من «خريدة القصر: قسم شعراء المغرب والأندلس» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
ابن وهبون
هو أبو محمد عبد الجليل بن وهبون المرسيّ.
قال في ابن عباد من قصيدة؛ يصف فيها ركوبه البحر يوم نكبته وإخراجه:
كأنّما البحر عين أنت ناظرهاوكل شطّ بأشخاص الورى شفر
شبّه الشطّ والناس قيام عليه للانتظار بشفر العين وأهدابها.
ولأبي إسحاق بن خفاجة المغربي:
وغدت تحفّ به الغصون كأنّهاهدب تحفّ بمقلة زرقاء
ومن هذا الباب قول الأسعد بن إبراهيم: وقد سبق:
صفّ كحاشية الرّداء يؤمّهصَفّ القنا فكأنّه هدّاب
وقال، وقد أنشد ابن عبّاد:
لئن جاد شعر ابن الحسين فإنّماتجيد العطايا واللهى تفتح اللها
تنبّأ عجباً بالقريض ولو درىبأنك ترويه إذن لتألّها
فأمر له بمائتي دينار.
وقال ابن وهبون في الغزل:
زعموا الغزال حكاه قلت لهم نعمفي صدّه عن عاشقيه وهجره
قالوا الهلال شبيهه فأجبتهمإن كان قيس الى قلامة ظفره
وكذا يقولون المدام كريقهيا رب لا علموا مذاقة ثغره
وقال من قصيدة يرثي ابن عمار لما قتله المعتمد:
عجباً له أبكيه ملء مدامعيوأقول لا شلّت يمين القاتل
وذكره مؤلف قلائد العقيان في الشعراء المجيدين، والفضلاء المفيدين. وكان بينه وبين ابن عمار، ما أوجب إعلاقه بدولته وإلحاقه بحملته ومما أورده من شعره قوله:
سقى فسقى الله الزمان من أجلهبكأسين من لميائه وعقاره
وحيّى فحيّ الله دهراً أتى بهبآسَيْن من ريحانه وعِذاره
وقوله وقد ركب زورقاً في نهر إشبيلية وبين أيديهم شمعتان قد انعكس شعاعهما في اللّجّة وزاد في تلك البهجة، فقال:
كأنّما الشمعتان إذ سمَتاخدّ غلام محسن الغَيَدِ
وفي حشا النّهر من شعاعهماطريق نار الهوى الى كبدي
وقوله:
غزال يستطاب الموت فيهويعذب في محاسنه العذاب
يقبّله اللثام هوًى وشوقاًويجني روض خدّيه النّقاب
ووصفه مؤلف قلائد العقيان بالاستهتار بالغلمان، والاشتهار بهذا الشان، حتى صار مقوتاً بسبب ذلك مهجوراً عليه محجوراً، وله في غلام كان يشاربه، وقد تكلّل بدرّ العرق شاربه:
وشادن قد كساه الرّوض حلّتهيستوقف العين بين الغصن والكثب
مموّه الحسن لم يعدم مقبّلهفي خدّه رونقاً من ذلك الشّنب
تدعو الى حبّه لمياء كلّلَهازبرجد النّبت يجلو لؤلؤ الحبب
وله في قينة:
إني لأسمع شدواً لا أحقّقهوربما كذبت في سمعها الأذن
متى رأى أحد قبلي مطوّقةإذا تغنّتْ بلحن جاوب الفنن
وله في حبيب ودّعه، وسار عنه، وخلّف قلبه معه:
إن سرت عنك ففي يديك قياديأو بنتُ منك فما يبين فؤادي
صيّرت فكري في بعادك مؤنسيوجعلت لحظي من وداعك زادي
وعليّ أن أذري دموعي إن أناأبصرت شبهك في سبيل بعادي
كم في طريقي من قضيب يانعأبكي عليه ومن صباح باد
تلقاك في طي النّسيم تحيّتيويصوب في ديم الغمام ودادي
وله، وقد اجتاز، على فُرن، ومعه رجل من إشبيلية يسمّى ربيعا، فقال له: صف هذا الفرن. فقال:
رُبّ فرْن رأيته يتلظّىوربيعٌ مخالطي وعقيدي
قال شبِّهْه قلت صدر حسودخالطته مكارم المحسود
وله، وقد ساير غلاماً وسيماً من أولاد الوزراء ذوي الجلال، وقد وضع يمناه في شماله والناس ينظرون الى هلال شوّال:
يا هلال استتر بوجهك عنّاإن مولاك قابض بشمالي
هبك تحكي سناه خداً بخدّقم فجئ لقدّه بمثال
وقال:
بأبي سُكيْران اللّواحظ ما رناإلا وأسكر كل قلب صاح
أمل من الآمال أهيف أحورخلعت عليه لطافة الأرواح
متجنّد جعل الفؤاد وطيئهولحاظه بدلاً من الأرماح
علمته سفك الدماء بمهجتيوتركته يجني بغير جُناح
وله من أبيات:
بيني وبين الليالي همّة جلللو نالها البدر لاستخذى لها زحل
سَرابُ كُلّ يَبابٍ عندها شنبوهول كل ظلام عندها كحل
من أين أبْخس لا في ساعدي قصرعن المعالي ولا في مقولي خطل
ذنبي الى الدّهر فلتكره سجيّتهذنب الحسام إذا ما أحجم البطل
ومنها:
جيش فوارسه بيض كأنصلهوخيله كالقنا عسّالةٌ ذبُلُ
أشباه ما اعتقلوه من ذوابلهمفالحرب جاهلة من منهم الأسل
يمشي على الأرض منهم كل ذي مرحكأنّما التّيه في أعطافه كسل
وأورد أبو الصّلت في الحديقة لعبد الجليل بن وهبون من قصيدة يمدح ابن عبّاد، ويذكر ثباته يوم الوقعة بين جيوش المسلمين والروم بالموضع المعروف بالزّلاقة من عمل بطليوس، وقد كان طعن فرسه وكبا به، فقدّم إليه بعض من ثبت معه فرساً فركبه.
من قصيدة:
وقفت بحيث تلحظك العواليوهنّ الى مواردها هيام
ولم يثبت من الأشياع إلاشقيقك وهو صارمك الحسام
يمان في يدي ماض يمانفلا نابي الغرار ولا كهام
ولم يحملك طرفك بل فؤادتعوّد أن يخاض به الحمام
ثبتّ به ثبات القطب لمّاأدار رحاه خطب لا يرام
وعادتك الطعام فإن يخرّواجوادك بالطعان فما يلام
ومنها يذكر أمير المسلمين يوسف بن تاشفين وبعض أصحاب الروم ما تعاقدوا عليه من الثبات:
دعا للحرب كل سليل حربيخلِّفه عن الهيجا نظام
تعرّق لحمه واخضرّ جلداًفهبّ مع الحسام به حسام
وجاء بعَظْلمِ الصحراء لوناًولكن ثبْتُ مفرقه ثغام
فلم يثن القنا ما بيّتوهوتحت النّوم بأس لا ينام
مضوا في أمرهم سحراً ودارتبما عقدوا من الحلف المدام
فردّوها على الشّفرات بيضاًوحدّد في تعاطيها النّدام
وما أخذتهم الأسياف لكنصواعق لا يبوح لها ضرام
إذا ما برقة برقت عليهمفإن القطر أعضاد وهام
ومنها يذكر انهزام ملك الروم تحت الظلام وتخفّفه ومن بقي معه بإلقاء الدّروع:
ستسألك النّساء ولا رجالفحدّث ما وراءك يا عصام
وراقبها بأرضك طالعاتكما يهدي صواعقها الغمام
جياد تستفيد الفتح منهاويفرق في مسارحه النّعام
أقمت لدى الوغى سوقاً فخذهامناجزة وهوّن ما تسام
فإن شئت اللجين فثم ساموإن شئت النظار فثمّ حام
سيعبد بعدها الظلماء لماأبيح له بجانبها اكتتام
يلحظ قول المتنبي:
وكم لظلام الليل عندك من يدتخبر أن المانوية تكذب
نضا أدراعه واجتاب ليلاًيودّ لو انّه في الطول عام
وليس لو انّ الأيم السلاحولكن في ضمائره احتدام
وقال من قصيدة يرثي صديقاً له من الكتّاب:
جهبذ قول وفارس ندسيمضي على القصد كلّ مركوب
تُرهِبُ في كفّه يراعتهكلّ أصمّ الكعوب مرهوب
دع قضب الخط للذي حملتمن قصب الخط في التّجاريب
يعتقل الرجح في النديّ ومافي كفّه منه غير أنبوب
ومنها:
بان عن الصدق والوفاء أخليس أخو صدقه بمكذوب
أخذه من:
يا بدعة الأنس والنّعيم بهأبدعت من وحشة وتعذيب
من المُعَزّى ولا أرى أحداًغير مصاب به ومنكوب
أحسن من هذا قول مهيار:
وخبّروني فقد عمّ المصاب بهمن المعزّى به حتى أعزّيه
يا نجل يعقوب كل ذي جلدعليك في مثل حزن يعقوب
ليس بلاء النّفوس محتملاًفيك ولا المبتلى كأيّوب
أغمدت دمعي عليك معترفاًبأنّ دمعي سلاح مغلوب
وقمت أثني يديّ فوق حشابسيف وجْد عليك مضروب
وا حرباً إذ فقدت وا حرباًلو كان يجدي دعاء محروب
بدعة كون ونشأة بدرتأهُمُّ في صدقها بتكذيب
لبسط نور الطباع خالصهيجلّ عن منشأ وتركيب
نور مسقطهيجري من الدمع كلّ شؤبوب
أجرى لك الله صفو كوثرهورحمة ثرّة الشّآبيب
وله يذكر ركوب ابن عبّاد البحر المحيط وعبوره من ساحل الأندلس الى مدينة سبتة قاصداً الأمير يوسف بن تاشفين، والاستنجاد به على الروم:
أحاط جودك بالدنيا فليس لهإلاّ المحيط مثال حين يعتبر
وما حسبت بأنّ الكلّ يحملهبعض ولا كاملاً يحويه مختصر
لم تثن عنك يداً أرجاء صفتهإلا ومدّت يداً أرجاؤه الأخَرُ
كأنّما البحر عيْنٌ أنت ناظرهاوكلّ شطّ بأشخاص الورى شفر
تأتي البلاد فتندى منك أوجههاحتى يقول ثراها هل همى المطر
ما الفقر إلا مكان لا تحلّ بهوحيثما سرت سار البدو والحضر
الأرض دارك فاسلك حيث شئت بهاهو المقام وإن قالوا هو السّفر
وقال يتشوّق ابن عبّاد، وقد حضر بالمَريّة في بعض الأعياد، والشعراء ينشدون ابن صمادح:
دنا العيد لو تدنو به كعبة المنىوركن المعالي من ذؤابة يعرب
فيا ويلتا للشعر ترمى جمارهويا بُعْدَ ما بيني وبين المحصب
وله وقد ارتاض له محبوبه بعد جماحه، وأذن بعد منافرته بصلحه وصلاحه:
يا نوم عاود جفوناً طالما سهرتفإنّ باعث وجدي رقّ لي ورثى
عانقته وهلال الأفق مطّلعفبات من كمدي حيران مكترثا
أنار لحظي طريقاً فوق عارضهوكان هاروت في أثنائه نفثا
وكان للحسن سرّ فيه مكتتموشى به ناظري من طول ما بحثا
لام يدلّ على بلبال مبصرهما زال يبعث وجدي كل ما انبعثا
من آل مُذْحِجَ لي شخص كَلِفْتُ بهلم ينقص العهد من ودّي ولا نكثا
وله يصف بازياً:
وصارم في يديك منصلتإن كان للسيف في الوغى روح
يجتاب مما لبست ضافيةلها على معطفيه توشيح
متّقد اللحظ من شهامتهفالجوّ من ناظريه مجروح
والرّيح تهفو كأنّما طلبتسليلها في يمينك الرّيح
وله يصف حرشفة:
وحرشفة إن كنت ذا قدرة علىنفوذ الى ذاك الجنى الحلو فانفذ
كأنّي قد توّجت منها ببيضةوقد وضعت للصّون في جلد قنفذ
النص من طبعة الدار التونسية للنشر (١٩٧١م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع