإذا كانت لمن فوقك من الآدميين سمّوها سؤالا وطلبا، فهى بهذين الاسمين إذا وجّهت إلى الله سبحانه أولى.
وقد قدّمنا أن للأمر صيغتين، إحداهما للمواجه، وهى افعل، والأخرى للغائب، وهى ليفعل، فمثال الأمر الواجب: ﴿كُونُوا قَوّامِينَ لِلّهِ﴾ - ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ - ﴿اُعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ - ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ - ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾.
وقد وردت هذه الصيغة والمراد بها النّدب والاستحباب، والنّدب: كلّ ما فى فعله
ثواب، وليس فى تركه عقاب، كقوله: ﴿اُذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ وقوله: ﴿فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ﴾ وكقول النبىّ عليه وآله السّلام: «من جاء منكم إلى الجمعة فليغتسل».
وقد جاءت هذه الصيغة والمراد بها إباحة الشىء بعد حظره، كقوله: ﴿فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَاِبْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ﴾ بعد قوله: ﴿إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ وكذلك قوله: ﴿وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا﴾ بعد قوله: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ ومنه: ﴿فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها﴾ ومنه: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ ومنه: ﴿وَاُهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاِضْرِبُوهُنَّ﴾ ومنه: ﴿فَكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ فكلّ هذا مما ليس فى فعله ثواب، ولا فى تركه عقاب.
ويكون هذا اللفظ الأمرىّ بمعنى الوعيد كقوله تعالى: ﴿اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ - ﴿فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ - ﴿فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ - ﴿وَاِسْتَفْزِزْ مَنِ اِسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ﴾
﴿فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ﴾ - ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً﴾ - ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا﴾ - ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ﴾.
وقد جاء اللفظ تأديبا وإرشادا إلى أصلح الأمور وأحزمها، كقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ﴾ ثم لم يختلف أهل العلم فى أنّ ترك الإشهاد عند التبايع لا يكون مفسدا للبيع، وأنّ قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ﴾ دليل على أنّ/الأمر بالإشهاد عند التبايع إرشاد وتأديب، ومثله فى مجىء هذا اللفظ إرشادا على غير إلزام قوله: ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ﴾.
وكما جاء الخبر معناه الأمر فيما قدّمت ذكره، من نحو ﴿وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ كذلك جاء لفظ الأمر والمراد به الخبر، فى قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا﴾ المعنى: فيمدّ له الرحمن مدّا.
ويكون أيضا لفظ الأمر للخضوع، كما كان دعاء فى نحو: اللهمّ اغفر لنا، وليرحم الله
زيدا، وذلك نحو قول المذنب لسيّده، أو لذى سلطان [عليه]: افعل بى ما شئت، وابلغ منّى رضاك، تذلّلا منه وإقرارا بذنبه.
ويكون لفظ الأمر أيضا لإظهار عجز الذى وجّه إليه ذلك اللفظ، ويسمّى هذا الضرب تحدّيا، كقوله جلّ وعلا: ﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ﴾ فلما عجزوا عن ذلك قال: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ وقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ يدلّك على أن المعنى تبيين عجزهم عن ذلك قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ وقوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾.
ويكون لفظ الأمر أيضا تنبيها على القدرة، والمخاطب غير مأمور بأن يحدث فعلا، فيكون بفعل ذلك الفعل مطيعا، وبتركه له عاصيا، كقوله تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً﴾ يعنى لو كنتم حجارة أو حديدا لأعدناكم، ألم تسمع إلى قوله حاكيا عنهم ومجيبا لهم: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فهذا يبيّن لك أنّ لفظ الأمر فى هذا الموضع تنبيه على قدرته سبحانه.
ويكون لفظ الأمر أيضا لما لا فعل فيه لمن وجّه إليه أصلا، كقوله: ﴿فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ المعنى: فكوّنّاهم قردة، ألا ترى أن هذا ليس من الأمر
/الذى يمكن المأمور أن يفعله أو يتركه، ولكنه فعل واقع به من الله ﷿.
واعلم أنّ من أصحاب المعانى من قال: إن صيغة الأمر مشتركة بين هذه المعانى، وهذا غير صحيح، لأن الذى يسبق إلى الفهم هو طلب الفعل، فدلّ على أن الطلب حقيقة فيها دون غيره، ولكنّها حملت على غير الأمر الواجب بدليل، والأمر الواجب هو الذى يستحقّ بتركه الذّمّ، كقوله تعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اِرْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ فذمّهم على ترك الركوع، بقوله: ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع