من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
القاضي أبو المجد
محمد بن عبد الله بن محمد أبي المجد أخي أبي العلاء بن عبد الله بن سليمان بن محمد بن سليمان بن أحمد بن سليمان بن داود بن المُطهِّر بن زياد بن ربيعة بن الحارث بن ربيعة بن أنور بن أرقم بن أسحم بن النعمان، وهو الساطع وسمي بذلك لجماله، بن عديّ بن عبد غطفان بن عمرو بن بَريح بن جَذيمة بن تَيْم اللات، وهو مجتمَع تَنوخ. وتمام النسب مذكور في نسب أبي يعلى بن أبي حُصَيْن فإنهما مجتمعان في داود بن المطهّر.
ذكر لي ابن ابنه القاضي أبو اليسر الكاتب أنه كان فاضلاً أديباً، فقيهاً أريباً، نبيهاً لبيباً، مفتياً على مذهب الشافعي ﵁ قاضياً بالمعرة إلى أن دخلها الفرنج خذلهم الله تعالى في سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة فانتقل إلى شيزر وأقام بها مدة، ثم انتقل إلى حماة وأقام بها إلى أن مات في محرّم سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة، ومولده سنة أربعين وأربعمائة، وأدرك عم أبيه أبا العلاء، وقرأ عليه أشعاره ومصنفاته وأخبرني أن له ديوان شعر ورسائل.
ومن منثور كلامه: الصنعة مُحكمة، والمرجِّمون كثير، والدلائل قائمة على الصانع، والسعادة والشقاء سابقان، والفكرة حسيرة، والعاقل كالجاهل تحت القدر، والحريص تَعِب، وجِماع الخيرات مراقبة الله، والشرع أولى مُتَّبَع، والخير حميد، والشر وخيم، وأخلاق الرسول ﷺ من اقتدى بها اهتدى ونجا من الحَيرة والضلال، وليس للعِرض ثمن يكافيه، والسؤال ثمن النوال، وسعة الأخلاق رحمة من الخلاّق، والصبر عَونٌ حاضر، والقناعة ثروة لا تنفد، ولتكن لك نفس ترفعك عن دَنيّات الأمور، وعِرض ينجو بك من ذم الناس، وصدق يستريح إليه من يخشى الكذب؛ وحافظ على دينك حفاظ الخيل على موضعها من الأرض، وإياك والجزع على ما فات، والتفريط فيما بقي؛ ودافِع ما لا بدّ منه من غدٍ إلى غدٍ فإن الدهر لا يُعتِب في فعله، ولا تجمع على من ضيّع أمره ولا تُمكِّن فيه الفُرص في كل وقت، ولا تدنِّس المروءة فإنها تجمع أبواب المحاسن وتؤلف بين أشتات الفضائل. من عظُمتْ في نفسه الدنيا صغُر عند الله وعند الناس قدرُه.
ومن شعره ما أنشدنيه أبو اليسر الكاتب لجدِّه هذا أبي المجد:
رأيتُكَ في نومي كأنّكَ مُعرِضٌمَلالاً، فداويْتُ المَلالةَ بالتَّرْكِ
وأصبحتُ أبغي شاهداً فعدِمتُهفعُدتُ فغلَّبْتُ اليقين على الشكِّ
وعهدي بصُحْفِ الودِّ تُنْشَرُ بيننافإنْ طُوِيَتْ فاجعلْ خِتامَكَ بالمِسكِ
لئن كانت الأيام أبلى جديدُهاجديدي، ورَدَّتْ من رحيبٍ إلى ضَنْكِ
فما أنا إلا السيفُ أخلَقَ جَفْنُهوليس بمأمونِ الغِرارِ على الفَتكِ
وأنشدني أيضاً له:
وقفتُ بالدارِ وقد غُيِّرَتْمعالِمٌ منها وآثارُ
فقلتُ والقلبُ به لَوْعَةٌتحرقُه، والدمعُ مِدرارُ
أَيْنَ زمانٌ فيكِ قَضَيْتُهوأين سُكّانُكِ يا دارُ
وأنشدني له بعض أهل المعرة:
جَسَّ الطبيبُ يدي جَهْلاً، فقلتُ له:إليك عني، فإنّ اليوم بُحْراني
فقال لي: ما الذي تشكو، فقلتُ له:إني هَوِيتُ، لجَهلي، بعضَ جيراني
فقامَ يَعْجَبُ من جهلي، وقال لهمْ:إنسان سَوْءٍ فداووه بإنسانِ
وأنشدني الأمير مُؤيّد الدولة أسامة بن مُرْشد بن مُنقذ بدمشق سنة إحدى وسبعين قال أنشدني القاضي أبو المجد لنفسه:
وقائلةٍ، رَأَتْ شَيْبَاً علاني:عَهِدْتُكَ في قميصِ صِباً بديعِ
فقلتُ وهل تَرَيْنَ سوى هَشيمٍإذا جاوزتِ أيامَ الربيعِ
قال الأمير أسامة: لما فارق أهله بالمعرة وبقي منفرداً وله غلام اسمه شَعْيَا فقال:
زمانٌ غاض أهلُ الفضلِ فيهفَسُقْياً للحِمام به ورُعْيا
أسارى بين أتراكٍ ورومٍوفَقدِ أحبّةٍ ورِفاقِ شَعْيَا
قال وقد سبقه إلى هذا المعنى الوزير المغربي فإنه لما تغيرت عليه الوزارة وتغرّب كان معه غلام اسمه داهر فقال:
كفى حَزَنَاً أني مقيمٌ ببلدةٍيُعلِّلُني، بعد الأحبّةِ، داهرُ
يحدِّثني ممّا يُجَمِّعُ عَقْلُهأحاديثَ منها مستقيمٌ وجائر
قال الأمير أسامة: ولما بُليت بفُرقة الأهل كتبت إلى أخي أستطرد بغلامَيْ أبي المجد والوزير المغربي اللذين ذكراهما في شعرهما:
أصبحتُ بعدَك يا شقيق النفسِ فيبَحرٍ من الهمِّ المُبرِّح زاخِرِ
مُتفَرِّداً بالهمّ، مَن لي ساعةًبرفاقِ شَعْيَا أو عُلالةِ داهرِ
وناولني القاضي أبو اليسر الكاتب كرّاسة بخط جده أبي المجد من مسوّدات شعره كتبها وقد أناف على الثمانين، فنقلتُ منها على ترتيب حروف المعجم ما انتخبته. فمن ذلك قوله: الهمزة
تولَّى الحكمَ بينَ النّاس قومٌبهم نزلَ البلاءُ من السّماء
كأنَّهمُ الذِّئابُ إذا تعاوتْسَواغِبُها على آثار شاءِ
يقولُ القائلونَ إذا رأَوهُملقد جارَ القضاءُ على القضاءِ
وقوله:
قال الطبيبُ أرى سَقامَكَ من دَمٍفأجَبْتُهُ ما بي سوى الصَّفراءِ
وأطالَ في أوصافِه، فعذَرْتُهُفي جهلهِ، إذ ليسَ يعلَمُ دائي
قُمْ يا طبيبُ فليسَ طِبُّكَ كاشفاًضُرِّي ولا هذا الدَّواءُ دوائي
وقوله:
غدَرَ الزَّمانُ بنا فغَيَّرَ وُدَّهمَنْ كانَ يُعرَفُ بالصَّفاء إخاؤُهُ
وإذا حكَتْ أفعالُهُمْ أفعالَهُفهو الزَّمانُ وكلُّهُم أبناؤُهُ
وكذاكَ عادتُهُ وعادةُ أهلهِفمُريدُ صِدقهما يطولُ عناؤه
فلأصبِرَنَّ على أليم سِهامِهوسهامه وإن استمرَّ بلاؤه
الألف وقوله:
صَدَّ الهوى عنّي فواصَلَني الأسىوخَفيتُ حتّى ما أَبينُ من الضَّنا
ويُطيلُ عَذْلي جاهلٌ أنَّ الهوىليست تجوزُ عليه أحكامُ النُّهى
ومن الدَّليل على اقتِداريَ أنَّنيأرضى من التَّسويف ما لا يُرْتَضى
وقوله:
أَأَحْبابَنا كنتُ أرجو اللِّقاوآمُلُ أَلاّ تَشُطَّ النَّوى
فقد حال من دون ذاكَ الزَّمانُوطالَ طالَ عليَّ المدى
ومُضمَرُ حُبِّكُمُ لا يُذاعُفلا تَعكِسوا لفظَه في الحَشا
الباء
قالت رأيتُكَ لمْ تَشِبْوالشَّيبُ يُسرِعُ في المُحِبِّ
فأجَبْتُها يا هذهما الذَّنْبُ إنْ أَنْصَفْتِ ذَنبي
أنتِ التي عَوَّقْتِ جَيْشَ الشَّيبِ عن رأسي بقلبي
وقوله:
وقائلَةٍ ما بالُ ليلِكَ ساهراًوقد نامَ فيه كلُّ ذي شَجَنٍ صَبِّ
فقلتُ لها كيف السَّبيلُ إلى الكَرىوفي بلدةٍ جسمي وفي غيرها قلبي
الثاء وقوله:
تُرى مَجْمَعُ الحَيِّ الذينَ صحِبتُهُمْعلى عهدِنا أمْ غَيَّرَتْهُ الحوادثُ
وهل يَبرُدُ الشَّوقَ الذي ضَرَّمَ الحشابنار الأسى أنْ يَنْفُثَ البَثَّ نافِثُ
وهل يرجِعَنْ ذاكَ الزَّمانُ وطِيبُهوأيَّامُهُ المُسْتَعْذَباتُ الدَّمائثُ
الجيم وله:
لا تسْتَعِنْ إلاّ الإلهَ فإنَّهُعَونُ الضَّعيفِ ومُستَجارُ اللاّجي
ومتى عَرَتْكَ من الخُطوبِ مُلِمَّةٌفدفعتَها بالله كنتَ النّاجي
هو عُدَّتي في كلِّ يومِ كريهةٍومَلاذ آمالي ومَولى حاجي
وقوله:
يا هِمَّةً ألحِقَتْ بالشَّمسِ غايتُهالمّا تناهَتْ بها في أَوْجِها الدَّرَجُ
سئمتُ منكِ ومن جَدٍّ لنا تَعِسٍكم ذا العناءُ فلا موتٌ ولا فرَجُ
الحاء وقوله:
قد أوسَعَ اللهُ البلادَ ولِلفتىإلى بعضِها عن بعضِها مُتَزَحْزَحُ
فخَلِّ الهُوَينَى إنَّها شَرُّ مركَبٍودونَكَ صعبَ الأمر فالصَّعبُ أَنجَحُ
فإنْ نِلتَ ما تَهوَى فذاكَ، وإنْ تَمُتْفلَلموتُ خيرٌ للكريم وأَرْوَحُ
الدال وقوله:
يا مُخلِفي ما كانَ من وَعْدِومُعَذِّبي بالهَجر والصَّدِّ
كالشَّمس أنتَ ودونَ وَصلِكَ ليكمسيرها يوماً من البعد
وقوله:
أنا في حُبِّكَ يا مَوْلايَ في قُربي وبُعدي
مثلَما كنتُ وَودّيلكَ في الحالين ودّي
وقوله:
سلوت عنكم لأني في محبتكمما فزت إلا بتسويف وترديد
ولا ظفرت بشئ من نوالكمغير المنى وأكاذيب المواعيد
وقوله:
ألا يا ساحِرَ الطَّرفِمتى تُنجِزُنا المَوعِدْ
فمَنْ حرَّمَ أنْ تَرْحَمَ مَنْ يَهواكَ أو تُسْعِدْ
الراء وقوله:
يا مريضَ الوَعدِ والنَّظَرِأنتَ مِنْ وعَدي على خطَرِ
خُذْ بقلبي كم تُعَذِّبُهبأليمِ الشَّوقِ والفِكَرِ
جُدْ بنَومي كمْ تُشَرِّدُهُوتُعَنِّي العينَ بالسَّهَرِ
وقوله:
إذا ضاقَ صدرِيَ بالعاذلاتوحرَّقني الشَّوقُ في نارهِ
وناديتُ هيهاتَ منِّي الحبيبُوهيهاتَ داريَ من دارهِ
رجعتُ إلى الله رَبِّ العبادوأحسنتُ ظَنِّي بإقرارِه
وقوله:
أبا حَسَنٍ جزاكَ اللهُ خَيراًفقد أَوليتَ إحساناً كثيرا
صَحِبْتُ خلائقاً لكَ زاهِراتٍنجوماً في المعالي بل بُدورا
خلائقَ لو مزجتَ البحرَ يوماًبها لَغَدا بها عَذْباً نَميرا
وقوله:
مَنْ كانَ يشكو مِنْ أَحِبَّتِهِهَجراً فلستُ بمُشْتَكٍ هَجْرا
سمحوا فما سمحَ الزَّمانُ بهمووَفَوا ففَرَّقَ بينَنا غَدْرا
فَلأُوسِعَنَّ مَذَمَّةً زَمنيولأُوسِعَنَّ أحِبَّتي عُذرا
وقوله:
ولمّا رأيتُ المالَ كالظِّلِّ زائلاًومَيلَ بني الدُّنيا إلى جانبِ الغَدْرِ
أَنِفْتُ من الحِرْصِ الدَّنِيِّ تَقُنَّعاًوأَقعدَني خُبري بضُرِّي على قَتْر
فلمّا تَعَفَّفنا نُسِبْنا إلى الغِنىولمّا تَقَّبَضْنا نُسِبْنا إلى كِبْرِ
وقوله:
قالوا نراكَ ببيتٍ واحدٍ ولقدْتضيقُ عنكَ على رُحْبٍ بها الحُجَرُ
فقلتُ ذاكَ على قدري ورفعتهدليلُ صِدقٍ إذا ما أُنعِمَ النَّظَرُ
كُلٌّ منَ السَّبْع بالبيتين مُشتهِرٌوخُصَّ بالفرد منها الشَّمسُ والقمرُ
كذا الجوارحُ من فَضلٍ ومن شرَفٍيَحُلُّ أَضْيَقُهُنَّ السَّمعُ والبصرُ
وقوله:
قالوا اصْطَبِرْ تَحْظَ بما ترتجيوالحُرُّ من شيمته الصَّبرُ
وقد تصبَّرْتُ ولكِنَّنيأخافُ أنْ لا يصبرَ العُمْرُ
وقوله:
وبِيضٍ أَوانس عُلِّقْتُهُنَّمثلَ الغصونِ إذا تُثمِرُ
شَكَونَ من الوَجْدِ ما أَشتكيهوأَضمَرْنَ منه كما أُضْمِر
ولكنَّهنَّ منعنَ الوِصالَحِذارَ الرَّقيبِ الذي أَحذَرُ
الزاي وقوله في العِذار:
ومُهَفْهَفٍ يُردي بصارِمِ لحظِهِمَنْ غَرَّهُ طمَعٌ بضَعف جِهازِهِ
كم واثقٍ بفؤاده في صَبرهِعنه ففرَّ الصَّبرُ عندَ بِرازِهِ
كمُلَتْ مَحاسِنُهُ بخَطِّ عِذارِهِوالثوبُ يَكمُلُ حُسنُه بطِرازِهِ
السين وقوله:
قصرْتُ رَجائي على خالقيومَنْ يرتجِ اللهَ لَنْ يَيأَسا
عسى لطفُهُ كاشِفاً كُربَتيكما كشَفَ الكربَ عن يونُسا
وقوله:
من شاءَ أنْ يعرف ما قدرُهعندَ الغَواني شائِبَ الراسِ
فلْيَعتَرِضْ سوداءَ نُوبِيَّةًكالقِرْدِ في حُجرة نَخّاس
فكيف لو رامَ بها كاعِباًسمراء تَحكي غُصنَ الآس
أو وَردَةً، تُحسَبُ من حُسنِهاحُوريَّةً وهي من النّاس
إذاً لراحَ الشيخُ من كلِّ ماوسوسَ في الصَّدر على ياس
لا سيَّما إنْ حسَّنَتْ شيبَهُفي عينِها حالةُ إفلاس
وقوله:
ورائقِ الحُسنِ لا انحرافَ لهعن التَّجافي وقِلَّة الأُنسِ
خليفةَ البدر في الكمال إذاأمرضَهُ الإجتماعُ بالشَّمس
الصاد وقوله:
جوارحي قد أصبحت كلُّهاناقصةً عن عهدها ناكِصَه
فليتَ روحي وبها مُسْكَةٌمن عنَتِ الدُّنيا غدَتْ خالصه
الطاء وقوله في الخريطة " مُعَمَّى ":
وحافظَةٍ للسرِّ ما شئتَ حِفظَهمَسيحيَّةٌ ما شرَّفَتْ بِيعَةً قَطُّ
ومن جنسها فيها ذوائبُ أربَعٌفما شَعِثَتْ يوماً ولا مَسَّها مشْطُ
الظاء وقوله:
وكتابٍ نزَّهْتُ طَرفِيَ فيهمالكٍ للقلوبِ والألحاظِ
ذي فنونٍ كأَنَّهُ زَهَرُ الرَّوْضةِ، عَذبِ الأغراضِ والألفاظ
فتراهُ يُصبي الحليمَ وقد كان أراهُ فظاظَةَ الوُعَّاظِ
العين وقوله يرثي والده:
لمثلِها كنتُ أصونُ الدُّموعْفلْتذرِفِ العينُ ويَنْأَ الهُجوعْ
وإنْ يَغِضْ ما فاضَ من أَدْمُعيمَزَجْتُهُ من مُهجَتي بالنَّجيعْ
قد كنتَ نجماً هادياً فالورىفي حَيرَةٍ منذُ هجرتَ الطُّلوع
وقوله:
لم يدرِ ما طعمُ الفِراقِ المُوجِعِمَنْ لم يَبِنْ عن إلْفِهِ ويُوَدِّعِ
هيهاتَ وَصْلُ العامرِيَّةِ بعد ماحلَّتْ بوادٍ من سَبيعةَ مُسْبِعِ
بيضاء فاترة اللِّحاظِ إذا مَشَتْماسَتْ كغُصنِ البانَةِ المُترعرِعِ
وتبرْقَعَتْ خَفراً فتَمَّ جمالُهالا يُستَرُ الصُّبحُ المنيرُ ببُرقُعِ
لو أنها زارتْ وغابَ وُشاتُهانَمَّ النَّسيمُ بنَشرها المُتَضَوِّعِ
وتَصيدُني بحِبالَتينِ: حِبالَةٍمن ناظري، وحِبالَةٍ مِن مِسمَعي
لا نلتقي إلاّ بجسمٍ ناحِلٍأبداً وقلبٍ بالفراق مُروَّعِ
أبكي إذا بعُدَتْ فإنْ دنَتِ النَّوىيوماً جرَتْ خوفَ التَّفرُّقِ أدمُعي
ومنها:
لو أنَّ عينك أبصرت ما في الحشاعند اذّكار فراقهمْ لم تهجَعِ
وعلمتَ أَنِّي لا أخونُ ولا أُرىإلاّ على شرف الوفاء الأرفَعِ
مِن شيمتي حِفظُ الوِدادِ وصَوْنُهُلا شيمةِ المُتَمَوِّهِ المُتَصَنِّعِ
وافٍ إذا غدرَ اللِّئامُ، مُكاثِرٌعدد الكرام بعَزْمَةٍ لمْ تُصرَعِ
وقوله:
كتبتُ إليكَ كَلاكَ الإلهُبحِفظٍ وأحسنَ فيكَ الصَّنيعا
وعنديَ مِن بعدِكم لوعَةٌتُقيمُ الضُّلوعَ وتَمري الدُّموعا
واسأَل مَن قد قضى بالفراقِ، قُرباً يَسُرُّ وشَمْلاً جميعا
الغين وقوله في الحكمة والقناعة:
للهِ أَمرٌ لا يُغالِبُهفي الرِّزْقِ يَقدِرْهُ ويُسْبِغهُ
فاقْنَعْ بأَيسر ما به قنع المُجتازُ من زادٍ يبلِّغُهُ
الناسُ في الدُّنيا على سَعَةٍفعليكَ ما التَّقوى تُسَوِّغُهُ
الفاء وقوله:
ومُرهَفِ الخَصرِ عَذْب اللَّفظِ ما نظرتعيناه إلاّ إلى صَبٍّ به كَلِفِ
لا يَصدقُ القولَ في صَدٍّ ولا صِلَةٍولا يدوم على وُدٍّ ولا شَنَفِ
كالظَّبي لولا الذي بالظبي من خَنَسٍوالبدر لولا الذي بالبدر مِنْ كَلَفِ
شبَّهْتُهُ في اعتدال القَدِّ بالألِفِوبالقضيب قضيب البانَةِ القَصِفِ
وما تجَمَّعَ نَوْرُ الأرضِ في غصُنٍولا أُجِمَّتْ مياهُ الحسن في ألِفِ
وقوله في التوكُّل:
لي في التوَكُّلِ مذهَبٌلا أستطيع له خِلافا
