من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
الأديب أبو جعفر الأعمى التطيلي
وصفه بالفهم الفائض، والذهن الدّرّاك لخفيات الغوامض، والبصيرة بأسرار المعاني بعين الإطلاع، والفكرة المستخرجة من معادن الفوائد فرائد الجواهر بيد الاضطلاع. إن فقد المرئيات لفقد ناظره، فقد أبصر مغيبات النكت بناظر خاطره، لم يفز حيا نجحه بالهطول، ولم تعز حياته بالطول، وقد أثبت له كل ما يعجب ويطرب، ويحظى به المستحلي له المستعذب. فمن ذلك قصيدة رثى بها بعض أعيان إشبيلية وقد اغتيل، ولم ير بعده إلا على عويله التعويل، فإنه كان له مفتقدا، وفي فضله معتقدا، وهي من سياراته التي بها الآفاق طنت، وارتاحت أسماع الرفاق إليها وحنت:
خذا حدّثاني عن فُلٍ وفلانلعلَّ يرى باق على الحدثان
وعن دول جسن الديار وأهلهافنين وصرف الدهر ليس بفان
وعن خرمي مصر الغداة أمُتِّعَابشرخ شباب أم هما هَرِمَان
وعن مخلتي حلوان كيف تناءتاولم تطويا كشحا على شنآن
وطال ثواء الفرقدي بغبطةأما علما أن سوف يفترقان
وزايل بين الشعريين تصرّفمن الدهر لا وانٍ ولا متوان
وإن تذهب الشعرى العبور لشأنهافإن الغظُمَيْضا في بقية شان
وجنّ سهيل بالثرايا جنونهولكن سلاه كيف يلتقيان
وهيهات من جور القضاء وعدلهشآمية ألوت بدين يمان
فأجمع عنها آخر الدهر سلوةعلى طمع خلاّة للدبران
وأعلن صرف الدهر لابنَيْ نُويرةبيوم ثناء غال كلّ تداني
وكانا كندماني جذيمة حقبةمن الدهر لو لم تنصرم لأوان
وهان دم بين الدّكادك واللِّوىوما كان في أمثالها بمهان
فضاعت دموع بات يبعثها أسىًيهيِّجه قبر بكلّ مكَان
ومال على عبس وذبيان ميلةفأودى بمجني عليه وجان
فعوجا على جفر الهباءة عوجةلضيعة أعلاق هناك ثماني
دماء جرت منها التلاع بملئهاولا دخل إلا أن جرى فرسان
وأيام حرب لا ينادي وليدهاأهاب بها في الحرب يوم رهان
فبات ربيع والكلاب تهرَّهولا مثل مود من وراء عُمان
وأنحى على ابني وائل فتهاصراغصون الردى من كرّة ولدان
تعاطى كليب فاستمر بطعنةأقامت لها الأبطال سوق طعان
وبات عديٌّ بالذنائب يصطليبنار وغى ليست بذات دخان
فذلت رقاب من رجال أعزّةإليهم تناهى عزّ كل مكان
وهبوا يلاقون الصوارم والقنابكل جبين واضح ولبان
فلا خدّ إلا فيه خَدّ مهند ولا صدر إلا فيه صدر سنان
وصال على الجونين بالشعب فانثنىبأسلاب مطلول وربقة عان
وأمضى على أبناء قيلة حكمهعلى شرس أدلوا به وليان
ولو شاء عدوان الزمان ولم يشألكان عذير الحي من عدوان
وأي قبيل لم يصدع جميعهمببكر من الأرزاء أو بعوان
خليلي أبصرت الردى وسمعتهفإن كنتما في مرية فسلاني
خُذَا من فمي هلا وسوف فإننيأرى بهما غير الذي تريان
ولا تعداني أن أعيش إلى غدلعل المنايا دون ما تعدان
أبا حسن ألق السلاح فإنهامنايا وإن قال الجهول أماني
أبا حسن إن المنايا وقيتهاإذا أتلفت لم تتبع بضمان
أبا حسن إحدى يديك رزئتهافهل لك بالصبر الجميل يدان
أبا حسن هل يدفع المرء حينّهبأيد شجاع أو بكيد جبان
أبا حسن أما أخوك فقد قضىفيا لهف نفسي ما التقى أخوان
ونبهني ناع مع الصبح كلماتشاغلت عنه عنّ لي وعناني
أغمِّض أجفاني كأني نائموقد لجت الأحشاء في الخفقان
بنفسي وأهلي أي بدر دُجنّةلستّ خلت من شهره وثمان
وأي فتى لو جاءكم في سلاحهمتى صلحت كف بغير بنان
يقولون لا تبعد ولله درهوقد حيل بين العير والنزوان
ويأبون إلا ليته ولعلّهومن أين للمقصوص بالطيران
تَوَقَّوْهُ شيئا ثم كروا وجعجعوابأروع فضفاض الرداء هجان
فتى كان يعروري الفيافيَ والدجىذوات جماح أو ذوات حران
قليل حديث النفس عما يريبهوإن لم يزل من ظنه بمكان
أبيّ فإن يتبع رضاه فمصحببعيد وإن يطلب جداه فدان
لك الله خوّفت العدى وأمنتهمفذقت الردى من خيفة وأمان
إذا أنت خوَّفت الرجال فخفهمفإنك لا تجزي هوى بهوان
رياح وهبها عارضتك عواصفافكيف انثنى أو كان ركن أبان
بلى ربّ مشهور البلاء مشيعقتيل بمنخوب الفؤاد هدان
أتيحت لبسطام حَيدَة عاصمفخر كما خرت سحوق ليان
تداعت له أبيات بكر بن وائلولم ترجعيه لا ظفرت بثان
وحسب المنايا أن تفوز بمثلهكفاك ولو أبقيته لكفاني
سقاك كدمعي أو كجودك واكفمن المزن بين السح والهملان
شآبيب غيث لا تزال ملثةبقبرك حتى يلتقي الثريان
أبا حسن وفّ اعتزاءك حقهفقد كنتما أرضعتما بلبان
تماسك قليلا لست أول مبتلىببين حبيب أو بغدر زمان
وله يرثي:
سل دمعيَ المبذول من حيلةلي أو له من نوميَ الممنوع
وحنينيَ الموصول كيف تعرضتشبهاته لرجائيَ المقطوع
لا تركننّ إلى الزمان وصرفهفتك الزمان بآمن ومروع
يا وانيا يَأسى على ما فاتهإن الونى طرف من التضييع
ومداجيا تخذ الخديعة جُنةألا أنفت لرأيك المخدوع
دافع بعزمك أبو بجهدك إنهاعزمات حكم ليس بالمدفوع
وانظر بعينك أو بقلبك هل ترىإلا صريعا أو مثال صريع
أبني عبيد الله أين سراتكممن عاثر بعنانه المخلوع
دهر كأن صروفه قد جمعتمن نثر منتظم وشتّ جميع
يهْنِ البقيع وليته لم يَهَنِهِقبر غدا شرفا بكلّ بقيع
ومنها:
وإذا عجبت من الزمان بحادثفلتابع يبكي على متبوع
وإذا اعتبرت العمر فهو ظلامةوالموت منها موضع التوقيع
وله في المعنى:
السوم حين لففت المجد في كفننفسي الفداء على أن لات حين فدا
يا حسرة ملأت بين الضلوع جوىما ضر لاعجها أن لا يكون ردى
في ذمة الله قبر ما مررت بهإلا اختبلت أسى أن لم أمت كمدا
أودى الزمان وكيف اسطاعه بفتىقد طال ما راح في أتباعه وغدا
ملء القلوب جلالا والعيون سناوالحرب بأسا وأكناف النَّديّ ندى
من لا يقدم في غير العلى قدماولا يمد لغير المكرمات يدا
كأنه كان ثأرا بات يطلبهحتّى رآه فلم يعدل به أحدا
يا يوم منعي عبيد الله أي جويبين الجوانح يأبى أن يجيب نِدَا
وأي غرب مصاب لا يكفكفهدمعي الهتون ولا أنفاسي الصعدا
ولا البلابل من مثنى وواحدةباتت تسلّ سيوفا أو تسن مُدَى
ولا الهموم وقد أعيت طوارقهاكأنّما بتن لي أو للدجى رصدا
قل للدجى وقد التفت غياهبهافلو تصوب فيها الماء ما اطردا
إن الشهاب الذي كنا نجوب بهأجوازها قد خبا في الترب أو خمدا
لهفي ولهف المعالي جار بي وبهاصرف الردى وأرانا أيَّةً قصدا
يا صاحبيَّ ولا يحبسكما ظمأطال الحيام وهذي أدمعي فردا
وحدثاني عن العليا وقد رزئتمسنونها اللدن أو مصقولها الفردا
واه لها وترته ثم قد علمتأن لا تنال به عقلا ولا قودَا
هل نافع والأماني كلها خدعقولي له اليوم: لا تبْعُدْ وقد بعدا
وهل تذمم هذا الرزء من قلققام المصاب به أضعاف ما قعدا
أما ويوم عبيد الله وهو أسىلقد تخير منا الموت وانتقدا
يا ماجدا أنجز العلياء موعدهاليوم أنجز فيك الموت ما وعدا
إن الفؤاد الذي ما زلت تعمرهقد ريع بعدك حتى صار مفْتَأدا
سل المنايا على علم وتجربةفي أي شيء بغى الإنسان أو حسد
تنافس الناس في الدنيا وقد علمواأن سوف تقتلهم لذاتها بددا
تبادروها وقد آدتهم فشلاوكاثروها وقد أحصتهم عددا
قل للمحدث عن لقمان أو لُبَدٍلم يترك الموت لقمانا ولا لُبَدَا
ولا الذي همّه البنيان يرفعهإن الردى لم يغادر في الشرى أسدا
ما لابن آدم لا تفنى مطالبهيرجو غدا وعسى أن لا يعيش غدا
وله يتغزل:
بحياة عصياني عليك عواذليإن كانت القربات مما تنفع
هل تذكرين لياليا بتنا بهالا أنت باخلة ولا أنا أقنع
وله:
هو الهوى وقديما كنت أحذرهوالسقم مورده والموت مصدره
يا لوعة رجلا من نظرة أملالآن أعرف رشدا كنت أنكره
جدّ من الشوق كان الهزل أولهأقل شيء إذا فكرت أكثره
ولي حبيب دنا لولا تمنعهوقد أقول نأى لولا تذكره
وله من قصيدة:
سطا أسدا وأشرق بدرتمودارت بالحتوف رحى طحون
وأحدقت الرماح به فأعياعليّ أهالة هي أم عين
وله:
مللت حمص وملّتني ولو نطقتكما نطقت تلاحينا على قدر
وسوّلت لي نفسي أن أفارقهاوالماء في المزن أصفى منه في الغدر
أما اشتفت مني الأيام في وطنيحتى تضايق في ما عزَّ من وطري
ولا قضت من سواد العين حاجتهاحتى تكر على ما كان في الشعر
وله يمدح أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين من قصيدة:
كم مقلة ذهبت في الغي مذهبهابنظرة هي شان أو لها شان
رهن بأضغاث أحلام إذا هجعتوربما حلمت والمرء يقظان
فانظر بعقلك إن العين كاذبةواسمع بحسك أن السمع خوّان
ولا تقل كل ذي عين له نظرإن الرعاة ترى ما لا ترى الضان
دع الغنى لرجال ينصبون لهإن الغِنَى لفضول الهم ميدان
واخلع لبَوسَكَ من شُحّ ومن أمللا يقطع السيف إلا وهو عريان
وصاحب لم أزل منه على خطركأنّني علم غيب وهو حسان
أغراه حظ توخاه وأخطأنيأما درى أن بعض الرزق حرمان
ومن مديحها:
إني استجرت على ريب الزمان فتىإن لا يكن ليث غاب فهو إنسان
حسبي بعليا عليّ معقلا أشبازمان سربي به في الأمن إيمان
صعب المراقي ولكن ربما سهلتعلى المنى منه أوطار وأوطان
ومنها في صفة الخيل:
الواهب الخيل عقبانا مسوَّمةلو سوِّمت قبلها في الجوعقبان
من كل ساع أمام الريح يقدمهامنه مهاة وإن شاءت فسرحان
دجنة نصف الأنوار غرتهاونبعة يدعي أعطافها البان
عصا جذيمة إلا ما أتيح لهامن أمر موسى فجاءت وهي ثعبان
ومنها في صفة السيف:
هيم رواء لو أن الماء صافحهالزال أو زل عنها وهو ظمآن
يكاد يخلق مهراق الدماء بهافلا تقل هي أنصاب وأوثان
موتى فإن خلعت أكفانها علمتأن الدروع على الأبطال أكفان
نفسي فداؤك لا كفؤ ولا ثمنولو غدا المشتري منها وكيوان
والتبر قد وزنوه بالحديد فماساوى ولكن مقادير وأوزان
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع