من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
الفقيه القاضي أبو الحسن ابن بياع
ذكر أنه صاحب وقار وسكون، وروضة أزهار وعيون، ودوحة أفنان وفنون، وبحر علم علت قيمة درره، وهطلت ديمة غرره، رواية شعر العرب ورجزها، والعارف بمطول المعاني وموجزها، وله في الطب يد حاذق، ومعرفة موفق موافق، وأورد من شعره قوله في صفة الربيع:
أبدت لنا الأيام زهرة طيبهاوتسربلت بنضيرها وعشيبها
واهتزّ عطف الدهر بعد خشوعهاوبدت بها النعماء بعد شحوبها
وتطلعت في عنفوان شبابهامن بعد ما بلغت عتيَّ مشيبها
وقفت عليه السحب وقفة راحمفبكت لها بعيونها وقلوبها
فعجبت للأزهار كيف تضاحكتببكائها وتباشرت بقطوبها
وتسربلت حللا تجر ذيولهامن لَدْمها فيها وشق جيوبها
ولقد أجاد المزن في إنجادهاوأجاد حر الشمس في تربيبها
ما أنصف الخيري يمنع طيبهلحضورها ويبيحه لمغيبها
وهي التي قامت عليه بدفئهاوتعاهدته بدرها وحليبها
فكأنّه فرض عليه موقتووجوبه متعلق بوجوبها
وعلى سماء الياسمين كواكبأبدت ذكاء العجز عن تغيبها
زهر توقد ليلها ونهارهاوتفوت شأو خسوفها وغروبها
فضلت على سير النجوم بسيرهاوسروِّها ف الخلفتين وطيبها
فتأرّجت أرجاؤها بهبوبهاوتعانقت أزهارها بنكوبها
وتصوبت فيها فروع جداولتتصاعد الأبصار في تصويبها
تطفو وترسب في أصول ثمارهاوالحسن بين طفوّها ورسوبها
فكأنما هي موحشات أساودتنساب بين نقابها ولصوبها
فأدر كؤوس الأنس في حافاتهاواجعل سديد القول في مشروبها
فحديث إخوان الصفاء لذاذةتجنى ويؤمن من حمالة حوبها
واركض إلى اللذات في ميدانهاواسبق لسد ثغورها ودروبها
أعريت خيلك صيفها وخريفهاوشتاءها هذا أوان ركوبها
أو ما ترى الأزهار ما من زهرةإلا وقد ركبت فقار قيبها
والطير قد خفقت على أفنانهاتلقي فنون الشدو في أسلوبها
تشدو وتهتز الغصون كأنماحركاتها رقص على تطريبها
وله في فتح:
كذا تصان السيوف في الخللويفخر الحظ بالقنا الذيل
وتكرم الخيل في مرابطهابر الفتاة العَرُوب بالرجل
ويعطف النبع كالحواجب أوأحنى وتُمقى السهام كالمقل
ويؤثر النثرة الكمي إذاخير بين الدروع والحلل
فتح أنارت له البلاد كماأشرفت المقربات للنهل
هدّت له الروم هدة ملأتقلوب أبطالهم من الوجل
فما أطاقوا الولوج في نفقوما أطاقوا الصعود في جبل
ألقوا بأديهم فلا سببيفرق بين القناة والبطل
فمجرءى الأسد في مرابضهاكمجرئ الغانيات في الكلل
وربما لم تقم مناصلهامقام تلك اللواحظ النجل
تغامسوا في الدروع زاخرةكي يسلموا من حرارة الأسل
فما أفادتهم الدروع سوى النقلة من خفّة إلى ثقل
كأنّهم والرماح تحفزهمجري فِصَالٍ سلكن في الوحل
جاءوا بها زغفا مضاعفةقد أخلصت بالحديد والعمل
مثل عيون الدبا فصيرهادم وطعن كأعين الحجل
هناك سل بالوزير من شهد الحرب وإن كنت شاهدا فقل
ولا تخف إن حكيت مغربةعنه مقام المكذّب الخطل
فإنه الأوحد الذي ترك الهر بلا مشبه ولا مثل
حدِّث بما شئت عنه من حسنوعظّم الأمر ثم لا تسَل
ففضله يبهر الأهلّة فيسعودها والشموس في الحمل
وذكر أنه كتب إليه مراجعا من قصيدة:
هوى منجد يلقى به الليل متهميصرّح عنه الدمع وهو مجمجم
ومنها:
لأجفانه من كل شيء مؤرقومن أين للمشتاق شيء ينوم
وليس الهوى ما الرّأي عنه مزحزحولكنه ما الرأي فيه مفخم
ومنها:
ولولا أبو نصر ولذّات أنسهتقضَّت حياتي كلها وهي علقم
فتى فتح الله المعارف باسمهومن دونه باب من الجهل مبهم
وقوله:
أرى بارقا بالأبلق الفرد يومضيذهِّب جلباب الدجى ويفضِّض
كأن سليمى من أعاليه أشرفتتمد لنا كفا خضيبا وتقبض
إذا ما توالى ومضه نفض الدجىله صبغة المسودِّ أو كاد ينفض
أرقت له والقلب يهفو هفوّهعلى أنّه منه أحرّ وأرمض
وبت أداري الشوق والشوق مقبلعليَّ وأدعو الصبر والصبر معرض
وأستنجد الدمع الأبيًّ قيادهفتنجدني منه جداول فيّض
وأعذل قلبا لا يزال يروعهسنا النار يستشري أو البرق يومض
تظنهما ثغر الحبيب وخدّهفذا ضاحك منه وذا متعرّض
إذا بلغت منك الخيالات ما أرىفأنت لماذا بالشخوص معرض
إلى أن تعرّى عن سنا الصبح سدفةكما انشق عن صفح من الماء عرمض
ومدت إلى الغرب النجوم مروعةكما نفرت عير من السيل ركَّض
وأدركها من فجأة الصبح بهتةفتحسبها فيه عيونا تمرّض
كأن الثريا والغروب يحثهالجام على رأس الدجى وهو يركض
وما تمتري في الهقعة العين أنهاعلى عاتق الجوزاء قرط مفضض
ومنها في صفة الحرب:
سل الحرب عنه والسيوف جداولتدفَّق والأرماح رقط تنضنض
وبالأرض من وقع الجياد تمددولكنه مما يروم تقبض
وبالأفق للنقع المثار سحائبمواخض لكن بالصواعق تمخض
وقد سهكت تحت الحديد من الصداجسوم بما علَّت من المسك ترحض
ومدّت إلى ورد الصدور عيونهاصدور العوالي والعيون تغمض
وأشرفت البيض الرقاق إلى الطلىلتكرع فيها والرؤوس تخفض
فلست ترى إلا دماء مراقةتخاض إلى أكباد قوم تخضخض
وقوله من أخرى:
جهلت وقد علاك الشيب أمرايقوم بعلمه الطفل الرضيع
ولولا ذاك ما قدرت أنيأنوء بحمل ما لا أستطيع
فحسبك أو فحسبي منك دهريشت بصرفه الشمل الجميع
وشوق تقتضيه نوى شطونفتقضي عنه واجبها الدموع
حملت الحب مؤتما عليهفكيف تضيع ذلك أو تذيع
لقد جشمت نفسك متلفاتبكل ثنية منها صريع
وحال الصب تخضبه دموعكحال القرن يخضبه النجيع
وقد تحمي الدروع من العواليولا تحمي من الحدق الدروع
وربّ فتى تراع الأسد منهيقنِّص قلبه الرشأ المروع
وقوله:
لهواك في قلبي كريقك في فميغيري يقول: الحب مر المطعم
فأدر علي بمقلتيك كؤوسهحتى يدبّ خماره في أعظمي
إن التلذذ في هواك تلذذلو كان أقتل من ذعاف الأرقم
أحبب بحب لا يثير ملامةملئت بمؤلمه عيون اللوم
شغل النواظر والقلوب ولم يدعمن لم يسمْه من الأنام بميسم
ومن العجائب شغل شيء واحدفي الحال أمكنه ولم يتقسم
وأقام أزمنة وليس بجوهروجرى وليس بمائع مجرى الدم
يا أيها القمر الذي إنسانهيرمي أناسا للعيون بأسهم
لم أبد حبك غير أنّ جوانحيفاضت به فيض الإناء المفعم
لا ذنب لي، علم الذي أسررتهنظرا ولم أرمق ولم أتكلم
وأمرت بالشكوى إليك وإنماينمي إلى الإنسان ما لم يعلم
ولربما لم تشكني فأماتنييأسي فذرني تحت أمر مبهم
وتلافني قبل التلاف فإننيمن حمير وسيأخذونك في دمي
الطاعنين بكل أسمر داعسوالضاربين بكلّ أبيض مخذم
والواردين الصادرين إذا الوغىلفحت بجمرتها وجوه الحوم
ولعلهم تسمو بهم هماتهمأن يدركوا في الظبي ثأر الضيغم
وزاره نفر من إخوانه فقال فيهم عند تلقيهم بإحسانه:
أهلا وسهلا بكم من سادة نجبكالذبل السمر أو كالأنجم الشهب
أجملتم وتفضلتم بزورتكموليس ينكر فضل من ذوي الحسب
أضاء منزلنا من نور أوجهكموطاب من عيشنا ما كان لم يطب
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع