من «جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب» لأحمد الهاشمي (ت ١٣٦٢هـ)
أبو العلاء المعري
هو أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري التنوخي الشاعر الفيلسوف المتفنن: وهو عربي النسب منى قبيلة تنوخ من بطون قضاعة من بيت علم وقضاء.
ولد بمعرة النعمان سنة هـ? وجدر في الثالثة من عمره فكف بصره وتعلم على أبيه وغيره من أئمة زمانه، وكان يحفظ كل ما يسمعه من مرة: وقال الشعر وعمره إحدى عشرة سنة، ودخل بغداد، وأقبل عليه السيد المرتضى إقبالاً عظيماً ثم جفاه. ولما رجع إلى المعرة أقام ولم يبرح منزلة، ونسك وسمى نفسه رهن المحبسين: محبس العمى ومحبس المنزل وبقي فيه مكباً على التدريس والتأليف ونظم الشعر مقتنعاً بعشرات من الدنانير في العام يستغلها من عقار له، مجتنباً أكل الحيوان وما
يخرج منه مدة سنة، مكتفياً بالنبات متعللاً بأنه فقير وأنه يرحم الحيوان. وعاش عزبا إلى أن مات سنة هـ? بالمعرة. وأوصى أن يكتب على قبره:
هذا جناه أبي عليّ وما جنيتُ على أحد
شعره: وله كثير من الشعر يناقض بعضه في حقيقة العالم والشرائع والمعبود وللناس في اعتقاده أقوال كثيرة والظاهر أنه كان شاكاً متحيراً وهو أحكم الشعراء بعد المتنبي ويفضل عليه في الطبيعيات والاجتماعيات والأخلاق والقوانين والفلسفة والشرائع والأديان. ومن مراثيه قوله:
غير مجدٍ في ملتي واعتقادينوحُ باك ولا ترنُّم شادِ
وشبيهٌ صوتُ النَّعي إذا قي?س بصوت البشير في كل ناد
أبكتْ تلكمُ الحمامة أم غنّ?تْ على فرع غصنها المياد
صاح هذي قبرونا تملأ الرُّحبَ فأين القبورُ من عهد عاد
خفِّف الوطء ما أظنّ أديم ألأرض إلاّ من هذه الأجساد
وقبيحٌ بنا وإن قدم العهد هوانُ الآباءِ والأجداد
سر إن استطعتَ في الهواء رويداًلا اختيالاً على رفاتِ العباد
ربّ لحدٍ قد صار لحداً مراراًضاحك من تزاحمُ الأضداد
ودفينِ على بقايا وفينفي طويل الأزمان والآباد
فاسأل الفرقدين عمن أحسّامن قبيل وآنساً من بلاد
كمْ أقاما على زوال نهاروأنارا لمدلجِ في سواد
تعبٌ كلها الحياةُ فما أعجبُ إلاّ من راغبٍ في ازياد
إنّ حزناً في ساعة الموت إضعافُ سرورٍ في ساعة الميلاد
خلق الناس للبقاءِ فضلّتأمةٌ يحسبونهم للنفادِ
إنما ينقلون من دار أعمالٍ إلى دار شقوةٍ أو رشاد
ومنها:
بانَ أمرُ الإله واختلف الناس فداعٍ إلى ضلالَ وهاد
والذي حارت البريةُ فيهحيوان مستحدثٌ من جماد
فاللبيبُ اللبيبُ من ليس يغترُ بكونٍ مصيره للفساد
ومن قوله:
ضحكنا وكان الضحكُ منا سفاهةًوحقّ لسكَّان البسيطة أن يبكوا
تحطّمنا الأيام حتى كأننازجاجٍ ولكن لا يعاد لنا سبك
النص من طبعة مؤسسة المعارف ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع