تجاوز إلى المحتوى

من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)

ابنه الوزير الفقيه الحافظ القاضي أبو محمد عبد الحق ابن عطية

قرظه بأنه فرع أصل العلاء، ونبع دوح الذكاء، وهو في كل علم علم، وله في كل معرفة يد وقدم. وأورد من نظمه المستجاد ما يتضوع كباء، ويتضوح ذكاء، فمن ذلك قوله من قصيدة:

وليلة جبت فيها الجزع مرتديابالسيف أسحب أذيالا من الظلم
والنجم حيران في بحر الدجى غرقوالبرق فوق رداء الليل كالعلم
كأنما الليل زنجي بكاهلهجرح فيثعب أحيانا له بدم

وله يتخلق بأخلاق الشيب قبل المشيب من قطعة:

سقيا لعهد شباب ظلت أمرح فيريعانه وليالي العيش أسحار
ايام روض الصبا لم تذو أغصنهورونق العمر غض والهوى جار
والنفس تركض من تضمير شرتهاطرفا له في رهان الفتك إحضار
عهدا كريما لبسنا منه أرديةكانت عيونا ومحت وهي آثار
مضى وأبقى بقلبي منه نار أسىكوني سلاما وبردا فيه يا نار

وله في الأمير عبد الله ابن مزدلي وقد قفل منصورا في بعض غزواته:

ضاءت بنور إيابك الأيامفاعتز تحت لوائك الإسلام
أما الجميع ففي أعم مسرةلما انجلى بظهورك الاظلام
للشاعر ابن عطية الأندلسي، من قصيدة «ضاءت بنور غيابك الأيامُ»

ومنها:

كم صدمة لك في العدى مشهورةغصّ العراق بذكرها والشام
في مأزق فيه الأسنة والظبيبرق ونقع العاديات غمام
للشاعر ابن عطية الأندلسي، من قصيدة «ضاءت بنور غيابك الأيامُ»
والضرب قد صبغ النصول كأنمايجري على ماء الحديد ضرام
للشاعر ابن عطية الأندلسي، من قصيدة «ضاءت بنور غيابك الأيامُ»
والطعن يبتعث النجيع كأنماينشق عن زهر الشقيق كمام
للشاعر ابن عطية الأندلسي، من قصيدة «ضاءت بنور غيابك الأيامُ»

وله يصف روضا ونرجسا غضا:

نرجس باكرت منه روضةلذّ قطع الروض فيها وعذب
للشاعر ابن عطية الأندلسي، من قصيدة «نرجس باكرتُ منه روضةَ»
حثّت الريح بها خمر حيارقص النبت لها ثم شرب
للشاعر ابن عطية الأندلسي، من قصيدة «نرجس باكرتُ منه روضةَ»
فغدا يسفر عن وجنتهنوره الغض ويهتز طرب
للشاعر ابن عطية الأندلسي، من قصيدة «نرجس باكرتُ منه روضةَ»
خلت لمع الشمس في مشرقهلهبا يحمله منه لهب
للشاعر ابن عطية الأندلسي، من قصيدة «نرجس باكرتُ منه روضةَ»
وبياض الطل في صفرتهنقط الفضّة في خط الذهب
للشاعر ابن عطية الأندلسي، من قصيدة «نرجس باكرتُ منه روضةَ»

ومن نثره:

فأول ما أقول في شكره الذي أفعم الأفق طيبا، وأسمع الصم خطيا واعتقادك في جهتي أن الوشاة أثنوا بالذي عابوا، وصافت سهامهم فما أصابوا، الغواة لا يتركون أديما صحيحا، ولا يدرون في المعالي رأيا رجيحا، بل يتسنمون إلى ذوائب الشرف بالأذى، ويطرقون المشارب الزرق الجمام بالقذى، فإن ألفوا مهزا، أوصادفوا الشفرة محزا، سدوا وألجموا وصرخوا بالغضاضة وهيمنوا، وأي حيلة فيمن يخلق مايقول، وإني بالخلاصة والسلامة من الناس شيء ما إليه سبيل، وما زلت مذ صحبت الأمجاد، وثافنت الحساد، أجعل هذه الأمور دبر الأذن، وأقنع لها بابلاء التجارب والفتن، علما بأن سري سيبينه اطراد الإعلان، وأن قول الغوي ستفضحه شواهد الامتحان، وبأواخر الأمور يقضى للأوائل، والله عز وجهه عند لسان كل قائل، ولو تتبعت كل وشاية بالتكذيب، وأجبت كل نعيق ونعيب، لما اتسع لغير ذلك العمر، ولا استراح من وساوسه الفكر، وعياذا أن يخفى الصواب بين عهدك الوفي، وظنك الألمعي، وتثبتك الشرعي، والله تعالى يعمر بالسؤدد ريعك، ويوسع بحمل أثقال المعالي وأعبائها ذرعك، ويجعل من كفايته ووقايته جنَّتَكَ من الزمن ودرعك.

وله من كتاب تعزيه إلى الأمير عبد الله ابن مزدلي بمصاب أخيه المستشهد: أدام الله تأييد الأمير الأجل محروسة بحسام القدر جوانبه، مكتنفة بجنن السعد مذاهبه، جارية مسرى الأنجم مراتبه، وأطال بقاءه، جابر صدوع الرئاسة عند انفصامها، وخلف سلف النفاسة وسطى نظامها، ولا زال توزن به الأوائل فيرجع، ويعارض بعزته بهيم النوائب فيصيح. كتبته من فؤاد دام، ودمع هام، ولب حائر، وقلب في جناحي طائر، ونفس يجري بذوبها النفس، ولا تفيق إلا ريثما تنتكس، بهذا الطارق المطرق، والنبأ المغص المشرق، والضارب بين مفرق الإسلام وجبينه، والمغيل في غيل الملك وعرينه، مصاب أخيك سقى الله ثراه، وضوأ بأنوار الشهادة أفقه وذراه، وبرد له بنوافح الرحمة مضجعا، وأزجى إليه الغوادي مربعا ثم مربعا، هلال ملك بادره السرار عند إبداره، ودوح مجد هصرته المنون أوان إثماره، حين مالت به الرئاسة كما اهتز الغصن تحت البارح، وافتر بابه عن شباة القارح، فإنا لله وإنا إليه راجعون تسليما فيه للقضاء المصمم، وتأسفا منه على فرد يفدي بالخميس العرمرم، ولله دره حين التقت عليه الفوارس وحمى الوطيس واشتد التداعس، وعظم المطلوب فقل المساعد، وهب من سيفه مولى نصله لا يجارد، فرأى المنية، ولا الدنية، وجرع الحمام، ولا النجاء برأس طمرة ولجام، فشمر عن أكرم ساعد وبنان، وقضى حق المهند والسنان، ولبس قلبه فوق درعه، ولم يضق بالجلاد رحيب ذرعه.

وأثبت في مستنقع الموت رجلهوقال لها من تحت أخمصك الحشر

ومضى وقد وقع على الله أجره، ورفع في عليين ذكره، وخلد في ديوان الشهادة فخره ولا غرو أن عض الزمان في غارب، فالشر لا يحسب ضربة لازب، أو أناخ كلكله مرة، فالعيش طورا شماس وطورا غرة، ومثلك، دام أمرك من حلب الدهر أشطرا، وعرف الأيام بطونا وأظهرا، وخبر امتزاج النعم بالنوائب، وغني بفهم التجارب، يرغم بجميل الصبر أنف الحادث، ويفل بلامة الجلد جد الكارث، ويعلم أن الدهر وإن سر حينا فهمه ناصب، والدنيا إذا أخضر منها جانب جف جانب، فأنت أعلى الله يدك أثقف قناة، وأصلد صفاة، وأصلب على البري عودا، وأثقب مع الوري زنودا، من أن يضعضع الريب لهضبة عزمك ركنا، أو يعمر الخطب بساحة حلمك مغني، أو يقذف الدهر عليك بصرف، أو يبدع إلا بسجية وعرف لا يعتب الجازع الزمن، ولا يرد الفائت الحزن، والله ﷿ يلم بسعدك الشعث ويرأب الشعب، ويضفي من رئاستك الذوائب ويعلي الكعب، ويذيق الذين يضاهونك هونك، ويجعل الذين يحسدونك دونك.

وله يصف فحما:

جعلوا القرى للقر فحما حالكاقدح الزناد به فأورى نارا
فبدا دبيب السقط في جنباتهكالبرق في جنح الظلام أنارا
ثم انبرى لهبا وثار كأنهفي الحرق ذو حرق يطالب ثارا
فكأنه ليل تفجر فجرهنهرا فكان على المقام نهارا

وله في الوداع:

أستودع الله من ودعته ويديعلى فؤادي خوفا من تصدّعه
بدر من الود حازته مغاربهفالنفس قد أشخصت طرفا لمطلعه
للشاعر ابن عطية الأندلسي، من قصيدة «ستودع الله من ودعته ويدي»
أتبعته بعد توديعي له نظراإنسانه غرق في بحر أدمعه
للشاعر ابن عطية الأندلسي، من قصيدة «ستودع الله من ودعته ويدي»
ما أوجع البين في قلب الكريم غدايفارق المجد في ثوبي مودّعه
للشاعر ابن عطية الأندلسي، من قصيدة «ستودع الله من ودعته ويدي»
يذيقه البين تعذيبا ويمنعهمن أن يطير شعاعا أسر أضلعه
يسطو به البين مغلوبا فليس سوىتململ في فراش من تفجعه
للشاعر ابن عطية الأندلسي، من قصيدة «ستودع الله من ودعته ويدي»

وله يصف الزمان وأهله:

داء الزمان وأهلهداء يعزّ له العلاج
للشاعر ابن عطية الأندلسي، من قصيدة «داء الزمان وأهله»
أطلعت في ظلماتهودّا كما سطع السراج
لصحابة أعيا ثقافي من قناتهم اعوجاج
للشاعر ابن عطية الأندلسي، من قصيدة «داء الزمان وأهله»
كالدر ما لم تختبرفإذا اختبرت فهم زجاج
للشاعر ابن عطية الأندلسي، من قصيدة «داء الزمان وأهله»

ومن مكاتبة له: لا زال منهلّ سحاب العدل، ممتدّ أطناب الظل، مخضر جوانب الفضل، لا يقرع باب أمل إلا ولجه، ولا يعن لما تكره النفوس من أمر إلا فرّجه. كتبته عن منبر ودك الذي لا تخبو ناره، ولا تأفل عندي شموسه وأقماره، ونظير عهدك الذي لا يخلع لبسة الكرم، ولا يزداد إلا طيبا على القدم، وعطر حمدك الذي بنوافجه أحاور وأحاضر، وبمحاسنه أباهي وأكاثر، والله تعالى يملأ بمحامدك أسماعا ويطلق ألسنا، ويبقيك للفضل عينا كريمة وأثرا حسنا، ويديم ما بيننا في ذاته زكي الفروع ثابت الأصول حصين الشّكّة مرهف النصول. ورد كتابك الكريم روضة الحزن، غب المزن، وحديقة الزهر، تبسمت لوفد المطر، تتجارى إلى محاسنه العين والنفس، ويترقرق من خلاله الأنس، فانتهيت منه إلى ما ما يقتضي رضى وتسليما، ويسر كما سمي اللديع سليما أطل عليهم إطلال الفجر على الظلام، وأخذ هنالك بضبع الإسلام، وأقام مرة كالحية النضناض، وطورا كالأسد القضقاض، يسرب إلى محلتهم من يضرم نار الحرب في أكنافها، ويأتي أرضهم ينقضها من أطرافها، ولولاه ما علا هنالك للإسلام اسم، ولا حيي للمدافعة رسم ولا لاح للمكافحة وسم، ولا عنّ لتلك العلل المجهولة على تلك الأقطار جسم، ولكنه ركب صعب الأهوال وصدق الصيال، وهي أقطار أن لم تقم القوة منها ميلا وجنفا، ويستعمل الجد لها نظرا أنفا، وإلا فعقدها بمدرج نثار، وهي في طريق انتكاث وعثار، والله يكفي المسلمين فيها، وينعم عليهم بتلافيها.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خريدة القصر: أقسام أخرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.