أرجو القويَّ ولستُ أَرْجو من بني الدُّنيا ضِعافا
ما لي رجاءٌ في سواهُ إذا الزَّمانُ عليَّ حافا
إنِّي جعلتُ توكُّليأمني إذا ما القلبُ خافا
وقوله يرثي أباه:
طَرفِيَ مِنْ بعدِكَ مَطروفُودَمعُهُ للبينِ مَذروفُ
يلومني الناس على أنَّنيبطول حُزني بكَ مَشعوفُ
والدَّمع لا يمنعُ من فَيضِهِعَذْلٌ ولا يَردَعُ تعنيفُ
فلْيجزَعِ النّاسُ عليه فقدأسلمهمْ لِلُّجَّةِ السَّيفُ
لا يُنكَرُ المُنكَرُ مِنْ بعدِهفيهم ولا يُعرَفُ مَعروفُ
وقوله:
للوصل بعد الصَّدِّ فضلٌ، من درىكيف الغرامُ فليسَ عنه بخاف
وإذا الفتى لم يلقَ يوماً جفوةًهانتْ عليه فضيلةُ الإنصافِ
القاف وقوله:
لا تَعذُلاني في اشتياقيودَعا دُموعي والمآقي
قد ضاقَ صدري بالشَّتاتِ وعِيلَ صبري بالفراق
وأشَدُّ مِمّا بِتُّ فيهِ من غَرامٍ واشْتِياقِ
علمي بأنَّكَ تشتكيما بي وتلقى ما أُلاقي
وقوله:
لا يَزَعْكَ العُذَّالُ عن طلبِ المَجْدِ ولا يَطَّبيكَ عَيشٌ أَنيقُ
وارْكَبِ الليلَ إنْ نهى عنه جُبْنٌفمُعاني السُّرى بنُجْحٍ حَقيقُ
رُبَّ جهلٍ أَدنى إلى النُّجْحِ مِنْ حِلْمٍ إذا ما أَعانَهُ التَّوفيقُ
وقوله:
ولقد لقيْتُ الحادثاتِ فما جرىدمعي كما أجراهُ يومُ فِراقِ
وعرَفتُ أيّامَ السّرور فلم أجِدْكرُجوعِ مُشتاقٍ إلى مُشتاقِ
وقوله:
لا يَبلُغُ المخلوقُ ما هو طالبٌمن أمره إلاّ بأمر الخالقِ
ومن العجائب أن تُرى مُتَطَلِّباًرزقاً وتتبَعُ غير أمر الرّازِقِ
وقوله:
إن كان طَرفي عارماً في لحظِهِفلعفَّتي من غَيِّه إطراقُ
أو رُحْتُ في سَمَلٍ فليس بعائبٍللبِيضِ أنَّ جُفونَها أَخلاقُ
ما للزّمان يَحولُ دونَ مطالبيومناقبي في جِيدِهِ أطواقُ
إن كان يبغي الدَّهرُ إصداقي لهاوَجهي، فوفَّرَها عليه طلاقُ
والمرءُ إن نالَ السّعادةَ أنجَحَتْآمالُهُ وتيسَّرَ المُعتاقُ
ومتى تولّى عنه الحَظُّ فإنَّماخَفقُ الرِّكاب وراءه إخفاقُ
وقوله:
ليتَ شِعري متى يكونُ التّلاقيوفِراقي لِطول هذا الفِراقِ
لستُ أشكو إليكَ مثلَ الذي تشكو من الوَجْدِ ألسُنُ العشّاقِ
إنَّما يُنجِدُ الفؤادَ على الشَّوْقِ فؤادٌ خالٍ من الإشتياقِ
فإذا ما تواقفا يومَ بينٍشرِبا مُرَّهُ بكأسٍ دِهاقِ
الكاف وقوله:
ما زال يخدَعُ قلبي سِحرُ مُقلتِهِويستقيدُ له حتى تملّكَهُ
وإنَّ يوماً أراه فيه أحسِبُهأسرَّ يومٍ من الدنيا وأبركَهُ
وقوله:
يا مغاني الصِّبا بباب حُناكِلا بوادي الغضا ووادي الأراكِ
لا تَخَطَّتْكِ غادياتُ الثُّريّاإنْ تعدَّتْكِ رائحاتُ السِّماكِ
أسلفتني الأيامُ فيكَ سُروراًفاستردَّ السرورَ ما قد عراك
وعزيزٌ عليَّ أنْ حَكَمَ الدَّهْرُ على رَغْمِ ناظِري ببِلاك
بكِ وَجدي إذا النّجومُ استقلَّتْكهمومي في كَثرةٍ واشْتباكِ
وقوله:
ويومِ دَجْنٍ خانتْهُ أَنْجُمُهُفي الصّحو والغيمِ فهو مُشترَكُ
كأنّما الشمس والرّذاذ معاًفيه بكاءٌ يشوبُهُ ضحِكُ
اللام وقوله:
قولا لمولاي الذي صُدغُهُمُبلبِلٌ قلبي ببَلْبالِهِ
عبدُكَ قد أنهى إليكَ الهوىيرجوكَ أن تنظرَ في حالهِ
فإن جفا في قوله واعتدىوذاك من شيمة أمثالِهِ
فأوهِماهُ أنَّ ما قالَهُفي غيظِه ضِدٌّ لإفضالهِ
وعاوِداهُ فعسى مُهجَتييشملُها السَّعْدُ بإقبالِهِ
وقوله في الرضا والقنوع:
رَضِينا وسلَّمنا لمالِكِ أمرِناوهل يملكُ العبدُ الخيارَ على المَولى
زمَنْ لم ينَلْ من دهرهِ ما يريدُهُوحاولَ عِزّاً فالقنوعُ به أولى
وليس لِلَيْتٍ إن أطلتَ بها المُنىغَناءٌ ولا لَوٌّ تفيد ولا لولا
وقوله في ضد القناعة:
رأيتُ كثير هذا الخَلقِ يرضىلِقِلَّتِه بمَيسورٍ قليلِ
فلا تقنعْ من الأيام إلاّبلُقيا الموتِ أو حَظٍّ جَزيلِ
وقوله:
وكنتُ أُطيلُ الهَمَّ بالعزمِ كلَّماسَما وكَبا دونَ اللَّحاقِ به مالي
فَهَوَّنَ ما ألقاهُ أنِّيَ واجِدٌكِرامَ الوَرى مِثلي وحالُهُمُ حالي
فيا عَزْمُ لَمْ تُمدَدْ لِحَظٍّ فَخَلِّنيأبِتْ خالياً ممّا يمُرُّ على بالي
وقوله:
أَمِنَ المَوتِ فاجِعِي بالعرانينِ من الأهل، أم ذَهاب المالِ
أم فِراقِ الأوطانِ أم قِلَّةِ المُسْعِدِ عندَ النُّهوضِ في كلِّ حال
لست أدري من أيِّ ذلكَ أبكيليت شِعري، ما للزَّمانِ وما لي
وقوله من قصيدة:
حيِّ العُذَيْبَ وأهلَهْوارْبَعْ لديهِ وقُلْ لَهْ
لا زال فيكَ شِفاءٌلكلِّ قلبٍ مُدَلَّهْ
وابْلِغْ، هُدِيتَ، سلاميشموسَه والأهِلَّهْ
وخُصَّ بالعَذْبِ منهُواقصُر عليه أَجَلَّه
مَنْ مِلَّتي في هواهوالسَّتْرُ أحسنُ مِلَّهْ
نظرتُه وفؤاديلم يعرف الحبَّ قبله
له من الظّبي جِيدٌزانَ العُقودَ ومُقلَهْ
وقَدُّهُ غصنُ بانٍورِدْفُهُ دِعْصُ رَمْلَهْ
كأَنَّ جمرةَ خدَّيْهِ في فؤاديَ شُعلَهْ
ومنها:
كأنَّ حَظِّي سَوامٌقد أحسنَ الدَّهرُ شَلَّهْ
كأنَّني السّيفُ يَخشىحَدِّي فيَكرهُ سَلَّه
وقوله:
العِزُّ لي وطَنٌ لا الأرضُ أسكنُهاوفخريَ المجدُ لا دَثْرٌ من المالِ
وما مآثِرُ آبائي وإنْ كَرُمَتْوكان أخفضُها يعلو على العالي
بمانعاتِيَ من أُخرى أحاولُهاحتى يكونَ لها شَدِّي وتَرحالي
وكيفَ أرضى بمجدٍ ماتَ صاحبُهإن لم يُبِرَّ عليه آخَرٌ تالي
وليس يقضي فُروضي مَنْ تكلَّفَهاولا يُنَوِّهُ باسمي غير أفعالي
ومنها:
والموتُ راحةُ ما بالنفس من حُرَقٍأو رتبةٍ تنظرُ الجوزاء من عال
وما أرى نخَواتي قَطُّ تترُكُنيحتى أكونَ من الحالين في حال
الميم وقوله:
