من «خريدة القصر: قسم شعراء المغرب والأندلس» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
أبو الحسن جعفر بن ابراهيم بن الحاج اللرقي
من مدينة يقال لها لُرْقَة، عاش بعد الخمسمائة طويلاً، وعمّر كثيراً.
قال:
أذوب اشتياقاً ثم يحجب شخصهوإنّي على ريب الزّمان لقاس
وأذعر منه هيبة وهو المنىكما يذعر المخمور أوّل كاس
وقال من أبيات:
من لي بطرف كأنني أبداًمنه بغير المدام مخمور
ما أصدق القائلين حين بداعاشق هذا الجمال معذور
وقال يخاطب غلاماً التحى:
أبا جعفر مات فيك الجمالفأظهر خَدّك لبْسَ الحِداد
وقد كان ينبت نَوْر الربيعفقد صار ينبت شوك القتاد
أبن لي متى كان بدر السّماءِ يُدرَكُ بالكون أو بالفساد
فهل كنت في الملك من عبد شمسفأخنى عليك ظهور السّواد
وكتب الى ابن لبون يتقاضاه جدْياً، من أبيات أوّلها:
يا قمر المجد وبحر النّدىومن غدا محيّاه هلك العدى
منها:
جَدْيٌ إذا استجديت فيه فمايمّمت إلا موضعاً للجدى
يَسْوَدّ كالكفر ولكنهمن داخل يَبْيَضّ مثل الهدى
وقال:
يا عجبي من بائع دينهبلذّة يبيع فيها مُناه
وإنّما أعجب من خاسريبيع أخراه بدنيا هواه
وقال في مخمّسة يرثي فيها ابن صمادح، ويندب الأندلس في زمن الفتنة:
من لي بمجبول على ظلم البشرصحّف في أحكامه حاء الحور
مرّ بنا يسحب أذيال الخفرما أحسد الظبي له إذا نظر
وأشبه الغصن له إذا خطر
نهيت قدماً ناظري عن نظريعلماً بما يجني ركوب الغرر
وقلت عرّج عن سبيل الخطراليوم قد عاين صدق الخبر
إذ بات وقفاً بيْنَ دمع وسهر
يا رُبّ أرض قد خلت قصورهاوأصبحت آهلة قبورها
يُشْغَلُ عن زائرها مزورهالا يأمل العودة من يطورها
هيهات ذاك الورد ممنوع الصدر
تَنْتَحِبُ الدّنيا على ابن معنكأنّها ثكلى أصيبت بابن
أكرم مأمول ولا أستثنيأثني بنُعماه ولا أثنّي
والروض لا ينكر معروف المطر
عهدي به والملك في ذمارهوالنصر في ما شاء من أنصاره
يطلع بدر التّمّ في أزرارهوتكمن العفّة في إزاره
ويحضر السّؤْدَدُ أيّان حضر
قل للنّوى جَدّ بنا انطلاقما بعدت مصر ولا العِراق
إذا حَدا نحوهما اشتياقومن دواء الملل الفراق
ومن نأى عن وطن نال وطر
وذكره أبو الصّلت في الحديقة قال: أبو الحسن جعفر المعروف بابن الحاج اللورقي يعاقب صديقاً له:
تقلّص ظِلّ منك وازْوَرّ جانبوأحرز حظّي من رضاك الأجانب
وأصبح طرْقاً من صفائك مشرعيوأيَّ صفاء لم تشبه الشّوائب
رويداً فلي قلب على الخطب جامدولكن على عتب الأخلاّء ذئب
وأكبر ظنّي أنّ عندك غير ماترجّمه تلك الظّنون الكواذب
قوله: لي قلب على الخطب جامد، وعلى العتب ذائب، من قول أبي تمّام:
جليدٌ على عتب الخطوب إذا التوتوليس على عتب الأخلاّء بالجلَدْ
أرُد يدي عن عِرْضِ حُرّ ومنطقيوأملؤها من لِبْدَةِ الأسد الوَرْد
وتمام شعر ابن الحاج:
أعد نظراً في سالف العهد إنهلأوْكَدُ ممّا تقتضيه المناسب
ولا تعقب العتبى بعتب فإنّمامحاسنها في أن تتمّ العواقب
يخبّ ركابي أنّني بك هائمويثني عناني أنّني لك هائب
وحسبك إقراري بما أنا منكروأنّي مما لست أعلم تائب
وقال:
تَوَقّ الموت واعلم كم عدوّطواه الموت عنك وكم صديق
مشَوْا قُدّامنا نسعى جميعاًفقد وصلوا ونحن على الطريق
وله:
تَعَزَّ على الدّنيا ومعروف أهلهاإذا عُدِم المعروف من آل عبّاد
نزلت بهم ضيفاً ثلاثة أشهربغير قِرًى ثم ارتحلت بلا زاد
وله:
لي صاحب خفيت عليّ شؤونهحركاته مجهولة وسكونه
يرتاب بالأمر الجليّ توهّماًفإذا تيقّن نازعته ظنونه
ما زلت أحفظه على شرقي بهكالشّيب تكرهه وأنت تصونه
من قول مسلم:
الشّيب كره وكره أن يفارنيأعجب لشيء على البغضاء مودود
وذكره مؤلّف قلائد العقيان، وصفه بالكرم والإحسان، والشّيم الغُرّ الحسان والتنسّك في ...، والتمسّك بالتقوى، وقال: هو شيخ الجلالة وفتاه، ومبدأ الفضائل ومنتهاها، وأورد من شعره في
المحرم سنة تسع عشرة وخمسمائة ما كتبه الى ذي الوزارتين أبي بكر ابن رحيم وهو:
يا دوحة ما يريمها ثمروروضة كلّ نبتها زهر
يا مُزْنَة ما تَغِبّ نافعةوالمزن في طول صوبه ضرر
يا منهلاً قد صفا فلا كدريصدّ عن ورده ولا حظر
يا عصرة الحرّ حين لا عصريوجد في حادث ولا أسر
برّك ذاك الخفيّ أثقلنيوحمل ما لا أطيقه خطر
فلتعفني من نداك تتبعهحسبك ما قد لقيت يا عمر
قد ذهبت جملة الوفاء فمافي النّاس خبر لها ولا خبر
وصرت في معشر حقودهمتبدو إذا كلّموك أو نظروا
بني رحيم ركبتمُ سنناًفي المجد لا يُقْتَفى له أثر
كلّ أفانين دهركم عجبوكلّ أيّام دهركم غرر
ووجدت في نسخة أخرى أنّ هذه الأبيات كتبها في محرم سنة أربع وتسعين وأربعمائة.
وله:
إذا كان يزري كلّ ضيف بضيفهفإنّي بضيفي حين يقدم أفرح
وذاك لأنّ الضّيف يأتي برزقهفيأكله عندي ويمضي فيمدح
وله:
عجباً لمن طلب المحامد وهو يمنع ما لديه
ولباسط آمالهفي المجد لم يبسط يديه
لم لا أحبّ الضّيف أوأرتاح من طرب إليه
والضيف يأكل رزقهعندي ويشكرني عليه
وله
طفقت تؤنِّبُني على البذلوتقول نِعْمَ سجيّة البخل
قد أصبح البخلاء في شرفوبقيت في شرف وفي أزل
هي شيمة ممّا جبلت بهوالطّبع ليس بممكن النّقل
نشَبٌ أبدّده ويرفعني...... ويستعلي
وله:
أسهر عيني ونام في جذلمدرك حظّ سعى الى أجلي
دنياه موقوفة عليه فمايطورها طائر لذي أمل
قد لُفِّقَتْ بالمحال فاجتمعتمن خُدَعٍ جمّة ومن حيل
كم محنة قد بُليت منه بهاوهو يرى أنّها يَدٌ قِبلي
وله في ذلك:
أخ لي كنت آمنه غرورايُسَرَّ بما أساءُ به سرورا
هو السّمّ الزُّعاف لشاربيهوإن أبدى لك الأرْيَ المشورا
ويوسعني أذًى فأزيدُ حِلْماًكما جُذَّ الذبال فزاد نورا
وله:
كل من تهوى صديقٌ مُمْحِضٌلك ما لا تتّقي أو ترتجي
فإذا حاولتَ نصْراً أو جَدًىلم تقف إلا ببابٍ مُرتَجِ
وله منفي الغزل:
يا مُديراً من سحر عينيه خمراًأنا ممّا أدرت جدّ نزيف
علّل المستهام منك بوعدوإليك الخيار في التسْويف
وله في الغزل:
وبيضاء ينبو اللحظ عند التفاتهاوهل تستطيع العين تنظر في الشمس
وهبت لها نفساً عليّ كريمةوقد علمت أنّ الضّنانة بالنّفس
أعالج منها السّخط في حالة الرّضاولا أعدم الإيحاش في ساعة الأنس
وله مع تفّاح أهداه:
بعثت بها ولا آلوك حمداًهديّة ذي اصطناع واعتلاق
خدود أحبّة وافين صبّاًوعدن على ارتماض واحتراق
فحمّر بعضه خجل التلاقيوصفّر بعضها وجل الفراق
وله في زرزور:
يا ربّ أعجم صامت لقّنتهطرف الحديث فصار أفصح ناطق
جون الإهب أعير فوه صفرةكاللّيل طرّزه وميض البارق
حِكَمٌ من التدبير أعجزن الورىورأى بها المخلوق لطف الخالق
وله:
كفى حزَناً أن المشارع جمّةوعندي إليه غلّة وأوام
ومن نكد الأيام أن يعدم الغنىكريم وأنّ المكثرين لئام
النص من طبعة الدار التونسية للنشر (١٩٧١م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع