تجاوز إلى المحتوى

من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)

الفقيه الحافظ القاضي أبو الفضل عياض بن موسى ابن عياض

توفي بفاس سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة. وصفه بالاعتناء بعلوم الشريعة، واختصاصه برتبتها الرفعية، والانتباه للنباهة، والاتجاه للوجاهة، وكان كبير الشان، غزير البيان، وأورد من نثره رقعة ذكر أنه كتبها على يدي تحية للرئيس أبي عبد الرحمن ابن طاهر وهي: عمادي أبا نصر، مثنى الوزارة وحيد العصر، هل لك في منة تفوت الحصر، تخف محملا، وتبلغ أملا، وتشكر قولا وعملا، شكرا تترنم به الحداة ثقيلاً ورملا، إذا بلغت الحضرة مسلما، ولقيت الطاهر ابن الطاهر فخر الوزارة مسلما، وحللت من فنائه الأرحب حرما، ولمست بمصافحته ركن المجد يندي كرما، فقف شوقي بعرفات تلك المعارف، وأنسك شكري بمشاعر تلك العوارف، وأطف إكباري بكعبة ذلك الجلال سبعا، وبوئي لودادي في مقر ذاك الكمال ربعا، وأبلغ عني تلك الفضائل سلاما، يلتئم بصريح الحب التئاما، ويحسن عني بظهر الغيب مقاما، ويسير عني بارح الجد إنجادا وإتهاما.

وله إليه:

أبا النصر إن شدّوا رحالك للنوىفإن جميل الصبر عنك بها شدّوا
وإن تتركوا قلبي مقيما وترحلوافماذا ترى في مهجة معكم تغدو

ومن شعره قوله:

عسى تعرف العلياء ذنبي إلى الدهرفأبدي له جهد اعترافي أو عذري
فقد حال ما بيني وبين أحبةألفتهم إلف الخمائل للقطر
هم أودعوا قلبي تباريح لوعةبنانهم أذكى وأنكى من الجمر
على أن لي سلوى بأنّ فراقهمفإن طال لم يمزج بصد ولا هجر
سأفزع للريح الشمال لعلّنيأحمّلها نجوى تلجلج في صدري
تبلغ منها للوزير تحيةمعطرة الأرجاء دائمة النشر
تظلله من حر كل هجيرةوتؤنسه في وحشة البلد القفر
وتنبئه أني أكنّ صبابةلحسن بدا في غير شعر ولا شعر
أهزّ بها عطفيّ من غير نشوةوأرخي بها ذيلا من التيه والكبر
وإني أشدو في النّوادي بذكرهكما شدت الورقاء في الغصن النضر
أجل، وعساها أن تبلغ مهجتيفأبلي بها عذري وأقضي بها نذري

وله في زروع بينها شقائق النعمان:

أنظر إلى الزرع وخاماتهتحكي وقد هبت عليها الرياح
كتيبة خضراء مهزومةشقائق النعمان فيها جراح
للشاعر القاضي عياض، اقرأ القصيدة

وله عند ارتحاله من قرطبة، أنشدني الفقيه اليسع بمصر قال أنشدني القاضي عياض لنفسه:

أقول وقد جدّ ارتحالي وغرّدتحداتي وزمًّت للفراق ركائبي
وقد غمضت من كثرة الدمع مقلتيوصارت هواء من فؤادي ترائبي
للشاعر القاضي عياض، اقرأ القصيدة
ولم تبق إلا وقفة يستحثهاوداعيَ للأحباب لا للحبائب
رعى الله جيرانا بقرطبة العلىوجاد رباها بالعهاد السواكب
للشاعر القاضي عياض، اقرأ القصيدة
وحيَّا زمانا بينهم قد ألفتهطليق المحيا مستلان الجوانب
للشاعر القاضي عياض، اقرأ القصيدة
أإخواننا بالله فيها تذكروامعاهد جار أو مودّة صاحب
غدوت بهم من برّهم واحتفائهمكأني في أهلي وبين أقاربي
للشاعر القاضي عياض، اقرأ القصيدة

وله في لزوم ما لا يلزم المتشابه:

إذا ما نشرت بساط انبساطفعنه فديتك فاطو المزاحا
فإنّ المزاح كما قد حكىأو لو العلم قبل عن العلم زاحا

أي بعد. قال صاحب قلائد العقيان: خرجنا لنزهة فلما انصرفنا أصاب غفارتي شوك شقّها فلما وصلت موضعي أمر ببعثها إليه فتأخرت وحضرت الجمعة فكتبت إليه معاتبا في توقفها: قد بقيت أعزك الله كالأسير، ولقيت التوحش بجناح كسير، إن أردت النهوض لم تنهض، وليت من لا يريش لم يهض، وقد غدوت من المقام، في مثل السقام، فلتأمر من يردها، لعلي أحضر الصلاة وأشهدها، لا زلت سريا، تطلق من يد الوحشة محبوسا بريا.

قال، فكتب في جوابه:

أدام الله يا وليي جلالك، وأبقى حليا في جيد الدهر خلالك، الغفار عند من ينر فيها، وقد بلغت غير مضيع تلافيها، ونرجو تمامها قبل الصلاة وإدراكها، وتصل مع رسولي وكأنما قد شراكها، وإن عاق عائق، فليس مع صحى الود مضائق، والعوض رائق لائق، وهو واصل، وأنت بقبوله مواصل، والسلام ما ذر شارق، وأومض بارق.

ومن شعره:

لك الخير ندي لهذا الوداع عقل يهيم وعقل يراع
يعز علينا تنائي الدياروذاك سلامك لي والوداع
لكم أمل كان لي في اللقاءوأمنية قد طواها الزماع
فلم أجن منها سوى حسرةفوجد جميع وأنس شعاع
لئن حمل القلب ما لا يطاقفما كلف الجفن لا يستطاع

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خريدة القصر: أقسام أخرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.