تجاوز إلى المحتوى

من «عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح» لبهاء الدين السبكي (ت ٧٧٣هـ)

تنبيهان (٢)

الأول: اعلم أن كلام الأوساط ليس مدفوعا عن إيجاز ولا إطناب، فإن ما فى الإيجاز من الحذف وغيره، يكثر فى كلام الأوساط، ولعل المراد: غالب كلامهم الذى لا يطابق غالبا مقتضى الحال.

الثانى: الإيجاز المصطلح عليه هنا هو الاختصار، وإن كان الإيجاز لغة هو تقليل اللفظ مطلقا. ولا فرق عند السكاكى بين الإيجاز والاختصار، كما صرح به الخطيبى فى شرح المفتاح، وهو صريح لفظ المفتاح.

وأما قول بعضهم: إن مراده أن الاختصار فى حذف الجمل فقط بخلاف الإيجاز، فليس بشئ.

ص: (والأقرب إلى آخره).

(ش): يريد الأقرب إلى الصواب، ويقال: هذا أقرب إلى الصواب، يريد أنه يحتمل الصواب والخطأ، واحتمال الصواب فيه أظهر. وتقول: هذا أقرب إلى الصواب، تريد أنه صواب جزما. قال تعالى: اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى. وقال تعالى: هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ. إن لم يكن من باب التنزل. ويريد المصنف أنه أقرب من كلام السكاكى، وفيه بعد؛ لأنه حينئذ يكون مقربا لما تضمن اعتراضه الثانى فساده لأن أفعل التفضيل للمشاركة أو يريد أنه أقرب من غيره مطلقا، يشير إلى أنه أقرب من قول ابن الأثير الذى سيأتى، وهو أن يقال: المقبول من طرق التعبير عن المراد تأدية أصله، أى: معناه بلفظ مساو للمراد، أى: نطبق على المراد. بمعنى أنه دال عليه بالمطابقة أى: ليس فيه حذف عن أصله، ولا زيادة بتكرير، أو تتميم، أو اعتراض، أو غيرها، أو ناقص عنه إما واف بأداء المراد وهو الإيجاز، أو لا وهو الإخلال، أو زائد. ما لفائدة وهو الإطناب، أو لا لفائدة وهو الحشو والتطويل.

(قلت): فيه نظر، فإنه يقتضى أن المساواة مقبولة مطلقا، وإن كان المقام يقتضى

لفائدة:

واحترز ب واف عن الإخلال؛ كقوله:

والعيش خير فى ظلالالنّوك ممّن عاش كدّا

أى: الناعم، وفى ظلال العقل.

ــ

الإطناب أو الإيجاز، والذى يظهر لى من كلامه، وهو الصواب أن قوله: (لفائدة) يتعلق بالثلاثة من جهة المعنى، وإن كانت عبارته تقتضى أن: (لفائدة) يتعلق بزائد، فليس كذلك، بل يقال: المساواة: تأدية أصل المعنى بلفظ مساو له لفائدة. والإيجاز: تأديته بلفظ ناقص واف لفائدة. والإطناب: تأديته بلفظ زائد لفائدة. فخرجت المساواة حيث المقام يقتضى إيجازا، أو إطنابا، وهى التى جعلها السكاكى معيارا للإيجاز والإطناب. وقد خرج الحشو والتطويل عن الإطناب، وخرج الإخلال عن الإيجاز. والإطناب أخص من الإسهاب، فإن الإسهاب: التطويل لفائدة، أو لا لفائدة كما ذكره التنوخى وغيره.

واعلم أن ما ذكره المصنف، وما ذكره السكاكى، متفقان على ثبوت الواسطة بين الإيجاز والإطناب. إلا أن المصنف يجعل المساواة تنقسم إلى: مقبول وغيره، والسكاكى يجعل المساواة أبدا غير مقبولة، بل بها يعتبر الإيجاز والإطناب المقبولان على ما يظهر من عبارته. فإن أراد ذلك فكلام المصنف أقرب إلى الصحة، وإن أراد أن المساواة هى المعتبرة، فإن اقتضاها المقام، فلا عدول عنها، وتكون حينئذ محمودة، وإلا فلا. وعلى ما ذكره ابن الأثير لا واسطة بينهما قطع فإن الإيجاز عنده التعبير عن المراد بلفظ غير زائد عنه، فإنه يدخل فى غير الزائد المساوى.

قال المصنف: (واحترز بواف عن الإخلال) وهو أن يقصر اللفظ عن أداء المعنى على وجه يطابق مقتضى الحال وإن كان لغويا، كقول الحارث بن حلزة:

والعيش خير فى ظلال النّوك ممن عاش كدا

فإن مراده العيش الناعم فى ظلال الجهل، خير من العيش الشاق فى ظلال العقل.

وفيه نظر؛ لأن المحذوف من هذا الكلام، دلت عليه القرينة التى عرفتنا أن المراد الناعم،

وب فائدة عن التطويل؛ نحو:

وألفى قولها كذبا ومينا

وعن الحشو المفسد ك الندى فى قوله:

وصبر الفتى لولا لقاء شعوبولا فضل فيها للشّجاعة والنّدى

ــ

وأن المراد فى ظلال العقل. فإن لم تكن قرينة، فالحذف يفسد الكلام لغة، ولا كلام فيه، إنما الكلام فى كلام عربى وإذا كانت قرينة تسوغ الحذف فلا إخلال. قال: (وبفائدة) أى احترز بقوله: لفائدة (عن التطويل) أى عن الزائد لا لفائدة، وهو شيئان: أحدهما:

تطويل، وذلك بأن لا يتعين الزائد فى الكلام، كقول عدى بن زيد العبادى:

فقددت الأديم لراهشيهوألفى قولها كذبا ومينا

فإن الزائد هو كذبا، أو مينا، ولا يتعين أحدهما للزيادة، ولا يترجح. والراهشان:

عرقان فى باطن الذراع، وقيل: الرواهش عروق ظاهر الكف، وقيل: عروق ظاهر الكف وباطنها، وقيل: الراهش: عصب فى باطن الذراع. يذكر الزباء وغدرها لجذيمة، ولها قصة طويلة. (قلت:) وفيه نظر؛ لأن ذكر الشئ مرتين فيه فائدة التأكيد، وقد قال النحاة: إن الشئ يعطف على نفسه تأكيدا، وعدم تعين الزائد لا يدفعها. والفائدة التأكيدية معتبرة فى الإطناب كما ستراه فى غير ما موضع. ثم قولهم: إن الزائد لم يتعين ولم يترجح كما صرح به بعضهم، فيه نظر: فإن الأول مترجح أو متعين؛ لأنه السابق لتكملة الكلام، ولأن الثانى مؤكد، والمؤكد متأخر عن المؤكد أبدا. قيل: إن الرواية: كذبا مبينا، وهو الأوفق لبقية القصيدة؛ لأن أبياتها كلها مكسور فيها ما قبل الياء. لكنه بخلاف ما رواه الجمهور، والظاهر: أنه وهم. والثانى يسمى الحشو، وهو ما تعين أنه زائد. وهو ضربان:

أحدهما يفسد المعنى، كقول أبى الطيب:

ولا فضل فيها للشّجاعة والنّدىوصبر الفتى لولا لقاء شعوب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا يحزن الله الأمير فإنني»

ــ

شعوب المنية لا تنصرف يقول: لا خير فى الدنيا للشجاعة والصبر، لولا الموت، وهو صحيح؛ لأنه إنما تفضل الشجاعة والصبر، لما فيهما من الإقدام على الموت والمكروه للنفس، ولو كان الإنسان يعلم أنه مخلد، لما كان له فى الشجاعة فضل. وأما الندى:

فبالعكس، لأن الموت سبب يسهل الندى، ولا يجعل له فضلا؛ لأن من علم أنه يموت جدير بأن يجود بماله، كما قال طرفة:

فإن كنت لا تسطيع دفع منيّتىفذرنى أبادرها بما ملكت يدى
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لخولة أطلال ببرقة ثهمد»

وقول مهيار:

فكل إن أكلت، وأطعم أخاكفلا الزّاد يبقى ولا الآكل

وأجيب عنه: بأنه أراد بالندى بذل النفس، كقول مسلم بن الوليد:

يجود بالنفس إن ضنّ الجواد بهاوالجود بالنفس أقصى غاية الجود

وهذا الجواب نقله الخفاجى فى سر الفصاحة عن الشريف المرتضى. ورد بأن لفظ الندى لا يكاد يستعمل فى بذل النفس، وإن استعمل فمضافا، أما مطلقا فلا يفيد إلا بذل المال ورد أيضا بأنه يلزم التكرار، فإن بذل النفس هو الشجاعة. قال ابن جنى:

معنى البيت: أن فى الخلود وتنقل الأحوال من عسر إلى يسر ما يسكن النفوس، ويسهل البوس، فعلى هذا يكون عدم الموت يقتضى الجود، كما قال المتنبى. وقيل: معناه: لولا تباين الناس فى التوطين على الموت لما فضل الكريم البخيل بقلة رغبته فى المال الذى هو متاع الدنيا. ونقل هذا أيضا عن الواحدى. ثم أقول: فى جعل هذا القسم من أصله من قسم الحشو نظر؛ لأن لفظ الندى أفاد معنى زائدا أراده المتكلم قطعا، وكونه لم يكن ينبغى له أن يزيد هذا المعنى أمر آخر يلحق نقصا بالكلام؛ فلا يكون زائدا؛ لأن الحشو تأدية المعنى بلفظ زائد عن المراد، وهذا إنما

يكون، لو كان لفظ الندى أفاده لفظ الشجاعة.

وغير المفسد؛ كقوله:

وأعلم علم اليوم والأمس قبله

ــ

الثانى: أن يكون حشوا غير مفسد، وهو ما كان فيه زائد متعين، ولكن ذكره لا يفسد المعنى، كقول زهير:

وأعلم علم اليوم والأمس قبلهولكنّنى عن علم ما فى غد عمى
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «أمن أم أوفى دمنة لم تكلم»

فإن قوله: (قبله) لا فائدة فيه. (قلت): وفيه نظر من أوجه:

الأول: أنه يجوز أن يقال فى قبله: إن له فائدة، كأنه يقول: أعلم ما كان قبل هذا اليوم أى: لا يشغلنى اليوم عن علم منى سابق، فإن قبلية الشئ وصف يؤذن بالاشتغال بالحاضر عنه.

الثانى: أنه يجوز أن يكون الضمير فى قبله، يعود إلى العلم، أى أعلم ما كان أمس، قبل علمى بما كان اليوم، مبالغة فى قوته الحافظة، وأنه يستحضر الماضى، قبل استحضاره الحاضر.

الثالث: أن قبله تأكيد معنوى، والوصف التأكيدى جائز، وليس حشوا، بل هو كقولهم: أمس الدابر، ومثله فى الإيضاح بقوله:

ذكرت أخى فعاودنىصداع الرّأس والوصب
للشاعر أبو العَيال الهذلي، اقرأ القصيدة

فإن الرأس حشو؛ لأن الصداع لا يستعمل إلا فى الرأس، وقد قيد ابن مالك فى المصباح هذا الحشو بما ليس فيه بديع، فإن كان فيه بديع حسن، كقول المتنبى:

وخفوق قلب لو رأيت لهيبهيا جنتى، لرأيت فيه جهنما

ــ

(تنبيه): مما يكثر حشو الكلام به لفظ أصبح وأمسى، وعدا وأخواتها، ولفظ إلا، وقد، واليوم. قال حازم: الواجب اعتبار حالها، فإن كان الأمر الذى ذكر أنه أصبح فيه لم يكن أمسى فيه فليست حشوا، وإلا فهو حشو، كقولك: أصبح العسل حلوا. والرمانى أجاب عن قوله تعالى: فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ بأن العادة أن من به علة تزاد عليه بالليل، فيرجو الفرج عند الصباح، فاستعمل: أصبح لأن الخسران حصل لهم فى الوقت الذى يرجون فيه الفرج، فليست حشوا. وقد أشار لما قلناه الخفاجى وحازم وغيرهما.

(تنبيه): قال الخفاجى فى سر الفصاحة: أصل الحشو ما يقصد به فى الشعر إصلاح الوزن، أو تناسب القوافى وحرف الروى. وفى النثر: قصد السجع، وتأليف الفصول من غير معنى يفيده. ثم نقل عن أبى هاشم أنه زل فألحق الحشو الجيد بالردئ فقال فى البغداديات فى مسألة ذكرها فى إيجاز القرآن: إن الشاعر إذا احتاج إلى الوزن، ذكر ما لا يحتاج إليه فى النثر. ألا ترى إلى قول امرئ القيس:

ورضت فذلت صعبة أى إذلال

فلو كان فى النثر لأسقط صعبة، أو أسقط أى إذلال. ثم أفسد الخفاجى كلام أبى هاشم وأبان فائدة ذكرهما، وأنهما من الحشو المحمود، ثم قال: وأبو هاشم وإن كان العالم المقدم فى صناعة الكلام، فليس معرفته بالجواهر والأعراض، وكلامه فى القدر والألطاف، مما يفيده العلم بصناعة نقد الكلام المؤلف، وفهم النظم والنثر كما أن فى أهل هذا العلم من يجهل أول ما يجب على العاقل، فضلا عما يجاوزه، ونعوذ بالله من تعاطى ما لا نحسنه. قال: ومن العجب أن الرمانى نقض على أبى هاشم مسائله هذه بكتاب معروف، قصره على بعضها، واعتمد فيه المناقشة لأبى هاشم فى لفظة لفظة فلما وصل هذا الموضع، لم يتعرض له بنفى ولا إثبات، بل ظهر منه أنه موافق مسلم قال:

وما يعلم السبب فى خفاء مثله على الرمانى مع مكانه المشهور من الأدب، ثم جعل الحشو أقساما:

النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.