من «خريدة القصر: قسم شعراء المغرب والأندلس» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
ابن اللبانة
هو أبو بكر محمد بن عيسى الدّاني المعروف بابن اللبانة الأندلسي، روى صاحب قلائد العقيان، ووصفه بالإجادة والإحسان، ومصنّف هذا الكتاب من أهل العصر وأفاضل هذا الزّمان.
ذكر أنّ ابن اللبانة رأى أحد أبناء المعتمد وقد جلس في السوق يتعلم الصّياغة، فقال: وذلك مما أنشدنيه محمد بن عيسى اليماني عن بعض المغاربة عنه:
صرّفت في آلة الصّيّاغ أنملةلم تدر إلا الندى والسيف والقلما
يد عهدتك للتّقبيل تبسطهافتستقلّ الثّريّا أن تكون فما
للنّفخ في الصّور هول ما حكاه سوىهول رأيتك فيه تنفخ الفحما
وددت إذ نظرت عيني إليك بهلو أن عيني تشكو قبل ذاك عمى
ما حطّك الدهر لمّا حطّ عن شرفولا تحيّف من أخلاقك الكرما
لُحْ في العلا كوكباً إن لم تلح قمراوقم بها ربوة إن لم تقم علما
واصبر فربّتما أحمدت عاقبةمن يلزم الصّبر يحمد غِبّ ما لزما
والله لو أصفتك الشهب لانكسفتولو وفى لك دمع الغيث لانسجما
وكتب الى المعتمد جواباً عن أبيات أنفذها إليه، وذلك بعد خلعه:
بُروق الأماني دون لُقياك خُلّبومشرق أفق لم تلح فيه مغرب
عدمت مرادي فيك لا الماء نافعولا الظلّ ممدود ولا الروض مخصب
ولا أنا في تلك الحديقة زهرةولا أنا في تلك المجرّة كوكب
سقى الله عهداً كنت صيِّبَ عهدهبمثل الذي قد كنت تسقي وتشرب
زمان بماء المكرُمات مفضّضلديك ومن نار الكؤوس مذهّب
لئن فلّت الأيام منك فإنّمايفل من الأسياف ما كان يضرب
بعثت بها يا واحد الدّهر قطعةهي الماء إلا أنّها تتلهّب
وجئت بها في الحسن ورقاء أيكةولكنّها في الدّهر عنقاء مغرب
وقال في نكبة بني عبّاد، وموت المعتمد بأغمات:
لكلّ شيء من الأشياء ميقاتوللمنى من مناياهنّ غايات
والدهر في صبغة الحرباء منغمسألوان حالاته فيها استحالات
ونحن من لعب الشّطرنج في يدهوربّما قمرت بالبيدق الشّاة
انفض يديك من الدنيا وساكنهافالأرض قد أقفرت الناس قد ماتوا
وقل لعالمها الأرضيّ قد كتمتسريرة العالم العلويّ أغمات
طوت مظلتها لا بل مذلّتهامن لم تزل فوقه للعزّ رايات
من كان بين الندى والبأس أنصلههندية وعطاياه هنيدات
وكان ملء عيان العين تبصرهوللأماني في مرآه مرآة
رماه من حيث لم تستره سابغةدهر مصيباته نبل مصيبات
له المهابات بالأرواح آخذةوإن تكن أخذت منه المهابات
نكرت إلا التواءات القيود بهوكيف تنكر في الرّوضات حيّات
وبدر سبع وسبع تستنير به السبع الأقاليم والسّبع السماوات
له وإن كان أخفاه السرار سنامثل الصباح به تجلى الدجنّات
لهفي على آل عبّاد فإنّهمأهلّة ما لها في الأفق هالات
تمسّكت بعرى اللّذّات ذاتهميا بئس ما جنت اللذّات والذّات
فجعت منهم بإخوان ذوي ثقةفاتوا وللدهر في الإخوان آفات
واعتضت في آخر الصحراء طائفةلغاتهم من جميع الكتب ملغاة
بمغرب العدوى القصوى دجا أمليفهل له بديار الشرق مشكاة
وقال من أخرى في خلعهم وإخراجهم الى البحر:
تبكي السماء بمزن رائح غادعلى البهاليل من أبناء عبّاد
عِرّيسةٌ دخلَتْها النّآئبات علىأساودٍ منهمُ فيها وآساد
وكعبة كانت الآمال تعمرهافاليوم لا عاكف فيها ولا باد
كم من دراري سعد قد هوت ووهتمنهم وكم درر للمجد أفراد
نور ونَور فهذا بعد نُضرتهذوى وذاك خبا من بعد إيقاد
يا ضيف أقفر بيت المكرمات فخذفي ضمّ رحلك واجمع فضلة الزاد
ويا مؤمل واديهم لتسكنهخَفّ القطين وجفّ الزّرع بالوادي
ضللت سبل النّدى يا ابن السبيل فسرلغير قصد فما يهديك من هاد
إن يخلعوا فبنو العباس قد خلعواوقد خلت بعد حمص أرض بغداد
ذلّوا وكانت لهم في العزّ مرتبةتحطّ مرتَبَتَيْ عادٍ وشدّاد
سارت سفائنهم والنّوح يتبعهاكأنّها إبِلٌ يحدو بها الحادي
كم سال في الماء من دمع وكم حملتتلك القطائع من أقطاع أكباد
وقال من أخرى:
ابكو المؤيد بالنّجيع فما قضىحق المكارم من بكاه بدمعه
كنّا به في روض عِزّ مثمريجني الأماني غضة من ينعه
والآن حط لنافكأنّما ... وقفت مجاري الرزق ساعة خلعه
وقال من قصيدة يندب المعتمد، عملها بأغمات سنة خمس وثمانين وأربعمائة أولها:
تنشّق رياحين السّلام كأنّماأفض بها مسكاً عليك مختما
أفكر في دهر مضى لك مشرقفيرجع ضوء الصبح عنديَ مظلما
لئن عظمت فيك الرزيّة إنناوجدناك منها في المزية أعظما
قناة سعت للطّعن حتى تقصّدتوسيف أطال الضّرب حتى تثلّما
وطود غريب في الشّواأفاعيلُ الورى من قبلُ دهمٌوفعلُك في فِعالِهمُ شياتُ
أبو تمام:
لو لم يقُدْ جحفلاً يوم الوغى لغدامن نفسِه وحدَها في جحفلٍ لجِبِ
أبو الطيب:
الجيشُ جيشُك غير أنّك جيشُهفي قلبِه ويمينه وشمالِه
أبو تمام:
وكأنّ الأناملَ اعتصرَتْهابعد كدٍ من ماءِ وجهِ البخيل
أبو الطيب:
وعُمرٌ مثلُ ما يهَبُ اللّئامُ
أبو تمام:
إليك تجرّعْنا دُجًى كحِداقِنا
أبو الطيب:
لقى ليلٍ كعينِ الظّبيِ لوناًوهمٍ كالحُميّا في المُشاشِ
وأما المصراع الثاني فكثير؛ منه قول الأبيرد:
عساكرُ تغشى النّفسَ حتى كأننيأخو سَكرةٍ دارتْ بهامّ فيها منظّما
ولم تخفق الرايات فيها فأشبهتقوادم طير في ذُرى الجوّ حُوّما
ولا جرّ منها صعدة الرمح خلفهفتاها فقلنا: الصّلّ أتبع ضيغما
ولم يصدع النّقع المثار سنانهكما صدع الظّلماء برق تضرّما
ولا صوّرت في جسمه الدّرع شكلهافأشبه مما صوّرت فيه أرقما
جرى القدر الجاري الى نقض أمرهفعاد سحيلاً منه ما كان مبرما
مصاب هوى بالنّيّرات من العُلاولم يبق في أرض المكارم معلما
حكيت وقد فارقت ملكك مالكاًومن ولهي أحكي عليك متمّما
وإني على رسمي مقيم وإن أمتسأترك للباكن رسمي موسّما
بكيتك حتى لم يُخَلّ ليَ البُكادموعاً بها أبكي عليك ولا دما
بكاك الحَيا والريح شقّت جيوبهاعليك وناح الرّعد باسمك معلما
وحاربك الإصباح وجداً فما اهتدىوغاض أخوك البحر غيظاً فما طمى
قضى الله أن حطّوك عن متن أشقرأشمّ وأن أمطوك أشأم أدهما
قيودك دانت فانطلقت لقد غدتقيودك منهم بالمكارم أرحما
عجبت لأن لان الحديد وأن قسوالقد كان منهم بالسّريرة أعلما
سينجيك من نَجّى من الجُبّ يوسُفاًويؤويك من آوى المسيح ابن مريما
ومن شعره في مدائح آل عبّاد قال من قطعة أولها:
ضحك الربيع بحيث تلك الأربعلمّا بكى للغيث فيه مدمع
ومنها:
عاطيت فيها الكأس جُؤذر كلّةيعطو بأكناف القلوب ويرتع
رقّ الصّبا في خدّه ورحيقهفي كفّه فموشّع ومشعشع
وعلى فروع الأيك شاد يحتويطرباً لآخر تحتويه الأضلع
يندى له رطب الهواء فيغتديويظلّه ورق الغصون فيهجع
تخذ الأراك أريكة لمنامهفله على الأسحار فيها مضجع
حتى إذا ما هزّه نفس الصباوالصبح هزّك منه شدو مبدع
وكأنّما تلك الأراكة منبروكأنّه فيها خطيب مصقع
وكأنما خبر المؤيّد خبرتيفلسانه بالشّكر فيه يسجع
وضحت به العلياء فمنهج قصدهامنه الى ظهر المجرّة مهيع
يندى عليك وأنت منه خائفوكذاك لجّ البحر مغن مفزع
فأشدّ ما تلقاه عند ليانهوكذا الأرقّ من الحسام الأقطع
بالله شحّ على حياتك إنّهاسبب به تحيا البريّة أجمع
وهذا من بيت أبي فراس:
نشدتك الله لا تسمح بنفس عُلاًحياة صاحبها تحيا بها أمم
ما كان أرفع موضعي إذ كان ليفي جانب العلياء عندك موضع
أيّام أطلب ما أشاء فينقضيوزمان أدعو من أشاء فيسمع
أنت السّحاب على مكانة ينهميبالمكرمات وعن مكان يقلع
وقال من أخرى عند دخول المعتمد لُورْقَة:
تخلّلت حتى غابة الأسد الوردوأنزلت حتى ساكن الأبلق الفرد
وجردت دون الدّين سيفك فانثنىمن النّصر في حلي من الدّم في غمد
بصير بأطراف المؤثّلة الشباسميع بآذان المسوّمة الجرد
لقد ضمّ أمر الملك حتى كأنّهنطاق بخصْر أو سوار على زند
وحسّن طعم العيش حتّى أعادهألذّ من الإغفاء في عقب السّهد
وحسب الليالي أنها في زمانهبمنزلة الخِيلان في صفحة الخدّ
وجاءت به الأيّام تاجر سؤدديبيع نفيسات المواهب بالحمد
يغيثك في محل يعينك في ردًىيروك في درع يروقك في برد
جمال وإجْمالٌ وسبْقٌ وصولةكشمس الضحى كالمزن كالبرق كالرّعد
بمهجته شاد العُلا ثم زادهابناء بأبناء جَحاجِحَةٍ لُدّ
بأربعة مثل الطّباع تركّبوالتعديل جسم المجد والكرم العَدّ
هو الشّعر من دُرّ رطيب نحَتُّهُوقد تُنْحَتُ الأشعار من حجر صلد
ولا عجب إن جئت فيه ببدعةفما هي إلا النّار تقدح في زند
أيا معلناً لفظي ويا معلياً يديويا حاملاً كَلّي ويا حافظاً عهدي
وقال من أخرى:
ومن رمته من الأيّام حادثةفليس غير ابن عبّاد لها وزر
ملك غدا الرزق مبعوثاً على يدهوظلّ يجري على أحكامه القدر
مقدّم السّبق يحكي في بسالتهعَمْراً ولكنه في عدله عُمَرُ
يجلي علينا بدوراً من محاسنهوتُستهلّ لنا من كفّه بدر
لا غرو في أن تحلّى غيرهم بعلاًوما لهم في العُلا رأي ولا نظر
فقد يُسمّى سماء كلّ مرتفعوإنّما الفضل حيث الشمس والقر
يا من قضى الله أنّ الأرض يملكهعجّل ففي كلّ قطر أنت منتظر
كِلْني الى أحد الأبناء ينعشنيما لم يكن منك بحر فليكن نهر
قد طال بي أقطع البيداء متّصلاًوليس يسفر عن وجه المنى سفر
كأنّما الأرض عنّي غير راضيةفليس لي وطن فيها ولا وطر
وقال من قصيدة في ابن عباد:
يجري النّهار الى رضاك وليلهوكلاهما متعاقب لا يسأم
فكأنّما الإصباح تحتك أشقروكأنّما الإظلام تحتك أدهم
وكأنّ خاطفة البروق قد التظتصفحات سيفك قد علاهن الدّم
تهوى قناك الطير فهي وراءهاتهوي لتبصر حين تطعن تطعم
والخيل كانت تستريح من السرىلو لم يكن فوق البسيطة مجرم
ومنها:
نفر الى ماء السماء نماهمنسب على أوج النجوم مخيّم
بلغت الى السمع الأصمّ صفاتهموأبان فيهنّ اللسان الأعجم
وسعودهم تثنى الأعنّة عنهمإن السعود كتائب لا تهزم
وقال في غلام جميل:
إن تكن تبتغي القتال فدعنيعنك في حومة القتال أحامي
خذ جناني عن جنّة ولسانيعن سنان وخاطري عن حسام
وقال يمدح ناصر الدولة مبشر بن سليمان في ميورقة، وقد ملكها بعد المرتضى:
حنيت جوانحه على جمر الغضالما رأى برقاً أضاء بذي الأضى
واشتمّ في ريح الصّبا روح الصّبافقضى حقوق الشوق فيه بأن قضى
قالوا: الخيال حياته لو زارهقلت: الحقيقة قلتم لو غمضا
يهوى العقيق وساكنيه وإن يكنخبر العقيق وساكنيه قد انقضى
ألِفَ السّرى وكأنّ نجماً ثاقباًصدع الدّجى منه وبرقاً مومضا
طلب الغنى من ليله ونهارهفله على القمرين مال يُقْتَضى
مهما بدت شمس يكون مذهّباًوإذا بدا بدر يكون مفضّضا
هذا أفاد وباد غير مقصرجهد المقلّ بأن يموت مقوّضا
ولربّ ربّة حانة نبّهتهاوالجوّ لؤلؤ طلّه قد رضرضا
وقد انطفت نار القرى ورعى علىمسك الدّجى مذْرورُ كافور الغضا
والليل قد سَدّى وألحم ثوبهوالفجر يرسل فيه خيطاً أبيضا
ومتى ركبت لها أعالي أيكةنشرت جناحاً للرّياح معرّضا
والبحر يسكن خيفة من ناصرأرضى الرئاسة بعد موت المرتضى
ماء الغمائم جرعة مما سقىوسنا الأهلّة خلعة ممّا نضا
خفقت عليه راية وذؤابةفكأنّ صلاً نحو صلّ نضنضا
وقال أيضاً يمدحه:
هلاّ ثناك عليّ قلب مشفقفترى فراشاً في فراش يحرق
أنت المنيّة والمنى فيك استوىظلّ الغمامة والهجير المحرق
ومنها:
لك قدّ ذابلة الوشيج ولونهالكن سنانك أكحل لا أزرق
ويقال إنك أيكة حتى إذاغنّيت قيل هو الحمام الأورق
يا من رشقت الى السلوّ فردّنيسبقت جفونك كلّ سهم يرشق
لو في يدي سحر وعندي أخْذَةٌلجعلت قلبك بعض حين يعشق
جسدي من الأعداء منك فإنّهلا يستبين لطرف طيف يرمق
لم يدر طيفك موضعي من مضجعيفعذرته في أنّه لا يطرق
جفّت لديك منابتي ومدامعيفالدّمع يسبق والصّبابة تورق
وكأنّ أعلام الأمير مبشّرنشرت على قلبي فأصبح يخفق
الخيزرانة تلتظي في كفّهوالتّاج فوق جبيه يتألّق
وكأنّ صوب حيا وصعقة بارقما ضمّ منه نديّه والمأزق
متباعد الطرفين جود غافلعما يحلّ به وعزم مطرق
بأس كما جمد الحديد وراءهكرم يسيل كما يسيل الزّئبق
لا تعجب الأملاك كثرةُ ما لهمالنبع أصلب والأراكة أوْرق
ضدّان فيه لمعتف ولمعتدالسّيف يجمع والعطاء يفرّق
وقال يمدح ناصر الدولة:
بكت عند توديعي فما علم الرّكبأذاك سقيط الطّلّ أم لؤلؤ رطب
وتابعها سرب وإنّي لمخطئنجوم الدّياجي لا يقال لها سرب
لئن وقفت شمس النّهار ليوشَعلقد وقفت شمس الهوى ليَ والشّهب
من البيض كافوريّة غير لمّةأبيحت سواد المسك فهو لها نهب
وبحر سوى بحر الهوى قد ركبتهلأمر كلا البحرين مركبه صعب
له لجج خضر كما اخضرّت الرُبىالى أخر بيض كما ابيضّت الكثب
غريب على جنبي غراب يهزّهبقادمتي ورقاء أوكارها شعب
هوى بين عصف الريح والموج مثلماهوى بين أضلاع المعنّى به قلب
كأنّي قذى في مقلة وهو ناظربها والمجاديف التي حولنا هدب
براحته بحر محيط مسخّريفاد الغنى فيه ولا يذعر الركب
حوى قصبات السّبق عفواً ولو سعىلها البرق خطباً جاء من دونها يكبو
ويرتاح عندالحمد حتى كأنّهوحاشاه نشوان يلذّ له الشّرب
لو استمطر الناس الغمام بذكرهلقام على الصلد الصفا لهم الخصب
يجود ولا يكدي وينوي فلا ينيويقضي فلا يغضي ويمضي فلا ينبو
سألت أخاه البحر عنه فقال ليشقيقي إلا أنّه البارد العذب
لنا ديمَتا ماءٍ ومال فديمتيتماسك أحياناً وديمته سكب
إذا نشأت بريّة فله النّدىوإن نشأت بحريّة فلي السحب
أحاجيكم ما واحد يجمع الورىولا مرية في أنّه ذلك النّدب
أقلّوا عليه من سماع صفاتهفإنّي لأخشى أن يداخله عجب
غفرت ذنوب الدّهر لمّا لقيتهودهر به ألقاه ليس له ذنب
وقال:
نحو السماء فهممن مائها وعلاهم من دراريها
ومنها:
بالحمد أعلاقاً منظّمةعلماً بأنّك تعليها وتغليها
إذا الأمورعطلت ... فما سواك يجليها ويحكيها
كنت أعتقد أن في طبع المغاربة يباسة، يأبى لشعرهم سلاسة، حتى أنشدت شعر ابن اللبانة فحصلت من رقته ورونقه باللبانة، وهو أصفى من اللبن وأحلى من الضرب، وأنفى للكرب، وأجلى للطرب.
ومما نقلته له من قلائد العقيان في المعتد بن عباد في صفة نهر في بستان:
أما علم المعتدّ بالله أننيبحضرته في جنّة شقّها نهر
وما هو نهر أعشب النّبت حولهولكنّه سيف حمائله خضر
ومن شعر ابن اللبانة مما استخرجته من كتاب ابن بشرون قوله:
يوم تكاثف غيمه فكأنّهدون السماء دخان عود أخضر
والطلّ مثل برادة من فضّةمنثورة في تربة من عنبر
والشمس في حجب السماء كأنّهاحسنا تستّر تحت كلّة تُستُرِ
وقوله:
يوم كحاشية الرّداء المعلمأوفى بسِرّ مسرّةٍ لم تُكتم
شاهدته وكأنّه من روضةوكأنني من طائر مترنّم
وقوله من أخرى:
ترى الطلّ فيمثل لؤلؤ ... ولكن تبقّى نظمه في القلائد
وتحسب في أطراف طرفائها النّدىبقيّة كحل في رؤوس المراود
كأنّ رياض الحزن بسط تدبّجتبأنواع ألوان حسان فرائد
وقوله من أخرى في صفة روض:
والورد تحت الطلّ فيها مشبهخداً يذوب من الحياء فيقطر
وكأنّ نرجسها أصيب بروعتيفعلاه لون مثل لوني أصفر
فكأنّما الرّيحان روحي كلّماتتغيّر الأشياء لا تتغيّر
وقوله من قصيدة:
جزعت لهم بالجزع إذ نذروا دميعلى نظرة كانت بغير توهّم
حموا نظري ما في الخدود من الجَنىوقد أخذوا ما في الترائب من دمي
فردّوا عليّ الأرض حلقة خاتمبإعراضهم عنّي ودارة درهم
وعهدي بهمالكثيب وخدرهم ... يشير بعنّاب إليّ وعندم
يساقطني درّ الحديث وذوبهعقيق مذاب في الدّماء من الدّم
وفود يقودون العراب وتحتهمكرائم من رهطي جديل وشذقم
يغير على زرق المياه وقد رنتإليها عيون الزّرق من كلّ لهذم
وترعى ربيعاً للصوارم حولهرياض بما فيها من الدّهر يحتمي
وفي سدرة الوادي من الحي شادنربيب ولكن في عرينة ضيغم
يدير عليّ الرّاح من لحظ ناظرويمنعنيها من ثنيّة مبسم
مشى في موشّى عبقريّ كأنّهطراز الصبا منه بخدّ منعّم
ومال على كافورة من بنانهلها منبت بين الوشيج المقدّم
حبيب لو انّ الحسن شعر لما غدامديح حبيب أو تعزّل مسلم
فيه أنتما من صبابتيومن رميه نحوي لمقلة مرتمي
رماني بعينيه وثنّى بسهمهفأثبت في قلبي ثلاثة أسهم
ومنها في وصف الطّيف:
وما أنس لا أنسى الخيال الذي سرىسُرى البرق في داج من اللّيل مظلم
أتى بهَدِيّاتٍ فما مدّ راحةًوأدّى رسالاتٍ ولم يتكلّم
لثمت الثّرى حيث استقلّت بيَ الخُطىفلافحني عن ردع مسك مختّم
وأمّلت تسليماً عليه فقيل ليعلى الشمس عن إذن الكواكب سلّم
ومنها في التخلّص للمدح:
ومن لم يسلّم في الدّيانة والدُّناالى ناصر الأنصار ليس بمسلم
همام تبيت المأثرات همومهفيصبح منها بين مغنى ومغنم
بعيد حدود الفضل لا صفةً لهسوى أنّه من جوهر متجسّم
صفا فلو انّ الشّمس تعطى شعاعهلما احتجبت في ليل أربد أقتم
ورقّ فلولا أن فيه جزالةمن البأس لاستنشقته في التّنسّم
كأنّ سجاياه ربيع مفوّفتفتّح عن زهر نضير منعّم
كأن تخاطيط الحياة بخدّهحواشي رداء مذهب النّسج معلم
كأنّ سنا مرآه في جود كفّهسنا الشمس ... في حِبا الغيث ينهمي
كأنّ الذي في نوره من تلألؤشقيق الذي في ناره من تضرّم
كأنّ تواقيع الرضا بعد سخطهمواقع مزن في عواقب صيلم
كأن مذاقيه لياناً وشدّةحلاوة شهد في مرارة علقم
كأنّ لدى هيباته وهِباتهجنى جنّة محفوفة بجهنّم
كأنّ ثبوت الراسيات ثبوتهإذا خفّ من خوف الرّدى كلّ محجم
كأنّ أديم الأرض راحة كفّهوفي بسطها قبض على كلّ مجرم
منها:
إذا ضلّ أملاك الزمان فإنّهالى رشده أهدى من اليد للفم
يزفّ الى الأعداء من حومة الوغىعروس خمار عطرها عطر منشم
ويركب في أرحالهم ظهر شيظمفيحملهم منهم على ظهر شيهم
فيرجوه حتى الطير مما تعوّدتبلحم عداه مطعماً بعد مطعم
نفى العدم حتى ردّ كل مكانةوأغرب من عنقائها شخص معدم
ومنها في وصف مراكب الغزو:
لك المنشآت الجاريات كأنّهاضواري شواهين على الماء حوّم
فظلّت بها بين النّواظر والكرىفمن محرم يسري الخيال لمحرم
حمدنا لها فضل التأخّر إنّهيقال يكون الفضل للمتقدّم
أقامت عذاري بالعذارى حواملاًولم تر إلا أن تجيء بتوأم
هي الغيد وافت منك في العيد عيدهافمن موسم في موسم طيّ موسم
محاسن آثارلو تمثّلت ... بمثل شجي كان عدّة أرهم
وقوله من أخرى يمدحه ويهنّيه بعيد النّحر، استهلالها:
غنّته في شجر الأراك بلابلفتحرّكت في الصدر منه بلابل
وتذكّر العهد القديم فشاقهوتذكّر الأحباب شغل شاغل
أيّام للنّعمى عليه رفارفولطلّ أوراق الشباب ذلاذل
والعيش يقطر نضرة فكأنّهخدّ به ماء الشبيبة جائل
والسّجف مرفوع عن القمر الذيقمر الدّجنّة من سناه آفل
غصن تحرّك في الحليّ وفي الحلىعن مائل قلبي إليه مائل
ومخيّم بين الجوانح راحلتحكي سلالتهنّ لمّة راحل
وسنان ورد جماله في خدّهغضّ ونرجس مقلتيه ذابل
كرمت عليه لواحظي بدموعهاذلاً له وهو العزيز الباخل
وكأنّما هي في السّماحة طيّئوكأنّما هو في السماحة وابل
يا صاحب الحدق التي قد ضمّنتمن سحرها ما لم تضمّن بابل
ومنها المخرج الى المدح:
عذلوا عليك وخنت عهد مبشّرإن كنت أعلم ما يقول العاذل
ملك تهلّل واستهلّ فخلتهصبحاً منيراً فيه غيث وابل
وكأنّما نَوْر الربيع ونُورهفي الحسن أخلاق له وشمائل
وكأنّ نشر زمانه مع بشرهبكر لأيّام الصبا وأصائل
أغنى العفاة عن السؤال تبرّعاًبالجود حتى ليس يوجد سائل
وأخاف في الأجم الأسود فلم يكنليصول منها في البسيطة صائل
منها:
وكأنّ سطوته معاينة الرّدىوغرار صارمه القضاء النازل
حبك السّحاب دروعه لكن لهفوق السحاب من الصباح غلائل
ساع بنور الهدي في صون الذيهو للمكارم من يديه باذل
فمواطن الأقدام منه مشاعرومحاسن الأفعال منه مشاغل
لو رام رُومَةَ جاءه أربابهاوالبيض أغلال لهم وسلاسل
ولو الجبال يهزّها ليهدّهاعادت أعاليها وهنّ أسافل
منها:
يعطي ويمطي العالمين ففضّةأو عسجد أو سابح أو صاهل
أو ملبس نسج النعيم جلالهنسج الربيع وقد سقاه الهطل
وقفت عليه من النفوس بواطنوظواهر وأواخر وأوائل
وتجاذبته مشارق ومغاربفتلطّفته وسائل ورسائل
ولقلّ ذاك فإنّه القرم الذيشمل البريّة منه فضل شامل
لكم إذا اختصم الملوك لمفخرحسب يناظر عنكم ويناضل
فسخت مكارمكم مكارم غيركموالحق يفسخ ما يخطّ الباطل
أضحى بك الإضحى رياضاً تُجتلىوضح السرور به ونيل النائل
زرت المصلّى يومه في جحفلأعلامه للعالمين مواثل
غدر الحديد عليهم وكأنّمابأكفّهم للمرهفات جداول
وأتاك جيشهم على الجيش الذييختال بالمحمول منه الحامل
ومن الجنائب في الطريق جنائبحسنت فقلنا إنّهنّ عقائل
مرحت فقلت قطا البطاح وربّمارُفِعَتْ هواديها، فقلت مطائل
وقوله من قصيدة يمدحه ويصف النيروز والملاهي التي حضرت بين يديه، أوّلها:
عاوده الشوق وكان استراحوانبرت الطير تغنّي فناح
ذكّره عهدَ الصبا ساجعمدّ جناحاً والتوى في جناح
بلّله قطر الندى فاغتدىينفض ريشاً سندسيّ الوشاح
أورقُ قد أورق من تحتهغصن رطيب فوق حِقف رداح
إن ينسكب ماء الغمام اغتذىوإن ... محجره الشمس فاح
وإن سقته الريح راحاً لهامال ونام ونشوان صاح
أعطافه تشبه أعطاف منراح فؤادي معه حيث راح
وزارني طيف خيال لهمفألحف الليل رداء الصّباح
بتّ به تحت ظلال المنىأشتمّ ريحاناً وأستَفّ راح
سقانيَ الخمرة من ريقهوقام لي من برد بالأقاح
يا طاعن الخيل غادة الوغىطاعنك النّهد فألق السّلاح
فالحدق السوق إليك ارتمتفما عسى تغنيك بيض الصّفاح
الحمد لله فإنّي امرؤقد تُبْتُ إلا من وجوه الملح
وقبلتي ناصر شرع العلافوجهه وجه الهدى في البطاح
الدّيمة الوطْفاءُ يوم النّدىوالأسد الباسل يوم الكفاح
مغالق الأرزاق من كفّهقد أذن الله لها بانفتاح
ولم يضق دهر على أمّةإلا أصابوا بذراه انفساح
تبصره إن هاجه صارخكالحيّة انساب وكالماء ساح
منها:
مُوَطّأ الأكناف رطب الجنىمقدّم السّبق معلّى القداح
من رام عن مورده مصدراًقالت له نعماؤه: لا براح
آلاؤه بالبشر ممزوجةمزج الحُمَيّا بالزّلال القراح
تحكي لياليه بأيّامهخِيلان مسك في خدود صِباح
ينشر يوم الفخر من نفسهعرضاً مصوناً ظن مالاً مباح
يا مستميح المال من غارةوما له من كرم مستماح
لك البسيطان فمن ضمّرتُردى ومن طير تباري الرّياح
أغربة للورق في ظهرهاأجنحة خفّاقة بالنّجاح
منها في وصف النيروز:
يا كوكب النيروز في بهجةأسنى من البدر المنير اللياح
جاءت عطاياك تهادى بهتهاديَ الغيد غداة اقتراح
لو أنّ لي قوة عهد الصبالم أترك النيروز دون اصطباح
يوم رقيق فاتر ناظمكافوره فوق الرّبا والبطاح
تلعب فيه كل مياسةميس غصون تحت روح الرّواح
في ملتوى الأرقم في جلدهفي خيلاء الخيل عند المزاح
إن قعدت قلت رُبًىفي بُرىوإن مشت قامت مَهًى في مراح
غيْداءُ جيداءُ لها معطفيرفل من ديباجه في اتّشاح
إنْسيّةُ وحشيّة ركِّبَتْمن صورة الجدّ وشكل المزاح
ساكنة في جوفها ناطقينطق عنها بمعان فصاح
كأنّما حليتها ألسنٌتملأ سمع الدهر فيك امتداح
يخدمها كلّ كميّ لهوجه حييّ وفؤاد وقاح
يجزع روع الروع صمصامهوحدّه يخرجه الالتماح
مرهفه نار وفضفاضهماء وبين الحالتين اصطلاح
وقوله:
تحيّيك حتى الشهب عنّي وقلّ لكفإنّك نور الشمس تجلي لي الحلك
أكذّب ظنّي أنني لك أرتقيومن ذا الذي يرقى من الفلك الفلك
وأعلم أني لست عندك عالماًأفي تلك أجرى ... لحاظي أم ملك
لك الله حلاّك الضّحى من سمائهوختّمك الجوزاء والنّجم أنعلك
وبوّأك المجد الذي في جلالهتبوّأت من وادي المجرة منزلك
تراودك الدنيا الى ذات نفسهافلا دولة إلا تناديك: هِيتَ لَكْ
قطعت إليك البحر أستصحب الصباوأسلك حيث البرق في حفظه سلك
وآمل من ذاك الحجاب رُفوعهلعلّي بعين الشّوق أن أتأمّلك
أنا العبد أهّلْني الى البِشر والرضالمن للمعالي والمكارم أهّلك
أقاسمك النفس التي في جوانحيمقاسمك المعطيك غاية ما ملك
فما اسودّ فيها من ظلام يكون ليوما ابيضّ فيها من ضياء يكون لك
وله في المرثية:
أصيب بفارسه الموكبوضاق على وسعه المذهب
وغُيّب في طبقات الثّرىسنا واضح وجنى طيّب
ذوت زهرة من رياض الثّرىوغاض بأفق العلا كوكب
شباب يزفّ بريعانهفَرِيع لميقاته الأشْيَب
وقد كان قيس بنجم الدُجىفلم يُدْرَ أيّهما أثْقبُ
خلا الغاب من خير أشبالهوزلّ بجارحه المَرْقَب
زكت خلفاً بنجيع القلوبعيون بأدمعها تندب
وفي أمره عجب أنّهبمشرقه جاءه المغرب
فخفّ وشامخه ثابتوجفّ وريحانه مخصب
وعبّسَ وهو نَدٍ مشرقكما ضحك العارض الأشنب
سقى قبره واكفٌ ينهميوظلّله وارق يرطب
ولا برحت فوقه روضةبأزهار رحمته تعشب
وفي أخويه لمن يرتجيغياث وغيث لمن يطلب
.. إنه ساعد... بدا أنه يركب
ومهما غدوت لنا سالماًفلسنا نبالي بمن يذهب
ومن كنت بحراً له لم يَسَلْإذا لم يَسِلْ حوله مِذْنَبُ
فما ضرّ نبت زكا منسبلأنصاره ورقى منصب
إليك بها من بيان الضميرحيّك الغر لها مطلب
وعذراً فما لي من منطقيقول ولا من يد تكتب
وفي الفضل... محاسن ديباجها مذهب
بقيتبقاء التي ... لسعدك تسري فما تغرب
وله يشكو:
رماني الدّهر من كلّ النّواحيفأثبت في مقاتِليَ النِّبالا
وصيّرني غريباً في مكانبه الغرباء تكتسب العِيالا
وثاري ممكن عند اللياليولكن قد تعذّر أن يُنالا
فما أعطت نجادي شِسْعَ نعْلٍولا أدّت بسابحتي عقالا
ولو كاشفت فيه لكنت صبحاًولكنّي انخدعت فكنت آلا
ضمير علاك يفهم عن رجائيفلست مؤكّداً في ذاك حالا
فأنت السّتر بعد الله فوقيفزدني من خزائنك انسلالا
أدر نظر السّيادة في حديثيفكم جرح بك اندمل اندمالا
وكم وردتك آمالي خفافاًفجاءت تحمل المنن الثقالا
أكلّ العالمين لك اتباعفإنّ الرزق حيث تميل مالا
ومما نقلته من قلائد العقيان:
عرّج بمنعرجات واديهم عسىتلقاهُمُ نزلوا الكثيب الأوعسا
اطلبهم حيث الرياض تفتّحتوالريح فاحت والصباح تنفّسا
مثل وجوههم نجوماً طُلَّعاًوتخيل الخيلان شهباً كنّسا
وإذا أدت تمتّعاً بقدودهمفاهصر بنعمان الغصونَ الميّسا
بأبي غزال منهم لم يتخذإلاّ القنا من بعد قلبي منكسا
لبس الحديد على لجين أديمهفعجبت من صبح توشح حندسا
وأتى يجرّ ذوائباً وذوابلاًفرأيت روضاً بالصّلال تحرّسا
لا ترهب السيف الصقيل بكفّهوارهب بعارضه العذار الأملسا
رام العدى قتلي عليه فَفُتُّهموالنجم ليس بممكن أن يُلمسا
وفللت بغيهم ففزت وهكذافلّ الصحيفة خلّص المتلمّسا
كابد الى العزّ الهجير ولا تكنفي الذلّ ما بين الظلال معرّسا
وإذا وصلت الى الأمير مبشّرٍفاجعل بساطك في ثراه السندسا
نوّع وجنّس في مناك فإنّهملك تنوّع في العلا وتجنّسا
وقال:
نسيمك حتّامَ لا ينبريوطيفك حتّامَ لا يعتري
أعيذك من عرض أن يكونوأنت الذي كنت من جوهر
أتذكر أيّامنا بالحمىوأيّامنا بذوي الأعصر
ألا رأفة من وفيَّ صفيّألا عطفة من سنيّ سري
رمى زُحَلٌ في أظفارهوحَلّ يداً عنّيَ المشتري
عطارد هل لك من عودةفأرجع منك الى عنصري
سيطلبني الملك مهما أرادلباس نسيج من المفخر
ولو أنّ كلّ حصاة تزينلما جعل الفضل للجوهر
وقال من قصيدة:
تكرّ وشتى الخيل والرجل دونهافصيرتها شتّى المسالك والسّبل
تخالهُمُ رجل الجراد فعندمادلفت لهم طاروا بأجنحة النّمل
ومنها:
وحسبك عند الله حسبتك التيدعت شدّة التّقوى الى كرم الفعل
جلوت سنا الإصباح في غسق الدّجىوأنشأت غُرّ المزن في كلب المحل
فما كنت إلا رحمة أنزلت علىثرى الأرض فامتدّت الى الوعر والسّهل
وله يتغزل في صاحب خيلان:
لحظ النّجوم بمقلتيه فراعهاما أبصرت من حسنه فترَدّت
فتساقطت في خدّه فنظرتهاعمداً بمقلة حاسد فاسودّت
وله في صبي ناسخ:
أبصرت أحمد ناسخاً فرأيت ماأعنى وأعيى أن يحدّ ويوصفا
وكأنّما منح السماء صحيفةوالليل حبراً والكواكب أحرفا
وله في غلام التحى:
أبصرته قصّر في المشيهلما بدت في خدّه اللحيه
قد كتب الشعر على خدّهأو كالذي مرّ على قريه
وله:
غناءٌ يلذّ ولا أكؤستسكّن من أنفس طائشه
وأعجب كيف شدا طائربروض منابته عاطشه
وله عندما فارق المتوكل ببطليوس:
رضا المتوكّل فارقتهفلم يرضني بعده العالم
وكنت ببطلوس في جنّةفجئت بما جاءه آدم
وله:
أذكّر من لم ينس عهداً ولا ينسىوأبسط في أكناف سرحته النّفسا
وألبسها خلقاً جديداً وأغتديبظلّ غلام أغتدي معه الأنسا
وألبس ريعان الشباب وطالمالبست الخطوب الحمر ما دونه ورسا
وإنّي وإياه لمزن وروضةيباركني سقياً وأزكو له غرسا
صفا بيننا من خالص الودّ جوهرعلونا به في نور جوهره الشّمسا
وما أنا إلا من علاه مكوّنغدوت له نوعاً وأصبح لي جنسا
مكارمه مرعى الى جنب معقلأرود إذا أضحى وآوي إذا أمسى
وأورد خمساً كلّ يوم بمائهوكم لي دهراً قد مضى لم أرد خمسا
أبا القاسم اشرب قهوة العزّ وانتقلثنائي ومن فضل الكؤوس اسقني كأسا
وخذ بيدي من عثرة قصرت يديوكنت أخا بأس فلم تبق لي بأسا
رميت لها فضفاضتي ومهنّديوخطيّتي والنّبل والقوس والتّرسا
ثغور المعالي قابلتك ضواحكاًفصل لثمها وامصص مراشفها اللعسا
وأجيادها مالت عليك نواعماًكما مالت الأغصان فانعم بها لمسا
ولا ذكر في الأفواه حاشاك إنّماصفاتك آيات ولعناً بها درسا
إليك بها داراً تلقب أحرفاًوقطعة ديباج يسمّونها طرسا
وفضلك في الإغضاء عمّا بعثتهفليس يَحيك الشعر من عدم الحِسّا
وله من أخرى:
ملك إذا عقد المعاقد للوغىحلّ الملوك معاقد التّيجان
وإذا غدت راياته منشورةفالخافقان لهنّ في خفقان
وقال من أخرى:
إن ضعت والشعر مما قد شُهِرْتُ بهونال جودك أقواماً وما شعروا
فأنت كالغيث إذ تسقي بصيّبهشوك القتاد ولا يسقى به الزّهر
هذا كثير. ومنه:
والحظ مثل الغيث تظمأ روضةموشية منه ويروى بلقع
ومنه:
وما أنت إلا كمثل السحابيسقي النّبات ويعدو الزهر
وقال من أخرى:
نزل الحيا بنزوله في معهدلبس المسرّة ربعه المأنوس
فكأنّما ماء الغمام مدامهوكأن ساحات الديار كؤوس
بلد أعارته الحمامة طوقهاوكساه حلّة ريشه الطاووس
وقال يصف قصيدة:
أتيت بها تقيم العذر عنيفقدرك مثل مقدرة اللّسان
ولو وفّيت حقّك في امتداحلقال الشعر فيك الشّعرَتان
وقال من أخرى:
وعمّرْتَ بالإحسان أفق مَيُرْقَةوبنيت فيها ما بنى الإسكندر
فكأنّها بغداد أنت رشيدهاووزيرها وله السلامة جعفر
قال أبو الصلت في الحديقة: قوله، وله السلامة في باب الحشو أوضح وأملح من قول أبي الطيب في كافور:
وتحتقر الدّنيا احتقار مجرّبيرى كلّ ما فيها وحاشاك فانيا
قال: وهو عندي أقرب الى أن يكون احتراساً، كقول طرفة:
فسقى ديارك غير مفسدهاصوب الربيع وديمة تهمي
من أن يكون حشواً.
وقال من أخرى:
كأنّ علاك أفلاك وفلكبأرزاق البريّة جاريات
كأنّ هباتها من غير وعدنتائج ما لهنّ مقدّمات
قال: النتيجة لا تكون إلاّ عن مقدّمات أقلّها اثنان، إلا أن هذا لا يطالب بحقيقته من حيث هو شاعر.
النص من طبعة الدار التونسية للنشر (١٩٧١م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع