تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

فصل (٣)

الكلام ينقسم فى المعانى عند بعض أصحاب المعانى إلى أربعة أقسام: خبر واستخبار وطلب ودعاء، فالخبر أوسعها، وهو أن يخبر المتكلّم المكلّم بما يفيد معرفته، والاستخبار: أن يطلب المستخبر من المستخبر إخباره بما ليس عنده، فأما الخطاب بلفظة افعل، فلا يخلو أن يكون لمن دونك أو لنظيرك، أو لمن هو أعلى منك، فإن كان لمن دونك، سمّيته أمرا، وإن كان لنظيرك سمّيته مسألة، وإن كان لمن هو أعلى منك سمّيته طلبا، وإن كان لله سبحانه سمّيته سؤالا ودعاء وطلبا، وإنما اختلفت التسمية، لاختلاف المخاطبين بهذه اللفظة، لأنك تستقبح أن تقول: [أمرت والدى، كما تستقبح أن تقول]: سألت غلامى.

/والنهى بلفظة: لا تفعل، هو عند قوم بمعنى الأمر، قالوا: لأنك إذا قلت:

نهيته عن كذا، فقد أمرته بغيره، فإذا قلت: لا ترحل، فكأنك قلت: أقم، وإذا قلت: لا تصم، فكأنك قلت: أفطر، وكذلك إذا أمرته بشىء، فكأنك نهيته عن نقيضه، فإذا قلت: ارحل، فكأنك قلت: لا تقم، وإذا قلت: صم، فكأنك قلت: لا تفطر، وهما عند آخرين معنيان، كلّ واحد منهما قائم بنفسه، وإن اشتركا فى بعض المواضع.

وقد أدخل قوم الدعاء الذى هو النّداء، فى باب الأمر، قالوا: لأنك إذا قلت:

يا رجل، فكأنك قلت: تنبّه واسمع، فجعلوا المعانى ثلاثة، وليس قول هؤلاء بشىء، لأنك إذا قلت: يا زيد، لم تقل: أمرته ولا نهيته.

وقال قوم: الجزاء قسم آخر، إذا قلت: من يأتنى آته. وقال قوم: التعجّب قسم آخر، إذا قلت: ما أحسن زيدا، وقال آخرون: تعظيم الله قسم آخر، إذا قلت: لا إله إلا الله، وقالوا: العرض قسم آخر، إذا قلت: ألا تنزل عندنا، وقالوا: التحضيض قسم آخر، إذا قلت: هلاّ صنعت كذا، وقالوا: التمنّى قسم آخر، إذا قلت: ليت لى مالا.

وأقول: إن هذا كلّه يرجع إلى ما قدّمت ذكره، إلا التمنّى، لأنه إذا قال: من يأتنى آته، فقد أخبر، وإذا قال: ما أحسن زيدا، فقد أخبر أن زيدا حسن جدّا، وإذا قال: لا إله إلا الله، سبحان الله، فقد أخبر بأنه يعترف بذلك، وأنه من أهل هذه المقالة، وإذا قال: ألا تنزل عندنا، فلفظه لفظ الاستفهام ومعناه الطّلب، فكأنه قال: انزل عندنا.

وأما التحضيض فإنه داخل فى حيّز الأمر، وأدوات التحضيض: هلاّ وألا ولولا ولوما، واختصاصه بالفعل كاختصاص الشّرط بالأفعال، تقول: هلاّ أكرمت زيدا، ولولا تعطى جعفرا، وفى التنزيل: ﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ﴾، وقال عنترة:

هلاّ سألت الخيل يا ابنة مالكإن كنت جاهلة بما لم تعلمى
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»

أراد: هلاّ سألت الخيل بما لم تعلمى، أى عمّا لم تعلمى، ومثل تأدية الباء هاهنا معنى «عن» تأديتها فى قوله تعالى: ﴿الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ أى فسل عنه خبيرا.

ويجوز حذف الفعل من هذا الضّرب، إذا دلّ عليه دليل حال، أو دليل لفظ،

فدليل الحال كقولك لمن تراه يعطى: هلاّ زيدا، تريد: هلاّ تعطى زيدا، ولمن تراه يضرب: لولا خالدا، تريد: لولا تضرب خالدا، ودليل اللفظ كقول الشاعر:

تعدّون عقر النّيب أفضل مجدكمبنى ضوطرى لولا الكمىّ المقنّعا
للشاعر الأشهب بن رميلة، اقرأ القصيدة

أراد: لولا عددتم أو تعدّون الكمىّ، وإن شئت قدّرت: لولا عقرتم أو تعقرون، بدلالة العقر عليه.

وقد جاء التوبيخ بلفظ التحضيض فى قوله: ﴿لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾.

وأما التمنّى فزعم قوم أنه داخل فى الخبر، لأنه إذا قال: ليت لى مالا، فقد أخبر بأنه تمنّى ذلك، فكأنه قال: وددت أنّ لى مالا، وليس الأمر عندى على ما قالوا، لأن التمنّى مما أجابته العرب بالفاء، كما أجابوا الأمر والنهى والاستفهام، كما

جاء فى التنزيل: ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ والفاء لا يجاب بها الخبر الموجب إلا فى ضرورة شعر، كقوله:

سأترك منزلى لبنى تميموألحق بالحجاز فأستريحا
للشاعر المغيرة بن حبناء، اقرأ القصيدة

ويقوّى ذلك أنك لو قلت: ليت لى مالا، لما عورضت بتصديق ولا تكذيب، فقد خرج التمنّى عن حيّز الخبر بهذين.

ومن التمنّى قوله تعالى، حاكيا عن الكفار: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ /فالنصب فى قوله: ﴿فَنَكُونَ﴾ يحتمل وجهين، أحدهما: أن يجعل ﴿فَنَكُونَ﴾ جوابا مثل ﴿فَأَفُوزَ﴾ والآخر أن يكون معطوفا على المصدر الذى هو ﴿كَرَّةً﴾ كأنه قيل: فلو أنّ لنا أن نكرّ إلى الدنيا فنكون من المؤمنين، ومثل ذلك فى عطف الفعل المنصوب بأن مضمرة، على مصدر، قول امرأة أعرابية من نساء معاوية، اشتاقت أهلها:

للبس عباءة وتقرّ عينىأحبّ إلىّ من لبس الشّفوف
للشاعر نصر الله الحائري، اقرأ القصيدة

الشّفوف: الثّياب الرّقاق، واحدها شفّ، وإنما أضمروا فى هذا النحو

«أن» ليوافق المعطوف المعطوف عليه، فى الاسمية.

والتحضيض كالتمنّى، فى إجابته بالفاء، فى قوله: ﴿لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ﴾ «وأكون» ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ كما أجيب بها التمنّى فى قوله: ﴿فَأَفُوزَ﴾ - و- ﴿فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقوله: «وأكون» ممّا انفرد به أبو عمرو، فأمّا من قرأ: ﴿وَأَكُنْ﴾ فإنه جزمه بالعطف على موضع فأصّدّق، ألا ترى أن الفاء إذا حذفت من هذا النحو، انجزم الفعل، كقولك: زرنى أكرمك، وكما قال تعالى:

﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا﴾ -و- ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً﴾ «نرتع ونلعب» ومثله فى الجزم بالعطف على الموضع، قراءة حمزة والكسائىّ: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ﴾ جزما ﴿يَذَرُهُمْ﴾ لأنهما عطفاه على موضع ﴿فَلا هادِيَ لَهُ﴾ ومثله قول الشاعر:

فأبلونى بليّتكم لعلّىأصالحكم وأستدرج نويّا

جزم «أستدرج» بالعطف على موضع «لعلّى أصالحكم» ألا ترى أنه لو حذف لعلّى انجزم «أصالحكم» جوابا للأمر.

وقوله: «نويّا» قلب ألف «النّوى» ياء لمّا أضافها إلى ياء المتكلّم، وإنما فعل ذلك بعض العرب، لأن إضافة الاسم إلى ياء المتكلم توجب كسر ما قبل الياء، ولمّا لم يصحّ تحريك الألف جعلوا قلبها إلى الياء عوضا من الكسرة التى/تقتضيها ياء المتكلم، وعلى هذا قرأ بعض القراء: «فمن تبع هدىّ» و «قال هى عصىّ» و ﴿يا بُشْرى هذا غُلامٌ﴾ وعليه أنشدوا لأبى ذؤيب:

سبقوا هوىّ وأعنقوا لهواهمفتخرّموا ولكلّ جنب مصرع
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أمن المنون وريبها تتوجع»

والنّوى من الكلم المؤنّثة، لأن معناها النّية التى ينويها المفارق، طالبا للمكان الشاطّ، وسمع الأصمعىّ منشدا ينشد:

فما للنّوى جدّ النّوى قطع النّوىكذاك النّوى قطّاعة للقرائن

فقال: لو قيّض لهذا البيت شاة لأتت عليه. انقضى الكلام فى معانى الكلام.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمالي ابن الشجري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.