تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

مسألة (٩)

إن قيل: لم حذفوا من الخطّ ألف ملك وصلح وخلد، إذا سمّوا بهنّ، ولم يحذفوا ألف سالم وعامر؟

قيل: لمّا كثرت التسمية بهؤلاء الثلاثة وأمنوا اللّبس فيهنّ، لأنهم لم يسمّوا بملك ولا بصلح ولا بخلد، حذفوا ألفاتهنّ، تخفيفا، لأنهم يعتمدون التخفيف فى الخطّ، كما يعتمدونه فى اللفظ، ولم يحذفوا ألف سالم وعامر، مخافة الالتباس بسلم وعمر، ونظيرهنّ فى ذلك حارث، حذفوا ألفه، لأنهم لم يسمّوا بحرث.

وقولها: «فى القديم سراة الأديم» سراة الشىء: ظاهره، وجمعها فى البيت بين القديم والأديم، يسمّى فى صناعة الشعر: الترصيع، ومنه قول امرأة جاهلية فى مرثية:

رفّاع ألوية شهّاد أنديةسدّاد أوهية فتّاح أسداد
قوّال محكمة نقاّض مبرمةفرّاج مبهمة طلاّع أنجاد
للشاعر أبو الطَمحان القَيني، اقرأ القصيدة

قولها: «سدّاد أوهية» الوهى: الشّقّ فى الأديم وغيره، والواهى: المنشقّ، وليس حقّ فاعل أن يجمع على أفعلة، ولكنها أتبعته الألوية والأندية، كما قالوا: إنى لآتيه بالغدايا والعشايا، والغداة لا تجمع على الغدايا، وإنما أتبعوها العشايا، فإذا

أفردوا لم يقولوا: غدايا، ومثله فى الإتباع قول الآخر:

هتّاك أخبية ولاّج أبوبةيخلط بالجدّ منه البرّ واللّينا

جمع الباب على أبوبة، لمكان أخبية، ولو أفرد لم يقل: أبوبة.

والأندية ليست بجمع ناد، لما قلنا من أن فاعلا لا يجمع على أفعلة، ولكنها جمع نديّ، كرغيف وأرغفة، وهو مجلس القوم ومتحدّثهم، وفى التنزيل: ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾.

وقولها: «قوّال محكمة» أى قصيدة محكمة.

و «نقّاض مبرمة» أى قضية مبرمة، من قولهم: أبرمت الأمر: أى أحكمته، وأبرمت الحبل: إذا ضفرته فأجدت ضفره، وفى التنزيل: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنّا مُبْرِمُونَ﴾.

وقولها: «فرّاج مبهمة» أى خطّة مبهمة، والخطّة: الأمر الشاقّ، وكلّ أمر ملتبس خطّة، وإذا بولغ فى وصفه بشدة الالتباس، قيل: خطّة عوصاء، والمبهم من الأمور والأبواب: الذى ما له مأتى، قال:

الفارجو باب الأمير المبهم

وقولها: «طلاّع أنجاد» الأنجاد: جمع نجد، وهو ما ارتفع من الأرض، وقالوا أيضا فى جمعه: أنجد، وهو القياس.

ومن مستحسن الترصيع فى الشّعر المحدث قول مروان بن أبى حفصة:

هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعواأجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «كأن التي يوم الرحيل تعرضت»

وقول المتنبى:

معطى الكواعب والجرد السّلاهب والبيض القواضب والعسّالة الذّبل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

وقوله:

فنحن فى جذل والروم فى وجلوالبرّ فى شغل والبحر فى خجل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

/ومن قيل الخنساء أيضا:

طويل النّجاد رفيع العماد ساد عشيرته أمردا
للشاعر الخنساء، من قصيدة «أعيني جودا ولا تجمدا»
يحمّله القوم ما عالهموإن كان أصغرهم مولدا

يقال: عالنى الشىء: أى أثقلنى وغلبنى، وقد ورد هذا الفنّ من البديع فى القرآن، فمنه ما اختلف إعرابه، ومنه ما جاء متّفق الإعراب، فما اختلف إعرابه قوله

تعالى: ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ﴾ ومما اتفق إعرابه قوله ﷿: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ﴾ وقوله: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ﴾ وليس ﴿الْعَذابُ﴾ رأس آية عند جميع أصحاب الأعداد، إلا الكوفيّين.

وقولها:

يحفز أحشاءها الخوف حفزا

الحفز: الدّفع، والحفز: الطّعن بالرّمح، والحفز: السّوق والحثّ.

وقولها: «بملمومة رداح» أى بكتيبة ملمومة، وهى التى كثر عددها، واجتمع فيها المقنب إلى المقنب، والرّداح: الكثيرة الفرسان، وامرأة رداح: ثقيلة الأوراك.

والرّكز: الصوت الخفىّ، وفى التنزيل: ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً﴾.

وقولها: «ببيض الصّفاح وسمر الرّماح» جمعها بين الصّفاح والرّماح، كجمعها القديم والأديم، ويقال لكلّ سيف عريض: صفيحة، وقياسها فى الجمع صفائح، كسفينة وسفائن، وليس حقها أن تجمع على فعال، وجمعها على الصّفاح يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكونوا جمعوها أوّلا على الصّفيح، كالسفينة والسّفين، ثم جمعوا الصّفيح على الصّفح، قياسا على رغيف ورغف، وكثيب وكثب، ثم جمعوا الصّفح على الصّفاح، كالمشط والمشاط، ومثله جمع الجمد،

وهو المكان/المرتفع، على الجماد، ومما جاء جمع جمع الجمع قولهم: أصائل، والواحد: أصيل، فقدّروا جمعه على أصل، كقضيب وقضب، ثم جمعوا الأصل فى

التقدير على آصال، كمشط وأمشاط، وعنق وأعناق، ثم جمعوا الآصال على أصائل، وكان قياسه: أصائيل، على أفاعيل، كأقوال وأقاويل، وأنعام وأناعيم، ولكنهم ألزموه القصر، استثقالا لتوالى ثلاثة أحرف معتلّة: الألف والهمزة والياء، والهمزة مقاربة للألف فى المخرج.

والوجه الآخر فى الصّفاح: أن يكون جمع صفحة، كجفنة وجفان، والصّفحة: وجه السيف، فالتقدير على هذا: بسيوف بيض الصّفاح.

وأمّا وصفهم الرّماح بالسّمرة، إذا بالغوا فى مدحها، فإنّ القنا إذا بقى حتى يسمّر فى منابته، دلّ ذلك على نضجه وشدّته.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أمالي ابن الشجري»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.