من «جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب» لأحمد الهاشمي (ت ١٣٦٢هـ)
وقال أبو الحسن التهامي يرثي صغيراً له
ويفتخر بفضله ويشكو زمانه وحاسديه
حكمُ المنية في البرية جارما هذه الدّنيا بدار قرار
بينما يرى الإنسان فيها مخبراحتى يري خبراً من الأخبار
طبعت على كدر وأنت تريدهاصفواً من الأقذار والأكذار
ومكلّف الأيامِ ضد طباعهامتطلّب في الماء جذوة نار
وإذا رجوت المستحيلَ فإنماتبني الرّجاءَ على شفير هار
فالعيش نومٌ والمنية يقظةٌوالمرء بينهما خيالٌ سار
فاقضوا مآربكم عجالا إنماأعماركم سفرٌ من الأسفار
وتركضوا حيل الشَّباب وبادرواأم نسترد فإنهنّ عوار
فالدَّهر يخدع بالمنى ويغصّ إنهنّا ويهدمُ ما بنى ببوّار
ليس الزمان وغن حرصت مسالماًخلقُ الزّمان عداوة الأحرار
إني وترتُ بصارمٍ ذي رونقٍأعددتهُ لطلابةِ الأوتار
والنّفس إن رضيت بذلك أو أوبتْمنقادةٌ بأزمّةِ المقدار
أثنى عليه بأثرهِ ولو أنهُلم يغتبطْ اثنيتُ بالآثار
يا كوكباً ما كانَ أقصرَ عمرهُوكذّاك عمرُ كواكب الأسحار
وهلال أيام مضى لم يستدربدراً ولم يمهل لوقتِ سرار
عجلَ الخسوفُ عليه قبل أوانهفحماهُ قبل مظنّةِ الإبدار
واستلّ من أترابهِ ولدتهِ=كالمقلةِ استلت من الأشفار
فكأنّ قلبي قبره وكأنهُفي طيّهِ سرٌّ من الأسرار
أن يعتبط صغراً فربَّ مقمّميبدو ضئيل الشخص للنظّار
إن الكواكب في علوّ محلّهالترى صغاراً وهي غير صغار
ولدُ المعزى بعضهُ فإذا مضىبعضُ الفتى فالكلّ في الآثار
أبكيه ثم أقولُ معتذراً لهُوفّقت حين تركت ألام دار
جاوزتُ أعدائي وجاور ربّهُشتّان بين جواره وجواري
أشكو بعادكَ لي وأنت بموضعلولا الرَّدى لسمعت فيه مزاري
والشّرق نحو الغرب أقرب شقّةًمن بعد تلك الخمسة الأشبار
هيهات قد علقتك أسباب الرَّدى واغتالَ عمرك قاطعُ الأعمار
ولقد جريتَ كما جريتُ لغايةٍفبلغتها وأبوك في المضمار
فإذا نطقتُ فأنت أوَّلُ منطقيوإذا سكت فأنت في أضماري
أخفي من البرحاءِ ناراً مثل مايخفى من النار الزّناد الواري
واخفض الزَّفرات وهي صواعدوأكفكفُ العبرات وهي جوار
وشهابُ نارِ الحزنِ إنْ طاوعتهُأورى وإن عاصيتهُ متواري
وأكفُّ نيرانَ الأسى ولربماغلب التصبُّرُ فارتمتْ بشرار
ثوبُ الرّياءِ يشفُ عمّا تحتهوإذا التحفتَ به فإنك عار
قصرت جفوني أن تباعدَ بينهاأم صوّرتْ عيني بلا أشفار
جفّت الكرى حتى كانّ غرارهعند اغتماص العين وخزُ غرار
ولو استزارت رقدةٌ لطحا بهاما بين أجفاني من التَّيار
أحيي اللّيالي التّيم وهي تميتنيويميتهنَّ تبلُّج الأسحار
حتى رأيت الصُّبح تهتك كفُّهبالضَّوءِ رفرف خيمة كالقار
والصُّبح قد غمرَ النُّجوم كأنهسيلٌ طغى فطفا على النُّوَّار
لو كنتَ تمنعُ خاض دونك فتيةٌمنّا بحارَ عوامل وشفار
ودحوا قويق الأرض أرضاً من دمثم انثنوا فبنوا سماء غبار
قومٌ إذا لبسوا الدُّروع حسبتها=خلجاً تمدُّ بها أكفّ بحار لو شرَّعوا إيمانهم في طولها=طعنوا بها عوض القنا الخطَّار
جنبوا الجياد إلى المطيّ وراوحوابين السُّروج هناك وأكوار
وكأنما ملؤوا عيابَ دروعهموغمود أنصلهم سرابَ قفار
وكأنما صنعُ السوابغِ عزَّهماءُ الحديد فصاغ ماءَ قرار
زرداً فأحكم كل موصل حلقةٍبحبابةٍ في موضع المسمار
فتسربلوا بمتون ماءٍ جامدٍوتقنَّعوا بحبابِ ماء جار
أسدٌ ولكن يؤثرون بزادهموالأسدُ ليس تدينُ بالإيثار
يتزيَّن النَّادي بحسن وجوههمكتزيُّن الهالات بالأقمار
يتعطّفون على المجاور فيهمبالمنفسات تعطُّفَ الآظار
من كلّ منْ جعل الظُّبى أنصارهوكومنَ واستغنى عن الأنصار
وإذا هو اعتقل الفتاة حسبتهاصلاَّ تأبطهُ هزبزٌ ضار
والليث إن ثاورتهُ لم يعتمدإلا على الأنياب والأظفار
زردُ الدّلاص من الطّعان يريحهفي الجحفل المتضايق الجرَّار
ما بين ثوب بالدّماء مضمّخٍزلقٍ ونقعٍ بالطّرد مثار
والهونُ في ظلّ الهواينا كامنٌوجلالة الأخطار في الإخطار
تندى أسرّة وجهه ويمينهفي حالة الإعسار والإيسار
ويمدُّ نحو المكرمات أناملاًللرّزق في أثنائهنَّ مجار
يحوي المعاليَ كاسباً أو غالباًأبداً يدارى دونها ويداري
قد لاح في ليل الشّباب كواكبإن أمهلت آلت إلى الإسفار
وتلهُّبُ الأحشاءِ شيّب مفرقيهذا الضياءُ شواظ تلك النار
شاب القذال وكلُّ غصن صائرٌفبنانه الأحوى إلى الإزهار
والشّبه منجذبٌ فلم بيضُ الدُّمىعن بيض مفرقه ذوات نفار
وتودّ لو جعلت سوادَ قلوبهاوسوادَ أعيتها خضابَ عذّار
لا تنفرُ الظبيات عنه فقد رأتكيف اختلاف النّبتِ في الأطوار
شيئان ينقشعان أوَّلَ وهلةظلُ الشباب وخلّة الأشرار
لا حبذا الشيبُ الوفيُ وحبذاظلُّ الشّباب الخائنِ الغذَّار
وطري من الدَّنيا الشّباب وروقهُفإذا انقضى فقد انقضت أوطاري
قصرت مسافته وما حسناتهعندي ولا آلاؤه بقصار
نزداد همَّا كلّما ازددنا غنىوالفقر كلُّ الفقر في الإكثار
ما زاد فوقَ خلّفَ ضائعاًفي حادث أو وارث أو عار
إني لأرحم حاسديّ لحرّماضمنتْ صدورهم من الأوغار
نظروا صنيع الله بي فعيونهمفي جنَّة وقلوبهم في نار
لا ذنب لي قد رمت كتم فضائليفكأنما بزقعتُ وجهَ نهار
وسترتها بتواضعي فتطلّعتأعناقها تعلو على الأستار
ومن الرجال معالمٌ ومجاهلومن النجُّوم غوامضٌ ودراري
والناس مشتبهون في إيرادهموتفاضل الأقوام في الإصدار
عمري لقد أوطأتهم طّرق العلافعموا فلم يقفوا على آثاري
لو أبصروا بقلوبهم لاستبصرواوعمى البصائر من عمى الأبصار
هلاّ سعوا سعي الكرام فأدركواأو سلّموا لمواقع الأقدار
وفشت خيانات الثّقات وغيرهمحتى اتّهمنا رؤية الأبصار
ولربما اعتضدَ الحليم بجاهللا خير في يمنى بغير يسار
النص من طبعة مؤسسة المعارف ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع