تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

فصل (٢)

النهى: هو المنع من الفعل بقول مخصوص، مع علوّ الرّتبة، وصيغته: لا تفعل ولا يفعل فلان، فمن النهى للمواجه: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ - ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ﴾ ومنه قوله ﵇: «لا تباغضوا ولا تحاسدوا» ومن النهى للغائب: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ - ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ فهذا كلّه يراد به التحريم.

وقد ترد هذه الصيغة والمراد بها التنزيه، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ أى لا تتركوه، وليس ذلك بحتم، وكقول النبىّ ﵌: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده فى الإناء حتى يغسلها

ثلاثا» ولا تحمل هذه الصيغة على التنزيه إلاّ بدليل.

وقد ورد النهى بغير هذه الصّيغة، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ﴾ و ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾.

وقد جاء النهى بلفظ الوعيد، كقوله جلّ اسمه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً﴾ /وكقوله ﵇: «من شرب فى آنية الفضّة فإنما يجرجر فى جوفه نار جهنّم».

وممّا جاء من النّهى بلفظ النّفى قوله جلّ وعزّ: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ أراد: لا يستغفروا لهم، ومنه: ﴿ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أى لا ترتابوا فيه، أى لا تشكّوا فيه، ومثله: ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ﴾ أى لا تبدّل أيّها الإنسان كلمات الله، ومنه: ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ﴾ أى لا تكرهوا فى الدّين، وكان هذا قبل أن يؤمر بالقتال، ومنه: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ﴾ أى لا ترفثوا فى الحجّ ولا تفسقوا ولا تجادلوا، ومعنى لا رفث

ولا فسوق: أى لا جماع ولا كلمة من أسباب الجماع، ومعنى: ولا جدال فى الحجّ:

أى لا يسوغ للرجل أن يجادل أخاه فى الحجّ، فيخرجه جداله إلى ما لا ينبغى.

ومن النّهى بلفظ الخبر أيضا: ﴿أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ ومعناه: لا يلهكم التكاثر، كما قال: ﴿لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ﴾ ومنه: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ يقول:

لا تطيعوهم، ومنه: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ يقول: لا تغلّوا واستنّوا بنبيّكم، ومنه: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اِتَّقى﴾ يقول: لا ترغبوا فى متاع الدنيا، وارغبوا فى الآخرة، ومنه: ﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ معناه: لا تجزعوا من الموت، وقاتلوا فإنّ الموت ملاقيكم. تمّ المجلس.

المجلس الخامس والثلاثون

القول فى النّداء وهو الدّعاء

عامّة الناظرين فى المعانى يزعمون أنّ لفظ النداء لمعنى واحد، لا يتجاوزه/إلى غيره، قالوا: لأنّ قولك: يا زيد، ويا عبد الله، صوت يدلّ المدعوّ على أنك تريد منه أن يقبل عليك، لتخاطبه بما تريد أن تخاطبه به، وليس النداء إخبارا ولا استخبارا، ولا أمرا ولا نهيا، ولا تمنّيا ولا عرضا، وإنما تلقى إلى المدعوّ من هذه المعانى ما شئت بعد دعائك إيّاه، قالوا: والدّليل على أنه صوت خال من هذه المعانى أنّ البهائم تنادى بأصوات موضوعات لها، وهى لا تخبر ولا تستخبر، كقولهم للإبل إذا دعوها للشّرب: جأجأ، مهموز، يقولون: جأجأت بإبلى، ويقولون للضأن إذا دعوها: حاحا، وللمعز: عاعا، غير مهموزين، والفعل منهما: حاحيت وعاعيت، والمصدر الحيحاء والعيعاء، عن ابن السّكّيت، وأنشد:

يا عنز هذا شجر وماءوحجرة فى جوفها صلاء
عاعيت لو ينفعنى العيعاءوقبل ذاك ذهب الحيحاء

وقد وجدت للنّداء وجوها، أكثرها لا تخرجه عن كونه نداء، فمن ذلك أنّ نداءك لله سبحانه فى قولك: يا الله يا رحمن يا رحيم، إلى غير ذلك من أسمائه الحسنى وصفاته العلى، يكون خضوعا وتضرّعا وتعظيما. وقد يقتصر على ألفاظ المدح للمدعوّ، إذا كان قصدك تعظيمه، ومرادك مدحه، كقولك: يا سيّد الناس، ويا خير مطلوب إليه، ويا فارس الهيجاء، تريد: أنت سيّد الناس، وأنت خير مطلوب إليه، وأنت فارس الهيجاء، فيكون نداؤه بذلك داخلا فى الخبر، كما يكون نداؤك لله جلّت عظمته، إقرارا منك بالرّبوبيّة [وتعبّدا] وبحسب ذلك يكون النداء ذمّا للمنادى وتقصيرا به، وزريا عليه، كقولك: يا فسق ويا خبث، ويا أبخل الناس، ويا مستحلّ الحرام، وما أشبه هذا، ممّا تقتصر عليه ولا تذكر معه شيئا غيره، كما اقتصرت على نداء الممدوح بما ناديته، فالنّداء فى هذا الوجه/داخل فى حيّز الخبر، وقد ورد النّداء مرادا به الخبر فى شيء من كلامهم، وذلك فى قولهم:

«اللهمّ اغفر لنا أيّتها العصابة» قال أبو العباس محمد بن يزيد: معناه أخصّ هذه العصابة.

وقد يكون دعاؤك لمن هو مقبل عليك، ومستغن عن دعائك له، على جهة التوكيد، حتى إن الداعى قد ينادى نفسه وقلبه، كقول القائل:

فيا نفس صبرا لست والله فاعلمىبأوّل نفس غاب عنها حبيبها
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «يقر بعيني قربها ويزيدني»

وكقول الآخر:

فلو يا قلب كنت اليوم حرّازجرت النّفس ويحك عن هواها

وقد يوجّه النداء إلى من لم يقصد إسماعه، وذلك إلى غائب تكتب إليه، تتشوّقه أو تمدحه أو تذمّه، كقولك فى مكتوبك: يا زيد، جمع الله بينى وبينك، ويا محمد، ما أكرمك، ويا خالد ما ألأمك، أو تقول لميّت تندبه: يا زيد، ما أجلّ مصيبتنا بفقدك، ويا عبد الله، لقد هدّنا هلكك، غير أنّ أكثر العرب يخالفون بين اللّفظ بالنّدبة، واللفظ بالنّداء، فيجعلون «وا» مكان «يا» ويلحقون آخر الاسم ألفا، فإذا سكتوا ألحقوها هاء ساكنة، كقولك: وا سيّد المسلميناه، وا أمير المؤمنيناه، فاقتصارك على قولك: يا سيّد الناس، ويا فارس الهيجاء، كاقتصارهم على مدح المندوب.

وممّا نادوه مما ليس إسماعه متوهّما، الدّيار والأطلال، كقول النابغة:

يا دار ميّة بالعلياء فالسّندأقوت وطال عليها سالف الأبد
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «يا دار مية بالعلياء فالسند»

وكقول امرئ القيس:

ألا عم صباحا أيّها الطّلل البالىوهل ينعمن من كان فى العصر الخالى
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

وقد ينادون الأوقات، بمعنى الاشتكاء لطولها، أو المدح لها بما نالوا من السّرور /فيها، فمن الاشتكاء لطول الليل قول امرئ القيس:

ألا أيّها اللّيل الطويل ألا انجلبصبح وما الإصباح فيك بأمثل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

وقول الأعشى:

وحتى يبيت القوم فى الصّفّ ليلهميقولون أصبح ليل واللّيل عاتم

أراد: ياليل، فحذف حرف النداء، وحذفه إذا صحّ أن يكون المنادى صفة لأىّ، قليل، لشذوذه عن القياس.

ويروى: «يقولون نوّر صبح».

ومن وصف الليل بالقصر، لما نال واصفه فيه من السرور، وأحسن ما شاء، قول الشريف أبى الحسن الرّضىّ، رضى الله عنه وأرضاه، وإن كان متأخّرا، فإنّما نسج المتأخّرون على منوال المتقدّمين:

يا ليلة كاد من تقاصرهايعثر فيها العشاء بالسّحر

ومن ذلك نداء أمير المؤمنين علىّ ﵇ للدّنيا وخطابه لها، فيما ذكره لمعاوية ضرار بن ضمرة النّهشلىّ، وقد سأله عنه فقال فيما وصفه به:

أشهد لقد رأيته وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، ماثلا فى محرابه، قابضا على لحيته، يتململ تململ السّليم، ويبكى بكاء الحزين، ويقول: «يا دنيا ألى تعرّضت، لا حان حينك، قد بتتّك ثلاثا لا رجعة لى فيك، فعمرك قصير، وعيشك حقير، وخطرك يسير».

وقد جاء النداء تحذيرا، كقوله تعالى: ﴿يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ﴾ وجاء استغاثة، كقول عمر رضى الله عنه، لمّا طعنه العلج: «يا لله وللمسلمين».

وقال أبو العباس المبرد: من قال: يا بؤسا لزيد، جعل النّداء بمعنى الدعاء على

المذكور، وكذلك قول سعد بن مالك بن ضبيعة:

يا بؤس للحرب الّتىوضعت أراهط فاستراحوا

/كأنه دعاء على الحرب، وأراد: يا بؤس الحرب، فزاد اللام.

وقد استعملوا النداء توجّعا وتأسّفا كقوله:

وبعد غد يا لهف نفسى من غدإذا راح أصحابى ولست برائح

وقد ورد النداء تعجّبا، كقول الراجز:

يا ريّها اليوم على مبينعلى مبين جرد القصيم

جمع بين الميم والنّون رويّين، لتقارب مخرجيهما، كقول الآخر:

بنىّ إنّ البرّ شيء هيّنالمنطق الطّيّب والطّعيّم
للشاعر مالك بن المُرحَّل، من قصيدة «حمدُ الإلهِ واجبٌ لذاته»

ومثله لأبى جهل بن هشام:

ما تنقم الحرب العوان منّىبازل عامين حديث السّنّ

لمثل هذا ولدتنى أمّى

وقال آخر، فجمع بين الطاء والدال لتقاربهما:

إذا ركبت فاجعلونى وسطاإنّى كبير لا أطيق العنّدا

العنّد: جمع ناقة عنود، وهى التى لا تستقيم فى سيرها، وهذا يسمّى فى عيوب القوافى الإكفاء.

وممّا جاء فيه النداء تعجّبا قول الحطيئة:

طافت أمامة بالرّكبان آونةيا حسنه من قوام ما ومنتقبا
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «طافت أمامة بالركبان آونة»

أراد: ما أحسنه من قوام، كما أراد الراجز: ما أرواها اليوم، على الماء المسمّى بمبين، ونصب «منتقبا»، بالعطف على موضع «من قوام» و «ما» زائدة، والمنتقب: موضع النّقاب، وآونة: جمع أوان، ومثله من التعجّب بلفظ النداء قول امرأة من طيئ:

فيا ضيعة الفتيان إذ يعتلونهببطن الشّرى مثل الفنيق المسدّم

/أى ما أضيع الفتيان بعده، إذ يعتلونه، أى يقودونه، يعنى أعداءه، مثل الفحل من الإبل، والمسدّم: المكعوم الذى حشى فمه بالسّدام، وهو الكعامة ليمنعه من العضّ.

فهذه وجوه شتّى قد احتملها النّداء، وإن كان فى أصل وضعه لتنبيه المدعوّ، والذى حملنى على تلخيصها، ما ذكرته لك من إنكار كثير منهم أن يكون لفظ النداء محتملا لمعنى غيره، وقد أريتك أن أكثر معانى الكلام ليس لفظ من ألفاظها إلا وهو محتمل لمعان مباينة للمعنى الذى وضع له ذلك [اللفظ] فلا يكون فى احتماله لتلك المعانى ما يخرجه عن معناه الأصلىّ.

وأقول: إنه كما جاز فى الألفاظ المفردة ما يتّفق لفظه ويختلف معناه، كذلك جاز أن يكون فى الألفاظ المركّبة المفيدة ما يختلف معناه واللفظ واحد، كقولهم فى المفرد: العين، لعين الإنسان وكلّ ذى بصر، والعين: الرجل المتجسّس، والعين: سحابة تأتى من ناحية القبلة، والعين: مطر يدوم خمسا أو ستّا لا يقلع، والعين: الدّنانير الناضّة، والعين: الميل فى الميزان، وعين الرّكبة: النّقرة التى فيها [وعين الماء] وعين الشمس، وعين القبلة، وعين الشىء: نفسه.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمالي ابن الشجري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.