هل من سبيلٍ إلى ظَبيٍ كَلِفْتُ بهمستوطِنٍ خلَدي مُستعذِبٍ ألمي
غضبان يطرد عن عيني الكرى حَذَراًمن أن يُلِمَّ خيالٌ منه في الحلُمِ
ما زرتُ أطلب ما في الثغر من شَبَمِإلاّ رجعتُ بما في الطرف من سقَمِ
هَبْ أنَّ تعذيبَ قلبي قد أُحِلَّ لهفمن أحلَّ له أن يستبيحَ دمي
وقوله في الزهد:
إذا جانبْتُ، مقتدراً عليهاكبائر ما جنَتْ كَفُّ الأثيمِ
فلا تستكثري لمَمي فإنِّيسأَقدَمُ في الحساب على كريم
وقوله:
إلا إنَّ عُقبى لذَّةِ المرء عكسُهاإذا نام عمّا تقتضيه المكارمُ
وما لذَّتي إلاّ انتباهي لصاحبٍأُشَرِّدُ عنه همَّهُ وهو نائمُ
وقوله:
رأيتُكَ ذا بشْرٍ يروقُ لحُسنِهمتى طمِعَتْ نفسي بها ردَّها عِلمي
وما كلُّ غصنٍ راقَ نَوراً بمُثمرٍلِجانٍ، وليست كلُّ بارقَةٍ تَهمي
النون وقوله:
يا واعِدينا بالوِصالِ وبَذلِهِ كم تَمطُلونا
وتوافقون وتَغدُرونَ فتُذنِبونَ وتَعْتِبونا
وأراكُمُ لا ترحمون وباللِّقا لا تسمحونا
فبعيشكم رُدُّوا القلوبَ وأمسِكوا عنها العيونا
وقوله:
كن ساجداً للقِردِ في زمانِهومُدَّ للجاهل في عِنانِه
ودارِهِ وخَلِّه لشانِهفإنه يعثُرُ في ميدانِهِ
الهاء وقوله:
لي حبيبٌ أغارُ من كلِّ طَرفٍولِسانٍ إذا أشارَ إليه
أجمعَ النّاظِرونَ في كلِّ ظَرفٍوجَمالٍ، دونَ الأنام، عليه
وقوله:
إن تولَّتْ عنكَ دُنياكَ فلا تحزنْ عليها
إنَّما تَخرُجُ منهامثلما جئتَ إليها
وقوله في الرَّمَد:
ما رَمِدَتْ عيني ولكنَّهلمّا جفا من كنتُ أهواهُ
مزجتُ دمعي بدمي بعدّهُفاحمرَّ من دمعيَ مجراهُ
الياء وقوله:
أقصِرا مِن ملامَتي عاذِلَيّاوأقِلاّ فالوَجْدُ وقفٌ علَيّا
فرَّقَ الشَّملُ حينَ جمَّعَهُ اللَّيْلُ وضَمَّتْ يدايَ قلبي إلَيّا
واقتنصنا بدرَ السّماءِ اقتِناعاًوغَنينا من قُرطِهِ بالثُّرَيّا
واجْتنينا من خدِّهِ الوردَ غَضّاًورشفنا من الرُّضاب الحُمَيّا
صوتُ داعٍ ببينِهِم فاسْتَقَلّواواستقلَّ الفؤادُ يحدو المَطِيّا
وقوله:
إنَّ المُروَّةَ والفُتُوَّةَ عند ذي النفس الأبيَّهْ
أنْ لا يَفِرَّ عن المَخوفِ من الحِمام إلى الدَّنِيَّهْ
وأُنشِدْتُ له من قصيدةٍ نظمها عند موته وأُنشِدَت على قبره في عَزائه:
أشفقتُ من موتي ويومَ مَعاديغُصصاً أُكابدُها وقِلَّةَ زادِ
ومنها:
وخَفيتُ بعدَ ثلاثةٍ أو سبعةٍمن كاشحٍ لي أو صحيح وِدادِ
يعني به رسمَ العَزاء وهو إمّا ثلاثة أيام أو سبعة أيام:
ولقد علمت وما عملتُ، ولم أزلْتبَعاً لغيّي تاركاً لرشادي
أثقلتُ بالآثام ظهريَ عامِداًحتى رثا لي حاملو أعوادي
كم من شريفٍ ماتَ عن خلَفٍ لهفأضاعَهُ خَلْفٌ من الأولادِ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع