من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
المجلس الثالث والثلاثون
يتضمّن تتمّة تفسير أبيات الخنساء، وغير ذلك، وهو مجلس يوم السبت، الخامس عشر من شهر ربيع الأول، من سنة ستّ وثلاثين وخمسمائة.
قولها: «ببيض الصّفاح»: الباء متعلّقة بحال من المضمر فى «تغادر» أى تغادر الملمومة للأرض ركزا ملتبسة ببيض الصّفاح.
والباء من قولها: «فالبيض ضربا» متعلّقة بالفعل الناصب للمصدر، أى فيضربون بالبيض ضربا، وكذلك «وبالسّمر وخزا» تقديره: ويخزون بالسّمر وخزا، والوخز: الطّعن بالرمح وغيره، ولا يكون نافذا.
وقولها:
وخيل تكدّس بالدّارعين
التكدّس: مشى الفرس مثقلا.
وقولها: «يجمزن جمزا» الجمز من السّير: أشدّ من العنق، ومنه قيل للبعير:
جمّاز.
والباء فى قولها: «بأن لا يصاب» زائدة، كما زيدت فى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرى﴾ ولو أسقطتها لكان الجزء بإسقاطها مخروما، وهذا الوزن من/
المتقارب، فوزن الجزء فعولن، فلو سقطت الباء صار فعلن، والخرم إنما يأتى فى الجزء الأول من البيت، وقد جاء فى الجزء الأوّل من النصف الثانى من قول امرئ القيس:
وعين لها حدرة بدرةشقّت مآقيهما من أخر
وقد ذكرت هذا البيت وما فيه فيما قدّمته من الأمالى.
ويجوز فى قولها: «يصاب» الرفع، على أن تكون «أن» مخفّفة من الثقيلة، والنصب على أن تكون المصدرية التى وضعت خفيفة، والقول فيهما أنّ كلّ واحدة منهما مختصّة بنوع من الفعل، ولهما اشتراك فى نوع منه، فالمخفّفة من الثقيلة تقع بعد الأفعال الثابتة المستقرّة فى النفوس، نحو أيقنت وعلمت ورأيت، فى معنى علمت، فحكمها فى ذلك حكم الثقيلة، وقد عرفت أن الثقيلة موضوعة للتوكيد، فهى ملائمة فى المعنى لما ثبت واستقرّ من الأفعال، لأن التوكيد لا يقع بما لا يثبت فى النّفوس، تقول: علمت أنك منطلق، وأيقنت أنك جالس، وكذلك تقول: أعلم أن لا يقوم زيد، وأرى أن سيقوم [بكر] برفع يقوم، كما جاء فى التنزيل: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلاّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً﴾ وجاء فيه: ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللهِ﴾ المعنى أنهم لا يقدرون، وكذلك [هى] فى مصحف أبىّ.
والناصبة للفعل ليست من التوكيد فى شيء، وهى مع ذلك تصرف الفعل إلى الاستقبال الذى لا ينحصر وقته، فهى بهذا ملائمة للفعل الذى ليس بثابت، نحو الطمع والرجاء والخوف والتمنّى والإشفاق والاشتهاء، تقول: أرجو أن يقوم، وأطمع أن تعطينى، وأخاف أن تسبقنى، وأشفق أن تفوتنى، وأشتهى أن تزورنى، كما جاء فى القرآن: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ وجاء فيه: ﴿وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ و ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ﴾.
وأمّا ما اشتركا فيه من الفعل، فالظنّ والحسبان والزّعم والخيلان، فهذا النحو لا يمتنع وقوع كلّ واحدة منهما بعده، تقول فى الناصبة للفعل: ظننت أن تنطلق، وأظنّ أن تخرج، وفى التنزيل: ﴿إِنْ ظَنّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللهِ﴾ وفيه: ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ وتقول فى الثّقيلة والمخفّفة منها: أظنّ أنّك منطلق، وأظنّ أن لا تقوم يا فتى، وإنما حسن هذا لأنه شيء قد استقرّ فى ظنّك، كما استقرّ فى علمك، إذا قلت: علمت أنك منطلق، وكذلك تقول فيما يستقرّ فى حسبانك: حسبت [أنك جالس، وأحسب أن ستقوم، وفيما لم يستقرّ: حسبت] أن تكرمنى، وعلى الوجهين قرأ القرّاء: ﴿وَحَسِبُوا أَلاّ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ فرفع ﴿تَكُونَ﴾ أبو عمرو، وحمزة والكسائىّ، وفتحها ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر، ومثل ذلك قولك فيما استقرّ فى زعمك: زعمت أن ستنطلق، قال:
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاأبشر بطول سلامة يا مربع
وتقول فيما ليس بثابت عندك: أزعم أن تخرج يا فتى، ولا يجوز: علمت أن تخرجوا، فأمّا إجازة سيبويه: ما علمت إلا أن تقوم، فأتى بعد العلم بالناصبة للفعل، فلأنه كلام خرج مخرج الإشارة، فجرى مجرى فعلها إذا قلت: أشير عليك أن تقوم، ولو أراد العلم القاطع جعلها المخفّفة، وأتى بالعوض، فقال:
ما علمت إلا أن ستقوم، ويقبح أن تقول: أرجو أنّك تفعل، وأطمع أن ستقوم، قال سيبويه: ولو قال: أخشى أن لا تفعل، يريد أن يخبره أنه يخشى أمرا قد استقرّ عنده أنه كائن، جاز، وليس وجه الكلام.
وأنكر أبو العباس محمد بن يزيد ما أجازه سيبويه، من إيقاع الناصبة للفعل بعد العلم، على الوجه الذى قرّره سيبويه، وأنكر أيضا إيقاعه بعد الخوف والخشية، المخففة من الثقيلة، فقال فى المقتضب، فى باب الأفعال التى لا تكون معها/إلا أنّ الثقيلة، والأفعال التى لا تكون معها إلا الخفيفة، والأفعال المحتملة للثقيلة والخفيفة: وزعم سيبويه أنه يجوز: خفت أن لا تقوم يا فتى، إذا خاف شيئا كالمستقر [عنده] وهذا بعيد، قال: وأجاز أن تقول: ما أعلم إلاّ أن تقوم يا فتى، إذا لم ترد علما واقعا، وكان هذا القول على معنى المشورة، أى أرى من الرأى أن تقوم، قال: وهذا فى البعد كالذى قبله.
وأقول: إنّ استبعاد أبى العباس لما أجازه سيبويه، من إيقاع المخفّفة بعد الخوف،
على المعنى الذى عناه سيبويه، استبعاد غير واقع موقعه، لأنّ الشعر القديم قد ورد بما أنكره أبو العباس، وذلك قول أبى محجن الثّقفىّ:
إذا متّ فادفنّى إلى أصل كرمةتروّى عظامى بعد موتى عروقها
ولا تدفننّى بالفلاة فإنّنىأخاف إذا ما متّ أن لا أذوقها
وقد جاءت الثقيلة بعد الخوف فى الشّعر وفى القرآن، ومجىء الثقيلة أشدّ، فالشّعر قوله:
وما خفت يا سلاّم أنّك قاطعى
والقرآن قوله تعالى: ﴿وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ﴾، وكذلك استبعاده لإجازة سيبويه: ما أعلم إلا أن تقوم، استبعاد فى غير حقّه، لأنّ سيبويه قد أوضح المعنى الذى أراده به فى قوله: «وتقول: ما علمت إلا أن تقوم، إذا أردت أنك لم تعلم شيئا كائنا ألبتّة، ولكنك تكلّمت به على وجه الإشارة، كما تقول: أرى من الرأى أن تقوم، فأنت لا تخبر أنّ قياما قد ثبت كائنا أو يكون فيما يستقبل» والذى
قاله سيبويه غير مدفوع مثله، لأنهم كثيرا ما يستعملون معنى بلفظ معنى آخر، ألا ترى أنهم يستعملون علم الله، بمعنى أقسم بالله، فيقولون: علم الله لأفعلنّ، فهذا عندهم قسم صريح، فكما استعملوا علم الله، بمعنى أقسم بالله، كذلك استعملوا العلم بمعنى المشورة، فيما قاله سيبويه، وقد تلقّوا العلم والظنّ بما يتلقّون به الأقسام، وإن/لم يريدوا بهما معنى القسم، كقوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ وكقوله: ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ﴾ جاءت «ما» بعد الظنّ والعلم، مجيئها فى قولك: أقسم بالله ما فعلت، وإذا تأمّلت ما ذكرته لك، من استعمال معنى بلفظ معنى آخر، فى الكتاب العزيز، وفى الشّعر القديم، وفى الكلام الفصيح، وقفت من ذلك على أمر عجيب، فأول فهمك ما أذكره لك من هذا الفنّ، بعد ذكر أصول المعانى وفروعها.
قال أبو الحسن الأخفش، فى كتابه الذى سمّاه: الأوسط: معانى الكلام ستّة، وهى محيطة بالكلام: خبر واستخبار، وهو الاستفهام، ودعاء نحو: يا زيد ويا عبد الله، وتمنّ، نحو: ليت زيدا أتانا، وأ لا ماء باردا، وأمر، نحو قولك: أقبل وأدبر، وطلب [وهو] بصيغة الأمر، كقولك للخليفة: أجرنى، انظر فى أمرى، فالأمر لمن هو دونك، والطّلب إلى من أنت دونه.
وقال غير الأخفش: معانى الكلام، خبر واستخبار-وهو طلب الخبر-وافعل ولا تفعل، ونداء وتمنّ وعرض، وقال آخرون: وإباحة وندب.
ولعمرى إنّ صيغة افعل، تتناول مع تناولها الأمر الإباحة والنّدب وغيرهما، ممّا ستقف عليه.
وقوم جعلوا النهى داخلا فى حيّز الأمر، ولذلك لم يذكره الأخفش، قالوا: لأنك إذا قلت: لا تأكل، كان بمنزلة قولك: دع الأكل.
وعند قوم من المحقّقين أن الصّيغتين تدلاّن على معنيين، كلّ واحد منهما قائم بنفسه، وإن اشتركا فى بعض المواضع.
وقد أدخل قوم النّداء فى باب الأمر، فقالوا: إذا قلت: يا رجل، فكأنك قلت:
تنبّه، وليس هذا القول بشىء، لأنك إذا قلت: يا زيد، لم تقل: قد أمرته، وقال بعضهم: النداء خبر من/وجه، وغير خبر من وجه، فإذا قلت: يا فسق، فهذا خبر، لدخول التصديق والتكذيب فيه، فلذلك أوجب الفقهاء الحدّ على القاذف بهذا اللفظ، فإذا قلت: يا زيد، فليس بخبر، لامتناع التصديق والتكذيب فيه.
وجعل بعض أهل العلم التعظيم لله سبحانه، معنى مفردا، وكذلك التعجّب، وأدخلهما آخرون فى الخبر، فقالوا: إذا قال القائل: لا إله إلا الله، فقد أخبر أنه معترف بذلك، وأنه من أهل هذه المقالة، وقال من جعله معنى بنفسه: لو كان تعظيم الله خبرا محضا، لما جاز أن يتكلّم به المرء خاليا ليس معه من يخاطبه [به] ولكنه تعبد لله، وإقرار بربوبيّته، يتعرّض به قائله للثواب، ويتجنّب العقاب، فهؤلاء جعلوا هذا الضّرب من الكلام خارجا عن الخبر المحض، كقول المرء خاليا بنفسه: أساء إلىّ فلان، وغصبنى مالى، وأشمت بى عدوّى، يقول ذلك على وجه التحزّن والتفجّع، وكذلك يقول على وجه التشكّر: أحسن إلىّ فلان، وبذل لى ماله وجاهه، فجعلوا التعظيم لله معنى على حدته، وإن كان بلفظ الخبر.
ومن أخرج التعجّب من الخبر، وجعله معنى منفردا على حياله، قال: إنّ فى لفظه من معنى المبالغة ما ليس فى الخبر المحض. والصحيح أنه داخل فى حيّز الخبر، لأنك إذا قلت: ما أحسن زيدا، فكأنك قلت: زيد حسن جدّا، وتمثيله عند الخليل وسيبويه: شيء أحسن زيدا، وعند الأخفش: الذى أحسن زيدا شيء وعند آخرين: شيء أحسن زيدا كائن.
واختلفوا فى العرض، فقال قوم: هو من الخبر، لأنه إذا عرض عليك النزول فقال: ألا تنزل، فقد أخبر بأنه يحبّ نزولك عنده، وأدخله قوم فى الاستفهام؛ لأن لفظه كلفظه، ولو كان استفهاما لم يكن المخاطب به مكرما لمن خاطبه، ولا موجبا عليه بذلك شكرا.
وزعم قوم أن التحضيض معنى منفرد، وقال آخرون: إنه إذا قال: هلاّ فعلت كذا، /فقد أمر المحضوض بذلك الفعل.
وقال بعضهم: التمنّى داخل فى الخبر، وكذلك التّرجّى، لأنه إذا قال: ليت لى مالا، فقد أخبر أنه تمنّى ذلك، ولو كان الأمر على ما قال لما امتنع فيه التصديق والتكذيب.
وذهب بعضهم إلى أن الجزاء قسم منفرد، وليس الأمر كذلك، لأن قول الله سبحانه: ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً﴾ يدخله التصديق.
وإذا عرفت هذا، فالخبر أوسع المعانى، وهو أن يخبر المتكلّم غيره بما يفيده معرفته، وحدّه دخول التصديق والتكذيب فيه، وهو على ضربين: موجب وغير موجب، فالموجب: ما عرى من أدوات النفى، وهى «لا-ولن-وما-ولم-ولمّا»
فى نحو ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ و «إن» فى نحو: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا﴾ ولات فى نحو: ﴿وَلاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ أى وليس الحين حين مهرب.
ومن الأفعال: «ليس وأبى» يدلّك على أن «أبى» نفى صريح، قولك:
أبى زيد إلا أن يقوم، كقولك: لم يرد زيد إلا أن يقوم، كما جاء فى التنزيل:
﴿وَيَأْبَى اللهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾.
ومن أدوات النّفى «غير» لأنها للمخالفة، فهى نقيض «مثل» تقول: جاءنى رجل مثلك، أى يشابهك، ورجل غيرك: أى يخالفك.
فمثال الموجب: زيد منطلق، وفى الدار زيد، وجاء محمد، وسيخرج خالد، ودحرج العدل، وسيباع الثّوب.
وقد يكون النفى جحدا، فإذا كان النافى صادقا فيما قاله سمّى كلامه نفيا، وإن كان يعلم أنه كاذب فيما نفاه سمّى ذلك النفى جحدا، فالنفى إذن أعمّ من الجحد، لأن كلّ جحد نفى، وليس كلّ نفى جحدا، فمن النفى قوله تعالى:
﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ﴾ ومن الجحد نفى فرعون وقومه لآيات موسى، فى قوله تعالى: ﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً﴾ -أى واضحة- ﴿قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ. وَجَحَدُوا بِها وَاِسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا﴾ المعنى: جحدوا بها ظلما وعلوّا، أى ترفّعا عن الإيمان بما جاء به موسى، فقولهم: ﴿هذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾
خبر موجب، يراد به النّفى، أى ما هذا حقّ، فلذلك قال: ﴿وَجَحَدُوا بِها﴾ أى نفوها وهم يعلمون أنها من عند الله.
ومن العلماء بالعربيّة من لا يفرّق بين النّفى والجحد، والأصل فيه ما ذكرت لك.
وقد ورد الخبر والمراد به الأمر، فمن ذلك فى التنزيل قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ فظاهر هذا الكلام خبر إلا أنّ علماء المسلمين اتّفقوا على أن النساء عليهنّ أن يعتددن لطلاقهنّ ثلاثة أقراء، إذا كان الحيض موجودا، وأن يتربّصن بأنفسهنّ إذا توفّى عنهنّ أزواجهنّ أربعة أشهر وعشرا، فعلم بإجماع علماء المسلمين أن المراد بذلك الأمر.
وممّا يدخل فى هذا المعنى باتفاق أهل الإسلام قوله جلّ وعز: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾ وقوله: ﴿فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ فالهدى أو ما ذكر معه متّفق على أنه واجب على المتمتّع الذى وصفه الله بما وصفه، وكذلك العدّة من الأيام الأخر، متّفق على أنها واجبة على من أفطر إذا كان مريضا أو على سفر، والفدية من الصّيام أو الصدقة أو النّسك واجبة على من كان
به أذى من رأسه، فحلق قبل أن يبلغ الهدى محلّه، فالمعنى: فمن لم يجد فليصم ثلاثة أيام فى الحجّ وسبعة إذا رجع، وكذلك معنى الآية الأخرى: ومن كان [منكم] مريضا أو على سفر فليصم من أيام أخر عدّة ما أفطر، وكذلك المعنى فى الثالثة: فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه فليفد بصيام أو صدقة أو نسك، والمرفوعات الثلاثة، رفعها بالابتداء، وأخبارها محذوفة، تقديرها: فعليه عدّة من أيام أخر، أى صيام عدّة، وكذلك فعليه فدية.
ونظير هذه الآيات فى مجىء الخبر بمعنى الأمر، قوله: ﴿وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ أى لترضع الوالدات أولادهنّ، وقوله: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ أى حجّوا أيّها الناس البيت، وقوله: ﴿قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ﴾ معناه: البسوا واستتروا عند الطّواف بالبيت، ولا تطوفوا عراة، ومن الخبر الذى يراد به التعزية والأمر بالصبر، قوله جلّ وعلا: ﴿ما يُقالُ لَكَ إِلاّ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أى اصبر على ما يقول لك المشركون، وتعزّ بمن كان قبلك من الرّسل الذين أوذوا.
ومن الخبر الذى أريد به الأمر قولهم: «أمكنك الصّيد» أى ارمه، وقولهم:
«اتّقى الله امرؤ وصنع خيرا» أى ليتّق الله وليصنع خيرا.
ومن الخبر الذى أريد به النّهى قوله تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ اللهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً﴾ أى لا تعودوا.
وممّا جاء بلفظ الخبر والمراد به أمر تأديب قوله تعالى: ﴿إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا﴾ معناه:
قولوا سمعنا قولك، وأطعنا حكمك.
وأمّا قوله ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ فقال بعض المفسّرين: هو أمر معناه:
استأذنوا رسول الله ﵌-وقال آخرون: هو ندب.
ومن الخبر الذى معناه إباحة، قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ معناه: كلوا مع هؤلاء، وليأكلوا معكم، وكلوا من هذه البيوت.
ومن الخبر الذى معناه ندب قوله: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ معناه: افعلوا بهنّ من المعروف مثل ما يلزمهنّ لكم، وقوله: ﴿وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ معناه: أفضلوا عليهنّ وأحسنوا إليهنّ، وخذوا بالفضل.
ومن الخبر الذى هو أمر قول النبىّ ﵌: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» أى اقرءوا فى الصّلوات الفاتحة، ومنه ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ معناه: صوموا، وقوله: ﴿وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ﴾ معناه: فأنظروه إلى ميسرته.
ومن الخبر الذى أريد به الدعاء [قولهم]: «غفر الله لك، ورحم الله فلانا، ويرحم الله فلانا» لو كان هذا خبرا على ظاهره، لكنت موجبا لرحمة الله ومغفرته للمدعوّ له، وليس الأمر كذلك، وإنما قصدت الرغبة إلى الله فى إيجاب المغفرة والرحمة له، فمن ذلك فى التنزيل قوله تعالى، حاكيا عن يوسف: ﴿يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ومنه قول الشاعر:
ويرحم الله عبدا قال آمينا
وقول الآخر:
أجمعت خلّتى مع الهجر بيناجلّل الله ذلك الوجه زينا
والقسم ضرب من الخبر، كقولك: أقسم بالله لأفعلنّ، وليمن الله لأذهبنّ، ولعمرك لأنطلقنّ، وقد استعملوه مجرّدا من ألفاظ الأيمان، كقولهم: علم الله لقد كان ذلك، ويعلم الله ما كان ذلك، واختلف النحويون فى قوله تعالى: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ. تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ فذهب أبو العباس المبرّد إلى أن قوله: ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَتُجاهِدُونَ﴾ معناه:
آمنوا وجاهدوا، واستدلّ بالجزم فى قوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ﴿وَيُدْخِلْكُمْ﴾ لأنه جواب
الأمر، الذى جاء بلفظ الخبر، فهو محمول على المعنى، ودلّ على ذلك أيضا أنه فى حرف عبد الله: (آمنوا وجاهدوا).
وقال غير أبى العباس: ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَتُجاهِدُونَ﴾ عطف بيان على ما قبله، كأنه لما قال: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ﴾ لم يدر ما التّجارة، فبيّنها بالإيمان والجهاد، فعلم بذلك أن المراد بها الإيمان والجهاد، فيكون ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ على هذا جواب الاستفهام، فهو محمول على المعنى، لأن المعنى: هل تؤمنون وتجاهدون يغفر لكم، لأن التجارة لمّا بيّنت بالإيمان والجهاد، صار ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَتُجاهِدُونَ﴾ كأنهما قد وقعا بعد «هل» فحمل ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ﴿وَيُدْخِلْكُمْ﴾ على هذا المعنى.
وقال الفرّاء ﴿يَغْفِرْ﴾ جواب الاستفهام. فإن كان مراده المعنى الذى ذكرته فهو حسن، وقد كان يجب عليه أن يوضّح مراده، وإن كان أراد أن قوله: ﴿يَغْفِرْ﴾ جواب لظاهر قوله: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ﴾ فذلك غير جائز، لأن الدلالة على الإيمان والجهاد لا تجب بها المغفرة وإدخال الجنات، وإنما يجبان بالقبول والعمل.
ومما جاء فيه لفظ الخبر بمعنى الإغراء، قول عمر رضوان الله عليه: «أيّها الناس
كذب عليكم الحجّ والعمرة» معناه: عليكم بالحجّ والعمرة [والزموا الحجّ والعمرة] ومثله قول معقّر بن حمار البارقىّ:
وذبيانيّة أوصت بنيهابأن كذب القراطف والقروف
أى عليكم بالقراطف، وهى القطف، وبالقروف فاغنموهما، والقروف: أوعية من أدم يتّخذ فيها الخلع، وهو لحم يقطّع صغارا، ويحمل فى السّفر، وقيل: هو القديد المشوىّ، ومثله قول عنترة، وقال أبو عبيدة والأصمعى: هو لخزز بن لوذان:
كذب العتيق وماء شنّ باردإن كنت سائلتى غبوقا فاذهبى
وقبل هذا البيت:
لا تذكرى فرسى وما أطعمتهفيكون جلدك مثل جلد الأجرب
إنّ الغبوق له وأنت مسوءةفتأوّهى ما شئت ثمّ تحوّبى
قال ابن السّكّيت: كان لعنترة امرأة بخيلة، لا تزال تلومه فى فرس كان يؤثره بالغبوق، وهو شرب العشىّ، فتهدّدها بالضّرب الأليم، فى قوله:
فيكون جلدك مثل جلد الأجرب
أى أضربك فيبقى أثر الضّرب عليك كالجرب، وقيل: بل أراد أدعك وأجتنبك، كما يجتنب الجرب.
وقوله: «تحوّبى» التحوّب: التوجّع، ثم قال: «كذب العتيق» أى عليك بالعتيق، وهو التّمر، والشّنّ: القربة الخلق، والماء يكون فيها أبرد منه فى القربة الجديدة، يقول: عليك بالتمر فكليه، والماء البارد فاشربيه، ودعينى أوثر فرسى [باللّبن] ثم قال:
إنّ العدوّ لهم إليك وسيلةأن يأخذوك تكحّلى وتخضّبى
الوسيلة: القربة، وقيل: المنزلة القريبة، وقوله: «أن يأخذوك» موضعه نصب، بتقدير حذف الخافض، أى: فى أن يأخذوك، أى لهم قربة إليك فى أخذهم إيّاك، قذفها بإرادتها أن تؤخذ مسبيّة، فلذلك قال: «تكحّلى وتخضّبى»، ثم قال:
ويكون مركبك القعود وحدجهوابن النّعامة عند ذلك مركبى
أى ليس عليك من الأمر ما علىّ، والحدج: مركب من مراكب النساء، وابن النّعامة: فرسه، وقيل: أراد باطن قدمه، وقيل: أراد الطريق، والأول أصحّ، ثم قال:
وأنا امرؤ إن يأخذونى عنوةأقرن إلى شرّ الرّكاب وأجنب
قوله: «عنوة» أى قسرا، والرّكاب: الإبل [التى] يحمل عليها الأثقال،
الواحد منها: راحلة، ثم قال:
إنى أحاذر أن تقول ظعينتىهذا غبار ساطع فتلبّب
يقال للمرأة: ظعينة، ما دامت فى هودج، والتلبّب: التحزّم، أى تحزّم للمحاربة.
وممّا جاء فيه الوعيد بلفظ الخبر فى التنزيل، قوله تعالى: ﴿سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ ﴿سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ﴾ ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ﴾.
وقد ورد الخبر الموجب، والمراد به النّفى، كقول الأعشى:
أتيت حريثا زائرا عن جنابةفكان حريث عن عطائى جامدا
أى لم يعطنى شيئا.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع