تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

فصل (٤)

كتب إلىّ رجل من أماثل كتّاب العجم، يسأل عن هذا البيت، أصحيح إعرابه أم فاسد؟ وذكر أنه لشاعر أصفهانىّ من أهل هذا العصر، وهو:

يؤلّل عصلا لا بناهنّ هينةضعافا ولا أطرافهنّ نوابيا

رفع «بناهنّ» بلا، ونصب «هينة» بأنه خبرها، وإنما فعل [ذلك] لينصب القافية، لأنه لمّا أعمل «لا» الأولى هذا العمل، أعمل «لا» الثانية عمل الأولى، ولحّنه فى هذا نحويّ من أهل أصفهان، لأنه جعل اسم لا معرفة، وقال: إنّ من شبّه لا بليس [من العرب] رفعوا بها النكرة دون المعرفة.

فأجبت عن هذا بأنى وجدت قوما من النحويين معتمدين على أن «لا» المشبهة بليس، إنما ترفع النّكرات خاصّة، كقولك: لا رجل حاضرا، ولم يجيزوا: لا الرجل حاضرا، كما يقال: ليس الرجل حاضرا، وعلّلوا هذا بأن «لا» ضعيفة فى باب العمل، لأنّها إنما تعمل بحكم الشّبه، لا بحكم الأصل فى العمل، والنكرة ضعيفة

جدّا، فلذلك لم يعمل العامل الضعيف إلا فى النّكرات، كقولك: عشرون رجلا، ولى مثله فرسا، وزيد أحسنهم أدبا، فلما كانت «لا» أضعف العاملين، والنكرة أضعف المعمولين، خصّوا الأضعف بالأضعف، وجاء فى شعر أبى الطيب أحمد بن الحسين إعمال «لا» فى المعرفة فى قوله:

إذا الجود لم يرزق خلاصا من الأذىفلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفى بك داء أن ترى الموت شافيا»

ووجدت أبا الفتح عثمان بن جنّى غير منكر لذلك، فى تفسيره لشعر المتنبى، ولكنه قال بعد إيراد البيت: شبّه «لا» بليس، فنصب بها الخبر.

وأقول: إن مجيء مرفوع «لا» منكورا فى الشعر القديم هو الأعرف، إلا أنّ خبرها كأنهم ألزموه الحذف، وذلك فى قول سعد بن مالك بن ضبيعة:

من صدّ عن نيرانهافأنا ابن قيس لا براح
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «كن كيف شئت فلا براح»

أراد: لا براح لى، أو عندى، وفى قول رؤبة بن العجاج:

والله لولا أن يحشّ الطّبّخبى الجحيم حين لا مستصرخ

أراد: لا مستصرخ لى، ومرّ بى بيت للنابغة الجعدىّ، فيه مرفوع «لا» معرفة، وهو:

وحلّت سواد القلب لا أنا مبتغسواها ولا عن حبّها متراخيا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «ألم تسأل الدار الغداة متى هيا»

وقبله:

دنت فعل ذى حبّ فلما تبعتهاتولّت وردّت حاجتى فى فؤاديا

وبعده:

وقد طال عهدى بالشّباب وظلّهولاقيت أيّاما تشيب النّواصيا

وإنما ذكرت هذين البيتين، مستدلاّ بهما على نصب القافية، لئلا يتوّهم متوهّم، أن البيت فرد مصنوع، لأن إسكان الياء فى قوله «متراخيا» ممكن مع تصحيح الوزن، على أن يكون البيت من الطويل الثالث، مثل:

/أقيموا بنى النّعمان عنّا صدوركموإلاّ تقيموا صاغرين الرّءوسا
للشاعر يزيد الشَنّي، اقرأ القصيدة

وإذا صحّ نصب قافية البيت، فلا تخلوا [لا] الأولى أن تكون معملة أو ملغاة فإن كانت معملة، فمبتغ خبرها، وكان حقّه أن ينصب، ولكنه أسكن الياء فى موضع النصب، كما أسكنها الآخر فى قوله:

كفى بالنّأى من أسماء كافى

وكان حقّه «كافيا» لأنه حال بمنزلة المنصوب فى قوله تعالى: ﴿وَكَفى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللهِ نَصِيراً﴾ ومثله فى إسكان الياء فى موضع النصب، قول الفرزدق:

يقلّب رأسا لم يكن رأس سيّدوعينا له حولاء باد عيوبها

قال: «باد»، وكان حقّه: باديا، إتباعا لقوله: «عينا» ولا يجوز أن يكون «عيوبها» مبتدأ وخبره «باد» لأنه لو أراد ذلك لزمه أن يقول: بادية، ألا ترى أنك لو قدّمت العيوب، لم يصحّ أن تقول: عيوبها باد، كما لا تقول: الرجال جالس، وإذا كان كذلك فالنصب فى قوله: «متراخيا» بالعطف على مبتغ، لأنه منصوب الموضع فكأنه قال: لا أنا مبتغيا سواها، ولا متراخيا عن حبها.

فإن جعلت «لا» الأولى ملغاة كان قوله: «أنا مبتغ» مبتدأ وخبرا، ولزمك أن تعمل الثانية، ويكون اسمها محذوفا، تقديره: ولا أنا عن حبّها متراخيا، وحسن حذفه لتقدّم ذكره.

فإن قيل: فهل يجوز أن يكون قوله: «متراخيا» حالا، والعامل فيه الظرف الذى هو «عن» كما يعمل الظرف فى الحال، إذا قلنا: زيد فى الدار جالسا؟

قيل: لا يجوز ذلك، لأن «عن» ظرف ناقص، وإنما يعمل فى الحال الظرف التامّ، ألا ترى أن قولك: زيد فى الدار، كلام مفيد، ولو قلت: زيد عنك راحلا، ومحمد فيك راغبا، لم يجز، لأنك لو أسقطت راحلا وراغبا، فقلت: زيد عنك، ومحمد فيك، لم يكن كلاما مفيدا، فإذن لا يصحّ إلا أن ترفع راحلا وراغبا، وتعلّق الجارّين بهما.

/ووجدت بعد انقضاء هذه الأمالى، فى كتاب عتيق يتضمّن المختار من شعر الجعدىّ: «لا أنا باغيا سواها» فهذه الرواية تكفيك تكلّف الكلام على «مبتغ».

فأما قوله: «يؤلّل عصلا» فمعنى يؤلّل: يحدّد أنيابا عصلا، والعصل: شدّة الناب مع اعوجاج فيه، وهو ناب أعصل.

والبنى: جمع بنية، يريد أصول الأنياب. وقوله: «هينة» مخفّف هيّنة، كقولهم فى ميّت: ميت، وكما جاء فى الحديث: «المؤمن هين لين».

والنّوابى: من قولهم: نبا السّيف ينبو: إذا ضربت به فرجع إليك، ولم يعمل فى الضّربية.

وقول رؤبة: «يحشّ الطّبّخ» يقال: حششت النار أحشّها: إذا أذكيتها، والطّبّخ: واحدهم: طابخ، كساجد وسجّد، وراكع وركّع، شبّه ملائكة النار بالطّبّاخين.

وقوله: «حين لا مستصرخ» أى حين لا أحد هناك يستصرخ، كما يوجد ذلك فى الدنيا.

وقول سعد بن مالك: «وضعت أراهط» ذكر «أراهط» أبو علىّ، فى باب ما جاء بناء جمعه على غير بناء واحده، كقولهم فى جمع باطل: أباطل وأباطيل، كأنه جمع إبطال أو إبطيل، وأراهط كأنه جمع أرهط، قال: وأفعل لم يستعمل

عنده فى هذا [قوله: عنده، يعنى سيبويه. وقوله: وأفعل لم يستعمل فى هذا] يعنى أنه لم يثبت عنده أنهم جمعوا الرّهط الذى هو العصابة دون العشرة على أرهط، ولكنهم استعملوا الأرهط فى الرّهط الذى هو أديم تلبسه الحائض، يكون قدره ما بين السّرّة إلى الرّكبة.

وغير سيبويه قد حكى فى الرّهط الذى هو العصابة أنهم جمعوه على أرهط، وجمعوا الأرهط على الأراهط، كما جمعوا الكلب على الأكلب، ثم جمعوا الأكلب على الأكالب.

وممّا جمعوه على غير القياس: «حديث» قالوا فى جمعه: أحاديث، وأحاديث كأنه جمع إحداث، كإعصار وأعاصير، ولا يجوز أن يكون أحاديث جمع أحدوثة، /كأغلوطة وأغاليط، لأنهم قد قالوا: حديث النبىّ، وأحاديث النبىّ ﵌، ولم يقولوا: أحدوثة النبىّ.

وممّا جمعوه على غير القياس قولهم فى جمع الرّبّى، وهى الشاة التى تحبس للّبن، وقيل: الحديثة العهد بالولاد: رباب، مضموم الأول، ومثله قولهم فى جمع التّوأم وهو الذى يولد مع آخر: تؤام، وفى جمع الظّئر وهى الدّاية: ظؤار، وفى جمع الثّنيّ: ثناء، وهو ولد الشاة إذا دخل فى السنة الثانية، والبعير إذا ألقى ثنيّته، وذلك إذا دخل فى السنة السادسة، وفى جمع الرّخل: رخال وهى الأنثى من أولاد الضّأن، وفى جمع النّفساء، وهى المرأة التى وضعت: نفاس، وقيل أيضا:

نفاس، بكسر أوله، والنّفاس أيضا بالكسر: ولادها... تم المجلس.

[آخر الجزء الأول من أمالى ابن الشجري، ﵀، بتجزئة محققه، غفر الله له، ويليه الجزء الثانى وأوله: المجلس السادس والثلاثون].

[الجزء الثاني]

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمالي ابن الشجري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.