من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
أبو الحكم المغربي
الحكيم الأديب تاج الحكماء أبو الحكم عبيد الله بن المظفر بن عبد الله المريني المغربي صاحب عمّي الصدر الشهيد العزيز أبي نصر أحمد بن حامد بن محمد روّح الله روحه وروّض ضريحه. كان طبيب البيمارستان الذي كان يحمله أربعون جملاً في المعسكر أين خيّم وابن المرخم يحيى بن سعيد الذي صار أقضى القضاة في الأيام المقتفية ببغداد، كان فصّاداً فيه وطبيباً أيضاً وكان أبو الحكم كثير الهزل والمداعبة، دائم اللهو والمطايبة.
سمعت بعض أهل أصحاب عمّي يقول: كان يأتي إليه الغلام وما به شيء، فيريه نبضه فيقول له: تصلح لك الهريسة، وما زال يخدم ملازماً للعمّ، الى حين نزول الحادث الملم، فآلى أن لا يقيم بالعراق بعده، وآثر على قربه منها بعده، وركب مطية الغسق، الى دمشق، وأقام بها الى أن أتاه الأجل المحتوم، والقدر المعلوم.
فأقول: الحكيم أبو الحكم، حكم له بالحِكم، ولم يمنعه حكمه وحكمته، عن الجري في ميدان الهزل، والجمع في نظمه السّخيف بين الإبريسم والغزْل، ولم يميز في شعره حلاوة العمل من مرارة العزل، بل مزج السخف بالظرف، ولم يتكلف مكابدة النقد والصرف، فخلط المدح بالهجو، وشاب الكدر بالصفو، ونظمه في فنّه سلس، وللقلوب مختلس، ومقطّعاته مقطِّعات للأعراض، مفوّقات الى أغراض الأغراض، إذا جال في مضمار القريض الطويل العريض، يؤمن عثاره، ولا يشقّ غباره، وله قصائد غرّاء في مدح عمّي العزيز، صار بها من أولي التمييز، فلعلّه لم يُجِدْ في غيرها، لأجل ما يوالي عليه من خيرها، فقد استغنى في نعمته، وعرف بدولته، وتلك القصائد مع المدائح التي جمعت في العزيز، نهبت في جملة كتبه، لعن الله من جاهر بحربه، ولم يقع إليّ من شعر أبي الحكم، صاحب الحِكم، إلا جزئيات من جملة ما نظمه بدمشق لهواً، وضرب على الجد فيه عفواً، من كتاب، سماها نهج الوضاعة لأولي الخلاعة، فأثبتّ من الجزأين المقطوعين ما استطبته، وتركت ما عِبته، وكان أعارني من الجزأين ببغداد الشيخ البائع يحيى بن نزار.
فمن ذلك له قصيدة يمدح بها منير الدولة حاتم بن محسن بن نصر بن سرايا، ويصف مشروباً أهداه له في سنة أربعين وخمسمائة، وهو من نظيف نظمه:
لي أدمعٌ لا تزال منسكبهْوزفرة لا تزالُ ملتهِبهْ
على فتاة ألِفتُها فغدَتْعنّي عند الوِصال محتجبهْ
تُخجِلْ شمس الضحى إذا انتقبتوالقمرَ التمّ غير منتقبهْ
للحسن سطْر من فوقِ وجنتهافليس يقرأهُ غيرُ من كتبَهْ
فقُفْل صبري لمّا طمِعْتُ بهاأصبح من وصْلِها على خرِبَهْ
يا حبّذا ليلة لهوتُ بهاأرشفُ من برْدِ ريقها شنَبَهْ
تخاف أن يغدرَ الظّلام بنافهي لضوء الصّباح مرتقِبَهْ
ومنها في صفة المطية:
هذا وكم جبتُ مهْمَهاً قذفاعلى بعيرٍ في ظهره حدَبَهْ
ومنها في الهزل:
إذا ذُبابُ الفَلاةِ طاف بهحرّك من خوف قَرْصِه ذنَبَهْ
يأمَنُ ممّا يخافُ راكبُهلأنّه عصمةٌ لمن ركِبهْ
إن هو أرخى الزّمام أسرعَ في السسَيْر وإن رام مهلة جدبَهْ
ومنها في المديح:
ولست أعتدّ للفتى حسباًحتّى أرى في فِعاله حسبَهْ
سميّه لو غدا مساجلهفي المجدِ والمكرُماتِ ما غلبَهْ
مُبرّأ من خنًى ومن دنَسٍمطهّر الجيب سالم الجنبَهْ
تصبح من عِفّةٍ صحيفتُهمبيضّةً ليس تُتعبِ الكتبَهْ
لم يعدم الراغبون نائلهولم يضيع لقاصدٍ تعبَهْ
وكل شخص يؤمّ منزلهيقرع باباً مُبارك العتبَهْ
ما يصفُ الآن منه مادحُهأبشْرَه أم نداه، أم أدبَهْ
أعيَتْ سجاياه وصفَ مادحهوإن أجادَ المديحَ وانتخبَهْ
أهلاً بمن جاد بالعقار ومنجاء به مسرعاً ومن شربهْ
فدَيْتُ قطّافَهُ وعاصرَهومن سعى فيه وانتفى عنَبَهْ
ومن وعاهُ في دنّه زمناًواكتاله في الظّروف إذ حلبَهْ
بَني سرايا لله درّهمليس لهم بين ذا الأنام شبَهْ
من أبصر الأجنبيّ بينهميظنّه واحداً من العصبَهْ
لا مُتّ حتى أرى عدوّهممستنداً ظهرُه الى خشبَهْ
وله من قصيدة في مدح الأديب نصر الهيتي، ويوصيه فيها بمهاجرة أبي الوحش الأديب:
إذا رام قافية نظمهاغدا طوعَه سهلُها والعسيرُ
وذاك الذي شعرُه حِنطةوشِعْر سواهُ لدينا شَعيرُ
وما كمقاماتِه للبديعوليس له اليومَ فيها نظيرُ
فقد حسد الشّامُ فيه العراقَوظلّتْ به جِلّقٌ تستَنيرُ
هو ابنُ جَلا دهرِه في الخطوبوطلاّع أنجدةٍ ما يغورُ
إن استجمعتْ مشكلاتُ الأمورِ فهو الخبيرُ بها والبصيرُ
ومنها في مدحه لجودة لعبه في النّرد:
وإن ولعتْ كفّه بالفصوصفإنّ الغنيّ لديه فقيرُ
تدين الشّيوشُ له والبُنوجُوما لليُكوكِ لديه ظُهورُ
ومنها:
فيا من يظلّ لساني لهيترجم عمّا يكنّ الضمير
تجنّبْ وُحَيْشاً وإنّ الفتىعلى حتفِ من يصطفيه يدور
فأخِّرْ وِدادَك عنه فقديؤخَّرُ في رمضانَ السّحور
وله يتشوق الى ابن سهيل، وقد طالت غيبته:
وحشتي لابن سُهيلٍأسهرتني طولَ ليلي
فبه قد كان أنسيوإليه كان ميلي
كم أنادي وا شقائيبعده، وا طولَ ويْلي
كان يكتالُ لي الوِدْدَ بكيلٍ أي كيْل
فلقد طوّل بالإنعام والمعروفِ ذيْلي
لم يكن يُخلي الذي والاهُ من بِرّ ونَيل
حُقّ لي بعدكَ مماذُبْتُ أن يسقط حَيْلي
ما لدائي اليوم من طبّ ولو عاش الجُبَيلي
وله في الشريف الواسطي:
وواسطي معجب طولُهيشهد بالنّوْكِ له والخرَفْ
منتحل للشِّعر لا يرْعَويجهلاً، مدلّ بادّعاء الشّرفْ
لو قيل منْ جدّك بيّنْ لناخلّط، أو قلْ بيت شعرٍ، وقَف
وله لغز في عبد الكريم:
بمهجتي يا صاحِ أفدي الذييُميتني تفتيرُ عينَيْه
صرت له ثُلث اسمه طائعاًوهو بوصْلي ضدْ ثلثيه
كأنما وجنته إذ بدتْأنجُم خيلانٍ بخديه
هلالُ تمّ والثريّا لهمقلوب ما يشبهُ صدغَيْه
أراد أن شبيه صدغيه عقرب، ومقلوبها برقع.
وله في عبد خصي بعد مجيئه من الحج:
جاء ريحانُ من الحَجْجِ وقدأسرعَ سيرَهْ
عدم المنحوس في جلْلَق خصييه وأيره
ما أراه بعدها يطمع في جلد عميره
وله في الهزل:
إذا جاءني يوماً نعيّ أبي الوحشوأبصرته فوق الرؤوس على نعشِ
وقد جعلوا من نهر قلّوط غسلهوكفِّن في كرش وألحِدَ في حشّ
وظل لم يلقاهُ من هولِ منكرٍوشدة ضيق القبر يضرط كالجحش
بذلت لصحبي زقّ خمر وقينةوزخرفتُ داري بالنّمارق والفُرشِ
فإنْ قيلَ لي ماذا التكرّم والسّخاأقول لهم مات الوضيعُ أو الوحش
وله في الأديب أبي الوحش وقد وعده بليمو ولم ينفذه إليه:
أبا الوحش يا من غدتْ عرسهتجود بما بين أفخاذها
وعشرون مما حوى القطرميزبخلت علينا بإنْفاذها
وله من قصيدة يرثي الأمير الاسفهسلار أتابك زنكي بن آق سنقر ﵀ وهو شبيه بالهزل:
عينُ لا تذخَري الدموع وبكّيواستهلّي دماً على فقد زَنكي
لم يهب شخصَه الرّدى بعد أن كانتْ لهُ هيبة على كل تُركي
ومنها:
خير ملك ذي هيبة وبهاءٍوعظيم من الأنام بُزُرْكِ
يهَبُ المال والجياد لمن يمْمَمهُ مادحاً بغير تلكّي
رُبّ بازٍ لصيدهِ وسلوقيّ وصقرٍ وباشقٍ وبلنْكِ
ضاع من بعده وعاش غزالومَهاة وطيرُ ماءٍ وكُرْكي
ومنها:
لست أدري أمن بلادةِ حِسٍركّ شِعري أو من رخاوة فكّي
ومنها:
إنّ داراً تمدّنا بالرّزاياهي عندي أحقّ دارٍ بترْكِ
فاسكبوا فوقَ قبرِه ماءَ وردٍوانضحوه بزعفرانٍ ومسكِ
أي فتكٍ جرى له في الأعاديعندما استفتح الرّها أيّ فتْكِ
إذ رمى كل نعمةٍ بزَوالٍوانتقالٍ وكلّ سِترٍ بهتْكِ
عندما اعتاضَ أهلُها من سُعودٍبنُحوسٍ ومن حياةٍ بهُلْكِ
ويكِ نفسي أترتَجين سُلوّاًبعدما قد تمكّن الحزنُ منكِ
كل خطبٍ أتتْ به نوَبُ الدهرِ يسيرٌ بجنْبِ مصرَعِ زَنْكي
بعدما كاد أن يدينَ له الرّومُ ويحوي البلادَ من غير شكّ
له من قصيدة في الهزل:
فديتُ قَذالَه ما كان إلاله جَلد على وقْعِ الأكفّ
وأصلبُ منه رأساً ما رأيناتُقاسي ما قليلٌ منه يكفي
وكانوا كلّما صفعوه ألْفاًأبى إلا مغالطة بألفِ
ولا يرضيه منهم ذاك حتّىيحابوه ببرطاش وخفّ
وله وقد زُيِّن سوق دمشق وعُلِّق سَبُعٌ على رمح:
يا رُبّ سوقٍ مزيّن حسنجُزتُ به والنّهارُ منسلِخُ
رأيتُ من فوقِ بابه سبُعاًيدخلُ فيه الهوا فينتفخُ
وله من قطعة:
وللمنايا مواقيت مقدّرةوذاك حُكم جرى في سالف الأبدِ
ولم تزلْ أسهُمُ الأقدار صائبةولا سبيلَ الى عقلٍ ولا قوَدِ
وله من قصيدة:
ألا رُبّ وغدٍ قوّمَ الموتُ درّهكما أخرجت ضِغْنَ الشموسِ المهامزُ
وقِدْماً رأينا اللؤمَ يفضح أهلَهوتشهَد للقوم الكرام الغرائز
وفي الناس محظوظٌ سعيد ومُدبِروفيهم إذا فتّشتَ ضانٌ وماعز
وله يرثي كلباً من قصيدة:
كان ذا ألفةٍ بنا وحِفاظلم يكن فيه خصلة مذمومه
لم يزلْ دائماً يبصبِصُ للضيفِ فاعتدّ ذاك منه غنيمه
لو يباحُ الفداءُ فديناهُ بالنفسوإن لم تكن له النّفسُ قيمه
لو تأمّلتَه لراقَك حُسْناًوتمنّيت أن تكون نديمَه
إنّ هذا الزمانَ شيمتُه الغدرُقديماً والغدْرُ أقبحُ شيمَه
وله، وكان ابن منير الشاعر بشيزر، وأراد أبو الوحش الأديب السفر إليه، فسأل أبا الحكم أن يكتب أبياتاً إليه في حقه فكتب:
أبا الحسين استمعْ مقالَ فتًىعوجِل فيما يقول فارتجَلا
هذا أبو الوحش جاء ممتدِحاًللقوم نوِّهْ به إذا وصَلا
واتلُ عليهم بحُسنِ شرحِك ماتلوتَه من حديثه جُمَلا
وخبِّر القومَ أنّه رجُلما أبصرَ الناسُ مثلَه رجُلا
ينوبُ عن وصفه شمائلُهلا يبتغي غاقلٌ به بدَلا
ومنها:
وهو على خفّةٍ به أبداًمعترفٌ أنّه من الثُقَلا
يمتّ بالثّلْب والرّقاعة والسُخْفِ وأمّا بما سواهُ فلا
إن أنتَ فاتَحتَه لتُخبِر مايصدُر عنه فتحتَ منه خَلا
فسُمْه إنْ حلّ خطّة الخسف والهون ورحِّبْ به إذا انتقَلا
واسقِه السمّ إن ظفرت بهوامزجْ له من لسانكَ العسَلا
وله مقصورة هزلية في الشعراء وطردية، واقتصرت على ما كتبته.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع