من «أمالي ابن الشجري» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
المجلس الثانى والثلاثون
وهو مجلس يوم السبت، ثامن شهر ربيع الأول، من سنة ستّ وثلاثين وخمسمائة.
قالت الخنساء، واسمها تماضر بنت عمرو بن الشّريد السّلمية، تبكى من هلك من قومها، وتفتخر بهم:
تعرّقنى الدهر نهسا وحزّاوأوجعنى الدهر قرعا وغمزا
وأفنى رجالى فبادوا معافأصبح قلبى بهم مستفزّا
كأن لم يكونوا حمى يتّقىإذ الناس إذ ذاك من عزّ بزّا
وكانوا سراة بنى مالكوزين العشيرة فخرا وعزّا
وهم فى القديم سراة الأديم والكائنون من الخوف حرزا
وهم منعوا جارهم والنّساء يحفز أحشاءها الخوف حفزا
غداة لقوهم بملمومةرداح تغادر للأرض ركزا
ببيض الصّفاح وسمر الرّماحفبالبيض ضربا وبالسّمر وخزا
وخيل تكدّس بالدارعينوتحت العجاجة يجمزن جمزا
جززنا نواصى فرسانهاوكانوا يظنّون أن لا تحزّا
ومن ظنّ ممّن يلاقى الحروببأن لا يصاب فقد ظنّ عجزا
نعفّ ونعرف حقّ الجوارونتّخذ الحمد والمجد كنزا
/تفسير قولها: «تعرّقنى الدهر» البيت يقال: عرقت العظم وتعرّقته:
إذا أخذت ما عليه من اللحم، ويقال للعظم الذى أخذ لحمه: العراق.
والنّهس: القبض على اللحم بالأسنان ونتره، ومثله النّهش، وقيل: بل النّهش بمقدّم الفم، وهو قول أبى زيد، والأول قول الأصمعىّ.
والحزّ: قطع غير نافذ، ومثله الفرض، ويكون نافذا، لقولهم: حزّة من بطّيخ، وحزّة من كبد.
والقرع: مصدر قرعته بالعصا وبالسيف، والمقارعة بالسّيوف.
والغمز: غمزك الشىء اللّيّن بيدك كالتّين ونحوه، أرادت أن الدهر أوجعها بكبريات نوائبه وصغرياتها.
وانتصاب «نهسا وحزّا» بتقدير: نهسنى نهسا، وحزّنى حزّا، وإضمار ناصب المصدر المأخوذ من لفظه كثير الاستعمال، كقولهم: «ما أنت إلا نوما وما أنت إلاّ أكلا وشربا» يريدون: تنام نوما، وتأكل أكلا، وتشرب شربا، ويجوز أن يكون انتصاب «نهسا وحزّا» على الحال، ووقوع المصدر فى موضع اسم الفاعل،
وموضع اسم المفعول حالا، مما اتّسع استعماله، ويجوز أن يكون انتصابهما بتقدير حذف الجارّ: أى تعرّقنى بنهس وحزّ، ويجوز أن تنصبهما على التمييز، لأن التعرّق لمّا احتمل أكثر من وجه، فجاز أن يكون بالنّهس وأن يكون بالحزّ أو الكشط أو غير ذلك، كان ذكر كلّ واحد منهما تبيينا.
وقولها: «قرعا وغمزا» يحتمل الأوجه الأربعة.
وكرّرت لفظ «الدهر» فلم تضمره، تعظيما للأمر.
والتكرير للتعظيم على ضربين، أحدهما: استعماله بعد تمام الكلام، كما جاء فى هذا البيت، وهو كثير فى القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ومنه: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ﴾.
/والضّرب الآخر: مجىء تكرير الظاهر فى موضع المضمر، قبل أن يتمّ الكلام، كقول الشاعر:
ليت الغراب غداة ينعب دائباكان الغراب مقطّع الأوداج
ومثله فى التنزيل: ﴿الْحَاقَّةُ. مَا الْحَاقَّةُ﴾ ﴿الْقارِعَةُ. مَا الْقارِعَةُ﴾ كان القياس، لولا ما أريد به من التعظيم والتفخيم: الحاقة ما هى، ومنه قول عدىّ بن زيد:
لا أرى الموت يسبق الموت شيءنغّص الموت ذا الغنى والفقيرا
فكرّر لفظة «الموت» ثالثة، وهو من الضّرب الأول.
ومثل قوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ. مَا الْحَاقَّةُ﴾ قوله: ﴿فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ. وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ﴾ كرّر لفظ ﴿أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ تفخيما لما ينيلهم من جزيل الثّواب، وكرّر لفظ ﴿أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ﴾ تعظيما لما ينالهم من أليم العذاب.
وأمّا قوله تعالى: ﴿وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ فليس هذا تكريرا من الفنّ الذى قدّمت ذكره، ولكنه يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون توكيدا، كتكرير الجمل للتوكيد، نحو قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً. إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ وكقول الخنساء:
هممت بنفسى بعض الهمومفأولى لنفسى أولى لها
وكقول القائل:
وكلّ حظّ امرئ دونى سيأخذهلا بدّ لا بدّ أن يحتازه دونى
وكقول عمرو بن كلثوم:
إليكم يا بنى بكر إليكم
وممّا جاء فيه من هذا الضرب تكرير ثلاث جمل، قول الآخر:
فأين إلى أين النّجاء ببغلتىأتاك أتاك اللاّحقوك احبس احبس
أراد: إلى أين تذهب؟ إلى أين تذهب؟ أتاك اللاّحقوك، أتاك اللاحقوك، احبس البغلة احبس البغلة، فحذف الفعل والفاعل من اللّفظين الأوّلين، وحذف الفاعل من أحد اللفظين الثانيين، وحذف المفعولين من اللّفظين الثالثين، وحذف أحد الفاعلين من قوله: «أتاك أتاك اللاّحقوك» يقوّى ما ذهب إليه الكسائىّ من حذف الفاعل، فى باب إعمال الفعلين، ألا تراه لو أضمر الفاعل ولم يحذفه، لقال: أتوك أتاك اللاّحقوك، أو أتاك أتوك اللاّحقوك.
ومن تكرير المفرد قول القائل:
أبوك أبوك أربد غير شكّأحلّك فى المخازى حيث حلاّ
رفع الأب الثانى على الإبدال من الأول، ورفع «أربد» بدلا من الثانى، وقوله:
«أحلّك فى المخازى حيث حلاّ» خبر عن الأوّل، ولم يكفه هذا التكرير للتوكيد، حتى زاد فى توكيده، فقال: «غير شكّ» وأجازوا فيه أن يكون الأب الثانى خبرا عن الأول، كقول العجلىّ:
أنا أبو النّجم وشعرى شعرى
أى شعرى شعرى الذى قد سمعتم به، ونحوه قول الآخر:
إذ الناس ناس والبلاد بلاد
فعلى هذا يكون المعنى: أبوك أبوك الذى شاعت مخازيه، والمخازى: جمع مخزاة، وهى كلّ فعل قبيح، يخزى فاعله، أى يعرّضه للخزى، وهو الطّرد والمقت، ويقال منه: أخزاه الله.
وقوله: «غير شكّ» أى حقّا، كأنه قال: لا شكّا، أى لا أشكّ شكّا.
ومن تكرير الجملة قول عنترة:
أبينا أبينا أن تضبّ لثاتكمعلى مرشقات كالظّباء عواطيا
اللّثة: لحم الأسنان، وتضبّ: تسيل من الشّهوة، يقال: ضبّ فوه يضبّ،
وبضّ يبضّ: إذا سال، ويقال لمن اشتهى شيئا: إنّ فمه يتحلّب من الشّهوة، ويقال: جاء فلان تضبّ لثته: إذا جاء وهو حريص على الشىء.
يقول: أبينا أن تضبّ لثاتكم على نسائنا، من الشّهوة لهنّ، أى أبينا أن تأخذوهنّ/وأنتم حراص عليهنّ.
والمرشقات من الظّباء: اللّواتى يمددن أعناقهنّ إذا نظرن، يقال: أرشقت الظّبية، وروى بعضهم: رشقت، وليست بشائعة.
والعواطى: اللّواتى يتناولن الأغصان يجذبنها ليأكلن ما فيها من الثمر، ونصب «عواطى» على الحال.
والوجه الثانى من وجهى: ﴿وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ أن يكون السّبق الثانى غير الأول، فيكون الثانى خبرا عن الأول، والمراد: السابقون إلى الإيمان السابقون إلى الجنّة، وإذا جعلت الثانى توكيدا، فخبر الأول ﴿أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾.
وقولها: «فبادوا معا» انتصاب «معا» على الحال، بمنزلة جميعا، وهو فى الأصل ظرف موضوع للصّحبة، وأجاز بعض النحويين أن يكون حرفا، وتنوينه ودخول الجارّ [عليه] يخرجانه من الحرفيّة، وذلك فيما رواه البصرىّ والكوفىّ، فى قولهم:
جئت من معهم، وكان معها فانتزعته من معها، كما تقول: كان عندها فانتزعته من عندها، فتغيّر آخره لتغيّر العامل فيه، وتنوينه إذا استعمل حالا يدخلانه فى حيّز الأسماء، وذهب أبو علىّ إلى أنّ من فتحه، فهو عنده ظرف، ومن أسكنه جعله حرفا، أراد أن من أسكنه نزّله منزلة الأدوات الثّنائية، نحو هل وبل، وقد، وأنشد فى ذلك:
فريشى منكم وهواى معكموإن كانت زيارتكم لماما
وإنّما ذهب من ذهب إلى كونه حرفا، لمجيئه على حرفين، ولا يعلم له أصل فى بنات الثلاثة.
قال أبو العباس ثعلب: سألت ابن قادم: ما الفرق بين قام زيد وعمرو معا، وقام زيد وعمرو جميعا؟ فجعل يركض إلى الليل، فلما ضجّ قلت له: قام زيد وعمرو معا، وقع القيام منهما فى وقت واحد، لا يكون إلا هذا، وقام زيد وعمرو جميعا، /يجوز أن يكون القيام منهما وقع فى وقت واحد، ويجوز أن يكون وقع فى وقتين، وكذلك مات زيد وعمرو جميعا، يكون زمان موتهما مختلفا، ومات ذا مع ذا، لا يكون موتهما إلا فى وقت واحد.
وعند بعض النحويين أن «معا» فى قولك: جاءوا معا، ينتصب على الظرف، كانتصابه فى قولك: معهم، وإنما فكّت إضافته وبقيت علّة نصبه على ما كانت عليه، والصحيح ما ذكرته أولا، لأنه قد نقل من ذلك الموضع، وصار معناه معنى جميعا.
وقولها: «مستفزّا» أى مستخفّا، يقال: استفزّ فلان فلانا، بمعنى استخفّه، وفى التنزيل: ﴿وَاِسْتَفْزِزْ مَنِ اِسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾.
وقولها: كأن لم يكونوا حمى يتّقى
الحمى: نقيض المباح، وعزّ هاهنا: معناه غلب، من قول الله ﷿:
﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ﴾.
وبزّ: معناه سلب، تقول: بززت الرجل: إذا سلبته سلاحه، ويقال للسلاح المسلوب: هذا بزّ فلان.
و «من» فى البيت بمعنى الذى، وموضعها مع «عزّ» رفع بالابتداء، و «بزّ» خبرها، والجملة التى هى المبتدأ وخبره، خبر عن المبتدأ الأول الذى هو «الناس» والعائد إلى الناس محذوف، كما حذفوه من قولهم: «السّمن منوان بدرهم» يريدون:
منوان منه، وكذلك التقدير: من عزّ منهم بزّ، ولا يجوز أن يكون «إذ ذاك» خبرا عن الناس، لما ذكرته لك من امتناع الإخبار بظروف الزمان عن الأشخاص، وإذا بطل أن يكون «إذ ذاك» خبرا عن «الناس» بقى أن يتعلّق ببزّ. ولا يجوز أن تكون «من» شرطية، لأن الشرط وجوابه لا يعمل واحد منهما فيما قبله بإجماع البصريّين، كما لا يتقدّم على الاستفهام ما يكون فى حيّزه، وأجاز قوم من البغداديين أن يعمل جواب الشرط فيما تقدّم عليه، لمفارقته الاستفهام بكونه جزاء، فعلى قول هؤلاء تحتمل «من» أن تكون شرطا.
/فأما «ذاك» فموضعه رفع بالابتداء، وخبره محذوف، أى ذاك كائن أو موجود، ولا يجوز أن يكون موضع «ذاك» على انفراده خفضا، لأن «إذ» لا تضاف إلاّ إلى جملة، فموضع الجملة التى هى «ذاك» وخبره جرّ.
وقولها: «وكانوا سراة بنى مالك» سراة القوم: سادتهم، ذوو السخاء والمروءة، واحدهم: سرىّ، وانتصاب «فخرا وعزّا» على التمييز، والعامل فيهما المصدر الذى هو الزّين.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع