تجاوز إلى المحتوى

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز» ليحيى بن حمزة العلوي (ت ٧٤٥هـ)

القسم الأول [التجنيس التام]

ويقال له المستوفى، والكامل، وهو أن تتفق الكلمتان فى لفظهما، ووزنهما، وحركتهما، ولا يختلفان إلا من جهة المعنى، وأكثر ما يقع فى الألفاظ المشتركة، ومثاله من كتاب الله تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ

وليس فى القرآن من التجنيس الكامل إلا هذه الآية، فالساعة الأولى عبارة عن القيامة، والساعة الثانية هى واحدة الساعات، لكنهما اتفقا لفظا فلهذا كان جناسا تاما، ومن السنة النبوية قوله صلى الله عليه وآله لما نازع الصحابة جرير بن عبد الله فى أحد زمام ناقة الرسول ﷺ أيهم يقبضه، فقال ﵇: خلوا بين جرير، والجرير لا يقال كيف يكون ما ذكرتموه من الكتاب والسنة مثالا للتجنيس التام مع اختلافهما فى التعريف والتنكير، لأنا نقول هذا فيه وجهان، أحدهما أن يقال إنه لم يقع الاختلاف إلا فى لام للتعريف وهى زائدة، وما هذا حاله فليس مغيّرا للتمثيل، وثانيهما أن يقال كما أن اختلاف الحركة يبطل جعله من التجنيس التام فهكذا زيادة الحرف تخرجه عن التجنيس

التام أيضا، والحق أنه معدود منه، وأنشد ابن الأثير لأبى تمام قال:

فأصبحت غرر الأيام مشرقةبالنصر تضحك عن أيّامك الغرر

فعدّه تجنيسا تاما مع أن الأول مضاف والثانى معرف باللام، ومن ذلك ما قاله أيضا:

ما مات من كرم الزمان فإنهيحيى لدى يحيى بن عبد الله

ومنه قولهم: لولا اليمين لقبلت اليمين، فاليمين الأولى الألية، واليمين الثانية هى الجارحة، ومنه قولهم: ما ملأ الراحة من استوطن الراحة، فالراحة الأولى هى الجارحة، والراحة الثانية هى نقيض الشقاء، وقد أكثر من هذا النوع أبو تمام فأحسن فيه كل الإحسان ومنه قوله:

إذا الخيل جابت قسطل الحرب صدّعواصدور العوالى فى صدور الكتائب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «على مثلها من أربع وملاعب»

ومن ذلك ما قاله أبو جعفر النامى:

لشئون عينى فى البكاء شئونوجفون عينك للبلاء جفون

ومن أحسن ما وجدته فى ذلك للشاعر المعروف بالمغربى وقد أكثر منه:

لو زارنا طيف ذات الخال أحياناونحن فى حفر الأجداث أحيانا
للشاعر عبد الرزاق الدرباس، من قصيدة «حروف الكبرياء»
تقول أنت امرؤ، جاف مغالطةفقلت لا هوّمت أجفان أجفانا
لم يبق غيرك إنسان يلاذ بهفلا برحت لعين الدهر إنسانا

فالكلمتان كما ترى فى هذه الأمثلة لا اختلاف فيها إلا من جهة المعنى، يستويان فى الانتظام فى الحروف، والحركات، كما ترى وله أمثله كثيرة:

النص من طبعة المكتبة العنصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.