من «خريدة القصر: قسم شعراء المغرب والأندلس» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
أبو بكر محمد بن عبدون
قال في خمرة كانت غدوة طيّبة المذاق، ثم عادت عشيّة خلاً:
ألا في سبيل اللهو كاس مدامةأتتنا بطعم عهده غير ثائب
حكت بنت بسطام بن قيس صبيحةوراحت كجسم الشّنْفرى بعد نائب
أراد صهباء بنت بسطام، وأراد بقوله: كجسم الشّنْفرى بعد نائب، قول الشنفرى:
فاسقنيها يا سواد ابن عمروإن جسمي بعد خالي لخلّ
ومن هذا الأسلوب، هجو مخلد بن علي الشّامي لابن المدبّر:
على أبوابه من كل وجهقصدت له أخو مُرّ ابنِ أدّ
يعني: ضَبّةَ بن أدّ.
أخو لخم أعارك منه ثوباًهنيئاً بالقميص المستجدّ
يعني: جُذاماً. وجُذام ولخْم ابنا عمرو بن عديّ بن الحارث بن مرّة بن أدَد زيد بن كهلان ابن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
فلو يلقى كساء أبي عبيدعليك لكنت أكسى من بنجد
هو عبيد بن الأبرص.
أراد أبوك أمك يوم زفتفلم يوجد لامك بيت سعد
وزيدٌ في الهجاء بغير دالأحبَّ إليك من عسل بزبد
أراند الله عُرّك في الجِعِبّاوعينك عين بشّار بن بُرْد
وطالعت قلائد العقيان فوجدت في قسم الوزراء أبا محمد بن عبدون. وهذا أبو محمد بن عبدون موصوف بالبيان السّحباني، والشعر الحسّاني وأثنى مؤلّف الكتاب على أدبه، ووضوح مذهبه، وذكر أنّه لما دخل آبره، حل به، وامتصّ من جناه بأعذبه، ومن جناب بأرحبه، فلما أزمع الرّحلة عنه، ركب معه الوزير أبو محمد ليشيّعه، قال القيسي: وأنشدني عند توديعه:
سلام كما حيّا لزهر الرُبى عَرففلا سمع إلا ودّ لو أنّه أنْفُ
حنيني إلى تلك السّجايا فإنّهالآثار أعيان المساعي التي أقفو
دليلي إذا ما ضلّ في المجد كوكبيوإن لم يعقه لا غروب ولا كسف
نأى لا نأى عهد التّواصل بيننافجدّد به رسم التّخاطب لا يعْفُ
وأطلعه يسْتامُ العقول كأنّمايلاحظنا من كلّ حرف له طرف
تقابلنا منه السّطور بواسماًأثغر تقرّى عن لمى الحبر أم حرف
معان وألفاظ كما رقّ زاهرمن الروض أو دارت معتّقة صرف
تحلّ حبى الأحلام هزاً كأنّمالسامعها في كل جارحة عطف
يودّ بجدع الأنف شانيك أنّهالناظره كحل وفي أذنه شنف
فأنت الذي لولاه ما فاه لي فمولا هجست نفس ولا كتبت كفّ
نصيري أبا نصر على الدّهر لا النّوىفمنك لنا نصر وأنت لنا كهف
رحلت ولا شِسعي ولا مركبي معيفلا حافر يقضي ودادي ولا خفّ
ولست على التشييع إن شئت قادراًفلا عيشة تصفو ولا ريشة تضفو
عزيز على العليا وداعك لي غدافلا أدمع تهمي ولا أضلع تهفو
سأشكو إليك البين حتى رمالهولو غيره ما ضاق عدل ولا صرف
وله:
وما أنس ليلتنا والعناق قد مزج الكل منا بكل
الى أن تقوّس ظهر الظلام وأشمط عارضه واكتهل
ومسّ رقيق رداء النّسيم على عاتق الليل بعض البلل
وله:
هل تذكر العهد الذي لم أنسهومودّتي مخدومة بصفاء
ومبيتنا في نهر حمص والحجىقد حل عقد حباه بالصّهباء
ودموع طلّ العيش تخلق أعيناًترنو إلينا من خدود الماء
وله، والقسم الأوّل للمتوكل بن الأفطس:
الشعر خِطّةُ خسْفٍلكلّ طالب عرف
للشيخ عيبة عيبوللفتى ظرْفُ ظرْفِ
وله:
أقول لصاحبي قم لا بأمرتنبّه إنّ شأنك غير شاني
لعلّ الصّبح قد ولّى وقامتعلى الليل النوائح بالأذان
وله:
وما أنس بين النّهر والقصر وقفةنشدت بها ما ضلّ من شارد الحبّ
رميت بلحظي دمية سنحت بهفلم أثْنِه إلا ومجروحها قلبي
النص من طبعة الدار التونسية للنشر (١٩٧١م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع