من «جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب» لأحمد الهاشمي (ت ١٣٦٢هـ)
ولأبي البقاء صالح بن شريف الرندي المتوفى سنة ٧٩٨ هـ? يرثي الأندلس
لكلّ شيءٍ إذا ما تمّ نقصانُفلا يغرَّ بطيب العيش إنسان
هي الأمور كما شاهدتها دولمنْ سرّه زمنٌ ساءتهُ أزمان
وهذه الدّار لا تبقى على أحدولا يدوم على حالٍ لها شان
يمزّق الدّهر حتماً كل سابغةًإذ انبتْ مشرفيات وخرصانُ
وينتضي كلَّ سيفٍ للفناءِ ولوكان ابن ذي يزنٍ والغمدَ غمدان
أين الملوك ذووا التُّيجان من يمنوأين منهم أكاليلٌ وتيجان
وأين ما شاده شدّاد في إرمٍوأين ما ساسه في الفرس ساسان
وأين ما حازه قارونُ من ذهبوأين عادٌ وشدَّاد وقحطان
أتى على الكلّ أمرٌ لا مردَّ لهحتى قضوا فكأن القومَ ما كانوا
وصار ما كان من ملكٍ ومن ملكٍكما حكى عن خيال الطيف وسنانُ
دارَ الزمانُ على دارا وقاتلهوأمّ كسرى فما آواه إيوان
كإنما الصَّعب لم يسهل له سببٌيوماً ولا ملك لدُّنيا سليمان
فجائعُ الدَّهر أنواعٌ منوَّعةوللزّمان مسرَّات وأحزان
وللحوادث سلونٌ يسلهلهاوما لما حلَّ بالإسلام سلون
دهى الجزيرة أمرٌ لا عزاءَ لههوى له أحدٌ وانهدّ ثهلان
أصابها العين في الإسلام فارتزأتحتى خلت منه أقطار وبلدان
فاسأل بلنسيةً ما شأنُ مرسيةٍوأين شاطبةٌ أم أين جيّان
وأين قرطبةٌ دارُ العلوم فكممن عالمٍ قد سما فيها له شان
وأين حمصٌ وما تحويه من نزهونهرها العذب فياض وملآن
قواعد كنّ أركان البلاد فماعسى البقاءُ إذا لم تبقَ أركان
تبكي الحنيفيّة البيضاء من أسفكما بكى لفراق الإلف هيمان
على ديار من الإسلام خاليةقد أقفرتْ ولها بالكفر عمران
حيث المساجد قد صارت كنائس مافيهنَّ إلاَّ نواقيسٌ وصلبان
حتى المحاريب تبكي وهي جامدةحتى المنابر ترثي وهي عيدان
يا غافلاً وله في الدّهر موعظةإن كنت في سنّة فالدّهرُ يقظان
وماشياً مرحاً يلهيه موطنهُأبعدَ حمصٍ تغزُّ المرء أوطان
تلك المصيبة أنستْ ما تقدّمهاوما لها من طوال الدَّهر نسيان
يا راكبينَ عتاقَ الخيل ضامرةكأنّما في مجال السّبق عقبان
وحاملين سيوفَ الهند مرهفةٌكأنها في ظلام النقع نيران
وراتعين وراءَ البحر في دعةٍلهم بأوطانهم عزٌّ وسلطان
أعندكم نبأٌ من أهل أندلسفقد سرى بحديث القوم ركبان
كم يستغيث بنا المستضعفون وهمقتلى وأسرى فما يهتزّ إنسان
ماذا التّقاطع في الإسلام بينكموأنتم يا عباد الله إخوان
ألا نفوسٌ أبيَّات لها هممٌأما على الخير أنصار وأعوان
يا من لذلّة قومٍ بعد عزوّهمأحال حالهم جورٌ وطغيان
بالأمس كانوا ملوكاً في منزلهمواليومَ هم في بلاد الكفر عبدانُ
فلو تراهم حيارى لا دليل لهمعليهم ف ثياب الذُّلّ ألوان
ولو رأيت بكاهم عند بيعهمُلهالكَ الأمرُ واستهوتك أحزان
يا ربَّ أمّ وطفل حيل بينهماكما تفرقُ أرواح وأبدان
وطفلةٍ مثل حسن الشمس إذ طلعتكأنما هي ياقوت ومرجان
يقودها العلج للمكروه مكرهةوالعين باكية والقلب حيران
لمثل هذا يذوب القلب من كمدإن كان في القلب إسلام وإيمان
النص من طبعة مؤسسة المعارف ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع