من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
الفقيه الأستاذ أبو محمد عبد الله بن محمد ابن السيد البطليوسي
ذكر أنه رَكن في آخر زمانه إلى إقراء علوم النحو، وإثبات ما عفت منه يد المحو، والقناعة بشكر الحظ بعد الصحو، وأورد من كلامه، ما يجلو عن الليل بسناه دجى ظلامه، فمن ذلك قوله في طول الليل:
ترى ليلنا شابت نواصيه كبرةكما شبت، أم في الجو روض بهار
كأن الليالي السبع في الأفق علقتولا فصل فيها بينها لنهار
وله رقعة يصف فيها كتاب قلائد العقيان: تأملت كتابه الذي شرع في إنشائه، فرأيت كتابا ينجد ويغور، ويبلغ حيث لا يبلغ البدور، وتبين به الذرى والمناسم، وتغتدي له غرر في أوجه ومواسم، فقد أسجد الله الكلام لكلامك، وجعل النيرات طوع أقلامك، فأنت تهدي بنجومها، وتردي برجومها، فالنثرة من نثرك، والشعري من شعرك، والبلغاء لك معترفون، وبين يديك متصرفون، وليس يباريك مبار، ولا يجاريك إلى الغاية مجار، إلا وقف حسيرا، وسبقت ودعي أخيرا، وتقدمت لا عدمت شفوفا، ولا برح مكانك بالآمال محفوقا. وله في وصف زيرطانة:
وذات عمى لها طرف بصيرإذا رمدت فأبصر ما تكون
لها من غيرها نفس معاروناظرها لدى الأبصار طين
وتبطش باليمين إذا أردناوليس لها إذا بطشت يمين
وله يجيب شاعرا قرطيبا:
قل للذي غاص في بحر من الفكربذهنه فحوى ما شاء من درر
لله عذراء زفّت منك رائحةتختال من حبرها المرقوم في حبر
صداقها الصدق من ودي ومنزلهابصيرتي وسواد القلب والبصر
هزّت بدائعها عطفيَّ من طربلحسنها هزّة المشغوف بالذكر
كأنما خامرتني من بشاشتهاراح وسكر بلا راح ولا سكر
ما كنت أحسب أن النيرات غدتبصيدها شرك الأوهام والفطر
ولا توهّمت أيام الربيع ترىفي ناضر غضّة الأنوار والزهر
أما الجزاء بشيء لست مدركهولو بدرت إلى التوجيه بالبدر
لكن جزائي صفاء الود أضمرهإذا القلوب انطوت منه على كدر
جاراك ذهني في مضمارك فكباذهني وفزت بخصل السبق والظفر
وهل بطليوس في نظم مناظرةيوما لقرطبة في حكم ذي نظر
وله من مكاتبة: نحن نتدانى إخلاصا، وإن كنا نتناءى أشخاصا، ويجمعنا الأدب، وإن فرقنا النسب، فالأشكال أقارب، والأداب مناسب، وليس يضر تنائي الأشباح، مع تقارب الأرواح، وما مثلنا في هذا الانتظام، إلا كما قال أبو تمام:
نسيبي في رأيي وعلمي ومذهبيوإن باعدتنا في الأصول المناسب
وله في الزهد:
وما دارنا إلا موات لو أننانفكر والأخرى هي الحيوان
شربنا بها عزّا بدون جهالةوشتان عز للفتى وهوان
وله من قصيدة يمدح المستعين ابن هود:
هم سلبوني حسن صبري إذ بانوابأقمار أطواق مطالعها بان
لئن غادروني في اللوى إنّ مهجتيمسائرة أضغانهم أينما كانوا
سقى عهدهم بالخيف عهد غمائمينازعها مزن من الدمع هتّان
أأحبابنا هل ذلك العهد راجعوهل لي عنكم آخر الدهر سلوان
ولي مقلة عبري وبين جوانحيفؤادٌ إلى لقياكم الدهر حنّان
تنكّرت الدنيا لنا بعد بعدكموحفت بنا من معضل الخطب ألوان
ومنها:
رحلنا سوام الحمد عنها بغيرهافلا ماؤها صدَّا ولا النبت سعدان
إلى ملك حاباه بالمجد يوسفوشاد له البيت الرفيع سليمان
إلى مستعين بالإلاه مؤيدله النصر حزب والمقادير أعوان
بوجه ابن هود كلما عرض الورىصحيفة إقبال لها البشر عنوان
فتى المجد في برديه بدر وضيغموبحر وقدس ذو الهضاب وثهلان
من النفر البيض الذين أكفهمغيوث ولكن الخواطر نيران
ليوث شرى ما زال منهم لدى الوغىهزبر بيمناه من السمر ثعبان
وله يعزّي الوزير أبا عيسى ابن لبون في أخيه:
للمرء في أيامه عبرولصفو يحدث بعده كدر
خرس الزمان لمن تأمّلهنطق وخبر صروفه خبر
نادى فأسمع لو وعت أذنوأرى العواقب لورأى بصر
كم قال: خبّوا طالما هجعتمنكم عيون حقها السهر
أبأذن من هو مبصري صممأم قلب من هو سامعي حجر
لولا عماكم عن هدى نذريومواعظي ما جاءت النذر
هذي مصارع معشر هلكواووعظتكم بالصمت فاعتبروا
ومنها في الشيب:
قالت أرى ليل الشباب بدتللشيب فيه أنجم زهر
فأجبتها: لا تكثري عجبامن شيبة لم يجنها كبر
بكن طويت من الهموم لظىأضحى لها في عارضي شرر
ومنها:
حسنت شمائلكم وأوجهكمفتطابقا مرأى ومختبر
والحسن في صور النفوس وإنراقتك من أجسامها الصور
لا ضعضعت أيدي الخطوب لكمركنا ولا راعتكم الغير
وله في وصف فرس:
وأدهم من آل الوجيه ولاحقله الليل لون والصباح حجول
تحيّر ماء الحسن فوق أديمهفلولا التهاب الخضر ظل يسيل
كأن هلال الأفق لاح بوجههفأعيننا شوقا إليه تميل
كأنّ الرياح العاصفات تقلّهإذا ابتلّ منه محزم وتليل
إذا عابد الرحمان في متنه علابدا الزهو في العطفين منه يجول
فمن رام تشبيها له قال موجزاوإن كان وصف الحسن منه يطول
هو الفلك الدوار في صهواتهلبدر الدياجي مطلع وأفول
وله يتشوق حرسها الله تعالى:
أمكّة تفديك النفوس الكرائمولا برحت تنهل فيك الغمائم
وكفت أكفّ السوء عنك وبلغّتمناها قلوب في ثراك حوائم
فإنّك بيت الله والحرم الذيلعزّته ذل الملوك الأعاظم
وقد رفعت منك القواعد بالتقىوشادتك أيد برّة وعواصم
وساويت في الفضل المقام كلاهماينال به الزلفي وتمحى المآثم
ومن أين تعدوك الفضائل كلهاوفيك مقامات الهدى والمعالم
ومبعث من ساد الورى وحوى العلىبمولده عبد الإلاه وهاشم
نبي حوى فضل النبيين واغتدىلهم أولا في فضله وهو خاتم
وفيك يمين الله يلثمها الورىكما يلثم اليمنى من الملك لاثم
وفيك إبراهيم إذ وطيء الصفاضحى قدم برهانها متقادم
دعا دعوة فوق الصَّفا فأجابهقطوف من الفج العميق وراسم
فاعجب بدعوى لم تلج مسمعي فتىولم يعها إلا ذكيّ وعالم
ألهفي لأقدار عدت عنك همّتيفلم تنتهض مني إليك العزائم
فياليت شعري هل أرى منك داعياإذا جأرَتْ لله فيك الغماغم
وهل تمحون عني خطايا اقترفتهاخطى فيك لي أو يَعْمُلاتٍ رواسم
وهل لي من سقيا حجيجك شربةومن زمزم يروي بها النفس حائم
وهل لي في أجر الملبين مقسمإذا بذلت للناس فيك المقاسم
وكم زار مغناك المعظم مجرمفحطت به عنه الخطايا العظائم
ومن أين لا يضحي مرجيك آمناوقد أمنت فيك المها والحمائم
لئن فاتني منك الذي أنا رائمفإن هوى نفسي عليك لرائم
وإن يحمني حامي المقادير مقدماعليك فإني بالفؤاد لقادم
عليك سلام الله ما طاف طائفبكعبتك العليا وما قام قائم
إذا نسم لم يهد عني تحيةإليك فتهديها الرياح النواسم
أعوذ بمن أسناك من شر خلقهونفسي فما منها سوى الله عاصم
وأهدي صلاتي والسلام لأحمدلعليّ به من كبّة النار سالم
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع