من «معاهد التنصيص على شواهد التلخيص» لعبد الرحيم العباسي (ت ٩٦٣هـ)
شَوَاهِد الإيجاز والإطناب والمساواة
والعَيْشُ خَيرٌ فِي ظلالالنوك مِمَّن عاشَ كَداً
الْبَيْت لِلْحَارِثِ بن حلزة الْيَشْكُرِي من الْكَامِل الْمُضمر المرقل وَقَبله
(فَعش بجَدٍّ لَا يَضرك ... النَّوْكُ مَا أوُلِيتَ جدا) // الْكَامِل // ... والنوك بِضَم النُّون وَفتحهَا الْحمق وَمعنى كداً مكدوداً متعوبا
وَالشَّاهِد فِيهِ الْإِخْلَال لكَونه غير واف بالمراد إِذْ أصل مُرَاده أَن الْعَيْش الناعم فِي ظلال النوك خير من الْعَيْش الشاق فِي ظلال الْعقل وَلَفظه غير واف بذلك
وَمَا أحسن قَول ابْن المعتز
وحَلاوَةُ الدُّنْيَا لِجَاهِلهاومَرَارة الدُّنْيَا لمن عقلا) // الْكَامِل //
وَلأبي عبد الله مُحَمَّد بن أبي الْفضل السّلمِيّ المرسي
عابوا الجَهَالةَ وازدَروا بحقُوقِهاوتَهاوَنوا بحديثها فِي المجلِسِ
وَهِي الَّتِي يَنْقَادُ فِي يَدِها الْغنىوتجيئُها الدُّنْيَا برَغم المعطسِ
إنّ الْجَهَالَة للغنِي جَذَّابَةٌجَذْبَ الحديدِ حِجارَةَ المغنطيس) // الْكَامِل //
وَلأبي مُحَمَّد اليزيدي من أَبْيَات
عِشْ بجد وَلَا يصرك نوكٌإِنَّمَا عَيْش من ترى بالجُدُودِ
(عَاشَ بجد وَكن هَبَنَّقَةَ العَبْسِيَّ نوكاً أَو شيْبةَ بن الوليدِ ...) // الْخَفِيف //
وَمَا أحسن قَول بَعضهم
إِن الْمَقَادِير إِذا ساعدتألحقت الْعَاجِز بالقادر) // السَّرِيع //
وبديع قَول بَعضهم
بالجد يَسعى الفَتّى وإلَاّفَلَيْسَ يُغني أبٌ وجَدُّ
وَلَيْسَ يُجدي عَلَيك كَدٌّمَا دَامَ يُكْدِي عَلَيْك جد) // من مخلع الْبَسِيط //
وَمَا أحذق قَول ابْن لنكك
دنياكَ باتَتْ على الأحرارِ غاضِبَةًوطاوَعت كل صَفْعانٍ وضَرَّاطِ) // الْبَسِيط //
وَقَوله أَيْضا
كن ساعياً ومُصافعاً ومُضارطاًتَنلِ الرغائب فِي الزَّمان وتَنْفُقِ) // الْكَامِل //
ولمؤلفه من أَبْيَات
من يَبغ بالفَضل معاشاً يمتجوعَاً وَلَو كانَ بَديعَ الزمانِ
وَمن يَقُدْ أَو يتَمسخَرْ يَعِشْعَيْشًا رَخِيّاً فِي ظلال الأمانِ
تبغي الحجا ثمَّ تروم الْغَنِيّيَا قَلما تَجْتَمِع الضرتان) // السَّرِيع //
ولطيف قَول بَعضهم
قد يُحَدُّ اللَّبيبُ عَن سَعَة الرزقوَقد يَسعدُ الضعيفُ بجده
رُبَّ مَال أَتَى بأهوَنِ سَعيوكَدُودٍ لم يُغْنِه طول كده) // الْخَفِيف //
وَلابْن نباتة السَّعْدِيّ
مَا بالُ طَعْم الْعَيْش عِنْد مَعاشِرٍخلو وَعند معاشر كالعَلْقَم
من لي بعيش الأغبياء فَإِنَّهُلَا عيشَ إِلَّا عيشُ مَنْ لم يعلم) // الْكَامِل //
والْحَارث بن حلزة هُوَ من بني يشْكر من بكر بن وَائِل وَكَانَ أبرص وَهُوَ الْقَائِل
آذنَتنا بِبَينها أسماءُرب ثاو يمل مِنْهُ الثواء) // الْخَفِيف //
وَيُقَال إِنَّه ارتجلها بَين يَدي عَمْرو بن هِنْد ارتجالاً فِي شَيْء كَانَ بَين بكر وتغلب فِي الصُّلْح وَكَانَ ينشده من وَرَاء السجف للبرص الَّذِي كَانَ بِهِ فَأمر بِرَفْع السجف بَينه وَبَينه اسْتِحْسَانًا لَهُ وَكَانَ الْحَارِث متوكئاً على عنزة فأثرت فِي جسده وَهُوَ لَا يشْعر وَكَانَ لَهُ ابْن يُقَال لَهُ مذعور ولمذعور ابْن يُقَال لَهُ شهَاب ابْن مذعور وَكَانَ ناسباً وَفِيه يَقُول مِسْكين الدَّارمِيّ
هَلم إِلَى ابْن مَذْعورٍ شِهابٍيُنَبئُ بالسفال وبالمعالي) // الوافر //
قَالَ الْأَصْمَعِي قد أقوى الْحَارِث بن حلزة فِي قصيدته الَّتِي ارتجلها
فَمَلكْنا بذلك النَّاس إِذْ مَامَلكَ المنذرُ بن مَاء السَّمَاء
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلنْ يضر ذَلِك فِي هَذِه القصيدة لِأَنَّهُ ارتجلها فَكَانَت كالخطبة
(وألْفى قَولهَا كَذِباً وَمَيْنا ...) هُوَ من الوافر وصدره
(وقدَّدَت الْأَدِيم لراهشيه ...)
وقائله عدي بن زيد الْعَبَّادِيّ من قصيدة طَوِيلَة أَولهَا
أبُدِّلَتِ المنازلُ أم عنينابقادم عهدِهنَّ فقد بَلِينَا
يَقُول فِيهَا يُخَاطب النُّعْمَان بن الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء
أَلا يَا أَيهَا المُثري المرَجَّىألم تَسمع بخطب الأولينا
وَمِنْهَا وَيذكر غدر الزباء بجذيمة الأبرش
دَعَا بالبَّقَّةِ الأمراءَ يَوْمًاجذَيمةُ عَصْرَ يَنجوهمْ ثُبينا
فطاوَع أمرَهم وعَصَى قَصيراًوكانَ يقولُ لَو تَبِع اليقينا
ودسَّتْ فِي صحيفتها إِلَيْهِليمْلكَ بُضعَها وَلِأَن تَدِينا
ففاجأها وَقد جَمعت فيوجاًعلى أبوابِ حِصْنٍ مُصْلِتينا
فأرْدَتهُ ورُغْبُ النَّفس يُرْدِيويبدي للفتى الحينَ المُبينا
وحَدثتِ العَصا الأنباءَ عَنهُوَلم أرَ مثلَ فارِسها هجينا
وَبعده الْبَيْت المستشهد بعجزه وَبعده
وَمن حّذَر الملاوِم والمخازيوهنَّ المنْدِياتُ لمن منينا
أطَفَّ لأنفه الموسَى قَصيرٌلِيَجدعهُ وَكَانَ بِهِ ضنينا
فأهواهُ لما رنه فأضحىطِلابَ الوِترِ مَجْدوعاً مَشِيناً
وصادَفت امْرأ لم تخشَ مِنْهُغوائِلهُ وَمَا أمِنَت أَمينا
فَلَمَّا ارْتَدَّ مِنْهَا ارتَدَّ صُلباًيجُرُّ المالَ والصدرَ الضَّغينا
أتتها العِيسُ تحملُ مَا دهاهاوقنع فِي المسُوح الدارِعينا
ودسَّ لَهَا على الأنْفَاق عَمراًبِشكَّته وَمَا خَشيت كمينا
فَجَلَّلها قديمَ الأَثْرِ عَضْبايَصكُّ بِهِ الحواجبَ واتجبينا
فأضحَتْ من خزائنها كأنْ لمتكن زبَّاء حاملةً جَنِينا
وأبرزها الْحَوَادِث والمناياوَأي معمر لَا يبتلينا
إِذا أمهلْنَ ذَا جَدٍّ عَظِيمعطفن عَلَيْهِ وَلَو فرَّطن حينا
(وَلم أجد الْفَتى يلهو بِشَيْء ... وَلَو أثرى وَلَو ولد البنينا) وَكَانَ من خبر جذيمة والزباء أَن جذيمة كَانَ من الْعَرَب الأولى من بني إياد كَمَا ذكره ابْن الْكَلْبِيّ وكنيته أَبُو مَالك وَكَانَ فِي أَيَّام مُلُوك الطوائف وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة كَانَ جذيمة بعد عِيسَى صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ بِثَلَاثِينَ سنة وَكَانَ قد ملك شاطئ الْفُرَات إِلَى مَا وإِلى ذَلِك إِلَى السوَاد سِتِّينَ سنة وَكَانَ بِهِ برص فهابت الْعَرَب أَن تصفه بذلك فَقَالُوا الأبرش والوضاح وَقيل سمي بذلك لِأَنَّهُ أَصَابَهُ حرق نَار فَبَقيَ أَثَره نقطاً سُودًا وحمراً وَكَانَ الْملك قبله أَبَاهُ وَهُوَ أول من ملك الْحيرَة وَكَانَ جذيمة هَذَا يُغير على مُلُوك الطوائف حَتَّى غلبهم
على كثير مِمَّا فِي أَيْديهم وَهُوَ أول من أوقد الشمع وَنصب المجانيق للحرب وَأول من اجْتمع لَهُ الْملك بِأَرْض الْعرَاق وَكَانَ قد قتل أَبَا الزباء وَغلب على غَالب ملكه وَأَلْجَأَ الزباء إِلَى أَطْرَاف مملكتها وَكَانَت عَاقِلَة أريبة فَبعثت إِلَيْهِ تخطبه لنَفسهَا ليتصل ملكه بملكها فدعته نَفسه إِلَى ذَلِك وَقيل هُوَ الَّذِي بعث إِلَيْهَا يخطبها فَكتبت إِلَيْهِ إِنِّي فاعلة وَمثلك يرغب فِيهِ فَإِذا شِئْت فاشخص إِلَيّ فَشَاور وزراءه فكلٌّ أَشَارَ عَلَيْهِ أَن يفعل إِلَّا قصير بن سعد فَإِنَّهُ قَالَ لَهُ أَيهَا الْملك لَا تفعل فَإِن هَذِه خديعة ومكر فَعَصَاهُ وأجابها إِلَى مَا سَأَلت فَقَالَ قصير عِنْد ذَلِك لَا يطاع لقصير رأى وَقيل أَمر فأرسلها مثلا وَلم يكن قَصِيرا وَلَكِن كَانَ اسْما لَهُ ثمَّ إِنَّه قَالَ لَهُ أَيهَا الْملك أما إِذْ عَصَيْتنِي فَإِذا رَأَيْت جندها قد أَقبلُوا إِلَيْك فَإِن ترجلوا وحيوك ثمَّ ركبُوا وتقدموا فقد كذب ظَنِّي وَإِن رَأَيْتهمْ إِذا حيوك طافوا بك فَإِنِّي معرض لَك الْعَصَا وَهِي فرس لجذيمة لَا تدْرك فاركبها وانج فَلَمَّا أقبل جيشها حيوه ثمَّ طافوا بِهِ فَقرب قصير إِلَيْهِ الْعَصَا فشغل عَنْهَا فركبها قصير فنجا فَنظر جذيمة إِلَى قصير على الْعَصَا وَقد حَال دونه السراب فَقَالَ مَا ذل من جرت بِهِ الْعَصَا فأرسلها مثلا وَأدْخل جذيمة على الزباء وَكَانَت قد ربت شعر عانتها حولا فَلَمَّا دخل تكشفت لَهُ وَقَالَت أمتاع عروس ترى يَا جذيمة فَقَالَ بل مَتَاع أمة بظراء فَقَالَت إِنَّه لَيْسَ من عدم المواسي وَلَا من قلَّة الأواسي وَلكنهَا شِيمَة مَا أقاسي وَأمرت فأجلس على نطع ثمَّ أمرت برواهشه فَقطعت وَكَانَ قد قيل لَهَا احْتَفِظِي بدمه فَإِنَّهُ إِن أصَاب الأَرْض قَطْرَة من دَمه طلب بثأره فقطرت قَطْرَة من دَمه فِي الأَرْض فَقَالَت
لَا تضيعوا دم الْملك فَقَالَ جذيمة دعواد مَا ضيعه أَهله فَلم يزل الدَّم يسيل إِلَى أَن مَاتَ
ثمَّ إِن قَصِيرا أَتَى عمرا ابْن أُخْت جذيمة وَأخْبرهُ الْخَبَر وحرضه على أَخذ الثأر واحتال لذَلِك بِأَن قطع أَنفه وَأُذُنَيْهِ وَلحق بالزباء وَزعم أَن عمرا فعل بِهِ ذَلِك وَأَنه اتهمه بممالأته لَهَا على خَاله وَلم يزل يخدعها حَتَّى اطمأنت لَهُ وَصَارَت ترسله إِلَى الْعرَاق بِمَال فَيَأْتِي إِلَى عَمْرو فَيَأْخُذ مِنْهُ ضعفه وَيَشْتَرِي بِهِ مَا تطلبه وَيَأْتِي إِلَيْهَا بِهِ إِلَى أَن تمكن مِنْهَا وسلمته مَفَاتِيح الخزائن وَقَالَت لَهُ خُذ مَا أَحْبَبْت فَاحْتمل مَا أحب من مَالهَا وأتى عمرا فانتخب من عسكره فُرْسَانًا وألبسهم السِّلَاح وَاتخذ غَرَائِر وَجعل أشراجها من دَاخل ثمَّ حمل على كل بعير رجلَيْنِ مَعَهُمَا سلاحهما وَجعل يسير النَّهَار حَتَّى إِذا كَانَ اللَّيْل اعتزل عَن الطَّرِيق فَلم يزل كَذَلِك حَتَّى شَارف الْمَدِينَة فَأَمرهمْ فلبسوا الْحَدِيد ودخلوا الغرائر لَيْلًا وَعرف أَنه مصبحها فَلَمَّا أصبح عِنْدهَا دخل عَلَيْهَا وَسلم وَقَالَ هَذِه العير تَأْتِيك السَّاعَة بِمَا لم يأتك قطّ مثله فَصَعدت فَوق قصرهَا وَجعلت تنظر العير وَهِي تدخل الْمَدِينَة فأنكرت مشيها وَجعلت تَقول
مَا للجِمَالِ مشيُها وئِيداأجَندلاً يحملن أم حَديدا
أم صَرَفاناً بَارِدًا شَدِيداأم الرِّجالَ جثَّماً قعُودا) // الرجز //
فَلَمَّا توافت العير الْمَدِينَة حلوا أشراجهم وَخَرجُوا فِي الْحَدِيد وأتى قصير بِعَمْرو فأقامه على سرب كَانَ لَهَا إِذا خشيت خرجت مِنْهُ فَأَقْبَلت لتخرج من السرب فاتاها عَمْرو فَجعلت تمص خَاتمًا وَفِيه سم وَتقول بيَدي لَا بيد عَمْرو وَفَارَقت الدُّنْيَا والراهشان عرقان فِي بَاطِن الذراعين
وَالشَّاهِد فِيهِ التَّطْوِيل وَهُوَ أَن يكون اللَّفْظ زَائِدا على أصل المُرَاد لَا لفائدة وَاللَّفْظ الزَّائِد غير مُتَعَيّن إِذْ جمعه بَين الْكَذِب والمين فِي الْبَيْت لَا فَائِدَة فِيهِ
لِأَنَّهُمَا بِمَعْنى وَاحِد
وعدي هُوَ ابْن زيد بن حَمَّاد بن أَيُّوب يَنْتَهِي نسبه لنزار وَكَانَ أَيُّوب هَذَا فِيمَا يزْعم ابْن الْأَنْبَارِي أول من سمي من الْعَرَب أَيُّوب وَكَانَ عدي شَاعِرًا فصيحاً من شعراء الْجَاهِلِيَّة وَكَانَ نَصْرَانِيّا وَكَذَلِكَ كَانَ أَبوهُ وَأَهله وَلَيْسَ مِمَّن يعد من الفحول إِذْ هُوَ قروي وَقد أَخذ عَنهُ أَشْيَاء عيب بهَا وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَة والأصمعي يَقُولَانِ عدي بن زيد فِي الشُّعَرَاء بِمَنْزِلَة سُهَيْل فِي النُّجُوم يعارضها وَلَا يجْرِي مَعهَا مجْراهَا وَكَذَلِكَ عِنْدهم أُميَّة بن أبي الصَّلْت الثَّقَفِيّ وَمثلهمَا عِنْدهم من الإسلاميين الْكُمَيْت والطرماح وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة كَانَ يسكن الْحيرَة وَيدخل الأرياف فثقل لِسَانه وَاحْتمل عَنهُ شَيْء كثير جدا وعلماؤنا لَا يرَوْنَ شعره حجَّة
وَله أَربع قصائد غرر إِحْدَاهُنَّ أَولهَا
أرَواحٌ مودِّع أم بكُورُلَك فاعمدِ لأي حالٍ تَصيرُ) // الْخَفِيف //
وفيهَا يَقُول
(أَيهَا الشَّامتُ المُعير بالدَّهرِ أأنتَ المبرَّأُ الموفورُ ...)
(أم لديكَ العهدُ الوثيقُ من الأيَّام أم أنتَ جاهلٌ مغرورُ ...)
من رأيتَ المنونَ جازَتهُ أم منذَا عَلَيْهِ من أَن يُضامَ خَفيرُ
أَيْن كِسرَى كسْرَى الملوكِ أنوشِرْوانُ أم أَيْن قبلَهُ سابورُ
وَبَنُو الأصْفَرِ الكِرام مُلُوك الرّوملم يبْقَ منهُمُ مَذكُورُ
(وأخو الْحَضَر إِذْ بَناهُ وَإِذ دجْلَةُ تُجْبَى إليهِ والخابورُ ...)
(شادَهُ مَرمراً وَجلَلهُ كلْساً فللطَّيرِ فِي ذَراهُ وُكورُ ...)
(وَتَبَيَّنَ ربَّ الخَوْرَنقِ إِذْ أشْرَفَ يَوْمًا وللهدى تفكيرُ ...)
سرَّه حالُهُ وَكثرةُ مَا يَملِكُوالبحرُ مُعرِضاً والسديرُ
(فارعَوَى قلبُهُ وقالَ وَمَا غِبْطَةُ حيٍّ إِلَى المماتِ يصيرُ ...)
(ثمَّ بعدَ الْفَلاح والملكِ والأمَّةِ وارَتهُم هناكَ القبورُ ...)
(ثمَّ أضْحَوْا كَأَنَّهُمْ ورَقٌ جَفَّ فألوَتْ بِهِ الصَّبا والدَّبورُ ...) الْحسن
وَالثَّانيَِة أَولهَا
أتَعرف رسمَ الدَّار من أم مَعبدِنعم فَرَماكَ الشوقُ قبل التجَلدِ
أعاذلَ مَا يُدريكِ أَن مَنِيَّتيإِلَى ساعةٍ فِي الْيَوْم أَو فِي ضُحَى الْغَد
ذَرِينِي فَإِنِّي إِنَّمَا لِيَ مَا مضىأمامِيَ من مَالِي إِذا خَفَّ عُوَّدي
وَحَّمت لميقاتٍ إلىَّ منيتيوغُودِرتُ قد وسِّدتُ أَو لم أوَسَّد
وللوارثِ الْبَاقِي من المالِ فاتركيعتابي فَإِنِّي مُصلحٌ غيرُ مُفسد) // الطَّوِيل //
وَالثَّالِثَة أَولهَا
لم أرَ مثلَ الفِتيانِ فِي غَبَنِ الْأَيَّامينْسَوْنَ مَا عواقبُهَا) // المنسرح //
وَالرَّابِعَة أَولهَا
طالَ ليلِي أراقبُ التنويراارقُبُ الليْلَ بالصباح بَصيرًا) // الْخَفِيف //
انْتهى مَا قَالَه ابْن قُتَيْبَة
وَكَانَ جده أَيُّوب منزله بِالْيَمَامَةِ فَأصَاب دَمًا فِي قومه فهرب فلحق بأوس ابْن قلام أحد بني الْحَرْث بن كَعْب بِالْحيرَةِ وَكَانَ بَينهمَا نسب من قبل النِّسَاء فَأَقَامَ بِالْحيرَةِ واتصل بالملوك الَّذين كَانُوا بهَا وَعرفُوا حَقه وَحقّ بنيه وَلما ولد عدي وأيفع طَرحه أَبوهُ فِي الْكتاب حَتَّى إِذا حذق أرْسلهُ مرزبان الْحيرَة مَعَ ابْنه شاهان مرد إِلَى كتاب الفارسية فَكَانَ يخْتَلف مَعَ ابْنه ويتعلم الْكِتَابَة وَالْكَلَام بِالْفَارِسِيَّةِ حَتَّى خرج من افهم النَّاس بهما وأفصحهم بِالْعَرَبِيَّةِ وَقَالَ الشّعْر وَتعلم الرَّمْي وبالنشاب فَخرج من الأساورة الرُّمَاة وَتعلم لعب الْعَجم على الْخَيل بالصوالجة وَغَيرهَا ثمَّ إِن الْمَرْزُبَان وَفد على كسْرَى وَمَعَهُ ابْنه شاهان مرد فَبَيْنَمَا هما واقفان بَين يَدَيْهِ إِذْ سقط طائران على السُّور فتطاعما كَمَا يتطاعم الذّكر وَالْأُنْثَى يَجْعَل كل وَاحِد مِنْهُمَا منقاره فِي منقار الآخر فَغَضب كسْرَى من ذَلِك وَلَحِقتهُ غيرَة شَدِيدَة فَقَالَ للمرزبان وَابْنه ليرم كل وَاحِد مِنْكُمَا وَاحِدًا من هذَيْن الطائرين فَإِن قتلتماهما أدخلتكما بَيت المَال وملأت أَفْوَاهكُمَا بالجوهر وَمن أَخطَأ مِنْكُمَا عاقبته فاعتمد كل وَاحِد مِنْهُمَا طائراً مِنْهُمَا ورميا فَقَتَلَاهُمَا جَمِيعًا فَبعث بهما إِلَى بَيت المَال فملئت أفواههما جوهراً وَأثبت شاهان مرد وَسَائِر أَوْلَاد الْمَرْزُبَان فِي صحابته فَقَالَ عِنْد ذَلِك للْملك إِن عِنْدِي غُلَاما من الْعَرَب مَاتَ أَبوهُ وَخَلفه فِي حجري فربيته وَهُوَ أفْصح النَّاس وأكتبهم بِالْعَرَبِيَّةِ والفارسية وَالْملك مُحْتَاج إِلَى مثله فَإِن رأى الْملك أَن يُثبتهُ فِي وَلَدي فعل فَقَالَ ادْعُه فَأرْسل إِلَى عدي بن زيد وَكَانَ جميل الْوَجْه فائق الْحسن وَكَانَت الْفرس تتبرك بالجميل فَلَمَّا كَلمه وجده أظرف النَّاس وأحضرهم جَوَابا فَرغب فِيهِ وأثبته مَعَ ولد الْمَرْزُبَان فَكَانَ عدي أول من كتب بِالْعَرَبِيَّةِ فِي ديوَان كسْرَى فَرغب أهل الْحيرَة إِلَى عدي ورهبوه فَلم يزل بِالْمَدَائِنِ فِي ديوَان
كسْرَى يُؤذن لَهُ عَلَيْهِ فِي الْخَاصَّة وَهُوَ معجب بِهِ قريب مِنْهُ وَأَبوهُ زيد بن حَمَّاد حيٌّ إِلَّا أَن ذكر عدي قد ارْتَفع وخمل ذكر أَبِيه فَكَانَ عدي إِذا دخل على الْمُنْذر قَامَ لَهُ هُوَ وَجَمِيع من عِنْده حَتَّى يقْعد عدي فعلا لَهُ بذلك صيت عَظِيم وَكَانَ إِذا أَرَادَ الْمقَام فِي الْحيرَة مَعَ أَبِيه وَأَهله اسْتَأْذن كسْرَى فَأَقَامَ فيهم الشَّهْر والشهرين وَأكْثر وَأَقل ثمَّ إِن كسْرَى أرْسلهُ إِلَى ملك الرّوم بهدية من طرف مَا عِنْده فَلَمَّا أَتَاهُ عدي بهَا أكْرمه وَحمله إِلَى أَعماله على الْبَرِيد ليريه سَعَة أرضه وَعظم ملكه وَكَذَلِكَ كَانُوا يصنعون فَمن ثمَّ وَقع عدي بِدِمَشْق وَقَالَ بهَا الشّعْر فمما قَالَه بِالشَّام وَهُوَ أول شعر قَالَه فِيمَا ذكر
رُبَّ دارٍ بأسفَلِ الْجزع من دومةأشهى إِلَيّ من جيرُون
وَنَدامَى لَا يفرحون بِمَا نالواوَلَا يَتْقُونَ صرفَ المُنونِ
قَدْ سُقِيتْ الشمُولَ فِي دَار بشرٍقَهْوَةً مُرَةً بِمَاء سخين) // الْخَفِيف //
ثمَّ إِن عديا قدم الْمَدَائِن على كسْرَى بهدية قَيْصر فصادف أَبَاهُ والمرزبان الَّذِي رباه قد هلكا جَمِيعًا فَاسْتَأْذن كسْرَى فِي الْمقَام بِالْحيرَةِ فَتوجه إِلَيْهَا وَبلغ الْمُنْذر خَبره فَخرج فَتَلقاهُ وَرجع مَعَه وعدي أنبل أهل الْحيرَة فِي أنفسهم وَلَو أَرَادَ أَن يملكوه لملكوه وَلكنه كَانَ يُؤثر الصَّيْد وَاللَّهْو واللعب على الْملك فَمَكثَ سِنِين يَبْدُو فِي فَصلي السّنة فيقم فِي الْبر صيفاً ويشتو
بِالْحيرَةِ وَيَأْتِي الْمَدَائِن فِي خلال ذَلِك فيخدم كسْرَى فَمَكثَ بذلك سِنِين ثمَّ إِن الْمُنْذر هلك وَقَامَ ابْنه النُّعْمَان مقَامه بمعاونة عدي فِي خبر طَوِيل ثمَّ لم يزل الحسدة يوقعون بَينه وَبَين عدي إِلَى أَن حَبسه فَقَالَ فِي ذَلِك أشعاراً كَثِيرَة مِنْهَا
طالَ ذَا الليلُ علينا واعْتَكَروَكَأَنِّي بادِرُ الصبْحِ شَمَرْ
مِنْ نجىَ الهمّ عِندِي ثاوياًفوقَ مَا أُعلنُ منهُ وأسرّ
وكأنْ الليلَ فِيهِ مثلُهولَقِدْماً ظُنّ بِاللَّيْلِ الْقصر
لَمْ أغمَّضّ طولَهُ حَتَّى انْقَضىأتمنَّى لَو أرَى الصبحَ حَشَرْ
غيرَ مَا عشق ولكنْ طارقٌخَلَسَ النومَ وأجداني السهر) // الرمل //
وَقَالَ يُخَاطب النُّعْمَان بن الْمُنْذر أَيْضا
أبلِغ النعمانَ عني مَالُكاًأنهُ قدْ طالَ حبسي وانتظارْ
لَو بِغَيْر المَاء حلقي شرِقٌكنت كالغَصَّانِ بِالْمَاءِ اعتصارْ
ليتَ شعري مَنْ دخيلٌ يعترىحينما أدركَ ليْلي ونهَارْ
قَاعِدا يكربُ نَفسِي بثهَاوَحرَام كانَ سجني واختصار) // الرمل //
فِي قصائد كَثِيرَة كَانَ يَقُولهَا وَيكْتب بهَا إِلَيْهِ فَلَا تجدي عِنْده شَيْئا
وَلَقَد تداول الشُّعَرَاء معنى بَيت عدي لَو بِغَيْر المَاء حلقي شَرق إِلَخ بعد عدي فَقَالَ أَبُو نواس
غصصْتُ منكَ بِمَا لَا يدفعُ الماءُوصحّ حبكَ حَتَّى مَا بِهِ داءُ) // الْبَسِيط //
وَقَالَ الآخر
من غصّ داوَى بِشرب المَاء غصتهفَكيف يصنعُ من قدْ غص بِالْمَاءِ) // الْبَسِيط //
وَقَالَ الخزأرزي
بِالْمَاءِ أدفعُ شَيْئا إِن غَصصتُ بهِفَمَا احتيالي وغصِّي مِنْك بِالْمَاءِ) // الْبَسِيط //
ثمَّ لما طَال سجن عدي كتب إِلَى أَخِيه أبي وَهُوَ مَعَ كسْرَى يُعلمهُ بِحَالهِ فَلَمَّا قَرَأَ كِتَابه قَامَ إِلَى كسْرَى فَكَلمهُ فِي أمره وعرفه بِخَبَرِهِ فَكتب إِلَى النُّعْمَان يَأْمُرهُ بِإِطْلَاقِهِ وَبعث مَعَه رجلا وَكتب خَليفَة النُّعْمَان إِلَيْهِ إِنَّه قد كتب إِلَيْك فِي أمره فَأتى النُّعْمَان أَعدَاء عدي وَقَالُوا اقتله السَّاعَة فَأبى عَلَيْهِم وَجَاء الرَّسُول وَقد كَانَ أَخُو عدي تقدم إِلَيْهِ ورشاه وَأمره أَن يبْدَأ بعدِي فَيدْخل عَلَيْهِ وَهُوَ مَحْبُوس بالصنين فَقَالَ لَهُ ادخل عَلَيْهِ وَانْظُر مَاذَا يَأْمُرك بِهِ فامتثله فَدخل الرَّسُول على عدي فَقَالَ لَهُ إِنِّي قد جِئْت بإرسالك فَمَا عنْدك قَالَ عِنْدِي الَّذِي تحب ووعده عدَّة سنية وَقَالَ لَا تخرجن من عِنْدِي وَأَعْطِنِي الْكتاب حَتَّى أرْسلهُ إِلَيْهِ فَإنَّك وَالله لَئِن خرجت من عِنْدِي لأقتلن فَقَالَ لَا أَسْتَطِيع إِلَّا أَن آتِي الْملك بِالْكتاب فأوصله إِلَيْهِ فَانْطَلق بعض من كَانَ هُنَاكَ من أَعدَاء عدي فَأخْبر النُّعْمَان أَن رَسُول كسْرَى دخل على عدي وَهُوَ ذَاهِب بِهِ وَإِن فعل وَالله لم يستبق منا أحدا أَنْت وَلَا غَيْرك فَبعث إِلَيْهِ النُّعْمَان أعداءه فغموه حَتَّى مَاتَ ثمَّ دفنوه وَدخل الرَّسُول إِلَى النُّعْمَان فأوصل الْكتاب إِلَيْهِ فَقَالَ حبا وكرامة وَأمر لَهُ بأَرْبعَة آلَاف
مِثْقَال ذهب وَجَارِيَة حسناء وَقَالَ لَهُ إِذا أَصبَحت فَادْخُلْ أَنْت بِنَفْسِك الْحَبْس فَأخْرجهُ فَلَمَّا أصبح ركب فَدخل السجْن فَأخْبرهُ الحارس أَنه قد مَاتَ مُنْذُ أَيَّام وَلم نجترئ على إِخْبَار الْملك بذلك خوفًا مِنْهُ وَقد عرفنَا كراهيته لمَوْته فَرجع إِلَى النُّعْمَان فَقَالَ إِنِّي قد كنت أمس دخلت على عدي وَهُوَ حَيّ وَجئْت الْيَوْم فجحدني السجان وبهتني وَذكر لي أَنه قد مَاتَ مُنْذُ أَيَّام فَقَالَ لَهُ النُّعْمَان أيبعث بك الْملك إِلَيّ فَتدخل إِلَيْهِ قبلي كذبت وَلَكِنَّك أردْت الرِّشْوَة والخبث وتهدده ثمَّ زَاد جائزته وأكرمه وتوثق مِنْهُ أَن لَا يخبر كسْرَى إِلَّا أَنه قد مَاتَ قبل أَن يقدم عَلَيْهِ فَرجع الرَّسُول إِلَى كسْرَى وَقَالَ إِنِّي قد وجدت عديا قد مَاتَ قبل أَن أَدخل عَلَيْهِ وَنَدم النُّعْمَان على قَتله وَعلم أَنه قد احتيل عَلَيْهِ فِي قَتله واجترأ أعداؤه عَلَيْهِ وهابهم هَيْبَة شَدِيدَة
وَكَانَ لعدي ولد اسْمه زيد فسيره النُّعْمَان إِلَى كسْرَى وَوَصفه بأوصاف جميلَة فَوَقع من كسْرَى الْموقع فَمَا زَالَ يعْمل الْحِيلَة إِلَى أَن غير كسْرَى على النُّعْمَان وَأرْسل إِلَيْهِ أَن أقبل علينا فَحمل سلاحه وَمَا قوي عَلَيْهِ ثمَّ لحق بجبل طَيئ ثمَّ بعث إِلَى كسْرَى بخيل وحلل وجواهر وطرف فقبلها كسْرَى وَأظْهر لَهُ الرِّضَا وَأمره بالقدوم فَعَاد الرَّسُول وَأخْبرهُ بذلك وَأَنه لم ير لَهُ عِنْد كسْرَى سوءا فَمضى إِلَيْهِ حَتَّى إِذا وصل إِلَى ساباط لقِيه زيد بن عدي عِنْد قنطرة ساباط فَقَالَ لَهُ انج نعيم إِن اسْتَطَعْت النجَاة فَقَالَ لَهُ أفعلتها يَا زيد أما وَالله إِن عِشْت لَك لأَقْتُلَنك قتلة لم يَقْتُلهَا عَرَبِيّ قطّ ولألحقتك بأبيك فَقَالَ لَهُ زيد امْضِ لشانك نعيم فقد وَالله أخيت لَك أخية لَا يقطعهَا الْمهْر
الأرن فَلَمَّا بلغ كسْرَى أَنه بِالْبَابِ بعث إِلَيْهِ فقيده وَبعث بِهِ إِلَى سجن لَهُ بخانقين فَلم يزل فِيهِ حَتَّى وَقع الطَّاعُون هُنَالك فَمَاتَ فِيهِ وَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ أَلْقَاهُ تَحت أرجل الفيلة فوطئته حَتَّى مَاتَ وَأنكر هَذَا من زعم أَنه مَاتَ بخانقين وَقَالُوا لم يزل مَحْبُوسًا مُدَّة طَوِيلَة وَإِنَّمَا مَاتَ بعد ذَلِك بِحِين قبيل الْإِسْلَام وغضبت لَهُ الْعَرَب حِينَئِذٍ وَكَانَ قَتله سَبَب وقْعَة ذِي قار
وَكَانَ عدي يهوى هِنْد بنت النُّعْمَان بن الْمُنْذر وَلها يَقُول
عَلقَ الأحْشاء مِنْ هندَ عُلقْمُستسِرّ فِيهِ نَصْبٌ وَأرقْ) // الرمل //
وفيهَا يَقُول أَيْضا
مَنْ لِقلب دَنفٍ أوْ مُعتمدْقَد عَصى كلَّ نَصيحٍ ومفد) // الرمل //
وفيهَا يَقُول أَيْضا
يَا خَليليّ يَسِّرَا التَعسيرَاثمَّ رُوحا فَهجِّرَا تهَجيرَا
عَرَّجا بِي على دِيارٍ لِهندٍلَيسَ أَن عُجتما الْمطِي كَبيرا) // الْخَفِيف //
وَقد تزَوجهَا عدي فِي خبر طَوِيل فَمَكثت مَعَه حَتَّى قَتله النُّعْمَان فترهبت وحبست نَفسهَا فِي الدَّيْر الْمَعْرُوف بدير هِنْد فِي ظَاهر الْحيرَة وَكَانَ هلاكها بعد الْإِسْلَام بِزَمن طَوِيل فِي ولَايَة الْمُغيرَة بن شُعْبَة الْكُوفَة وخطبها الْمُغيرَة فَردته
وَقَالَت والصليب لَو علمت أَن فِي خصْلَة من جمال أَو شباب رغبتك فِي لأجبتك وَلَكِنَّك أردْت أَن تَقول فِي المواسم ملكت مملكة النُّعْمَان بن الْمُنْذر وَتَزَوَّجت ابْنَته فَبِحَق معبودك أَهَذا أردْت قَالَ إِي وَالله قَالَت فَلَا سَبِيل إِلَيْهِ
وَلَا فَضْلَ فيهَا لِلشجَاعَةِ وَالنَّدَىوَصَبرِ الفَتى لَوْلَا لِقَاءُ شَعُوبِ
الْبَيْت لأبى الطّيب المتنبي من قصيدة من الطَّوِيل يمدح بهَا سيف الدولة ابْن حمدَان ويعزيه بغلامه يماك التركي وأولها وَفِيه الخرم وَهُوَ حذف الْحَرْف الأول من الوتد الْمَجْمُوع
لَا يُحزنِ اللهُ الأميرَ فإِننيلآخُذُ مِنْ حالاتهِ بنصيبِ
وَمنْ سَرَّ أَهْلَ الأَرْض ثمَّ بَكَى أسىًبَكى بُعيونٍ سرَّها وَقلوب
وَإني وَإِنْ كانَ الدَّفينُ حَبيبهُحَبيبٌ إِلَى قلبِي حَبيبُ حَبيبي
وقَدْ فارَقَ النَّاسُ الأحبَّةَ قبلنَاوَأَعيا دَواءُ الموْت كلَّ طَبيب
سُبقنا إِلَى الدُّنيا فَلوْ عاشَ أهْلهامُنعنا بِها مِنْ جَيئةٍ وذُهوب
تَملكها الآتِي تملُّكَ سالبوفارقها الْمَاضِي فِرَاق سليب) // الطَّوِيل //
وَبعده الْبَيْت وَبعده
وأؤفي حَياةِ الغابرينَ لِصاحبٍحَياةُ امْرِئ خانتهُ بعدَ مَشيب
لأبقي يَماك فِي حَشايَ صَبابةإِلَى كلِّ تركيِّ النِّجار جَليب
وَمَا كلُّ وَجهٍ أبْيضٍ بِمباركٍولَا كلُّ جَفنٍ ضَيِّق بنجيب
لئنْ ظَهرتْ فِينا عَليهِ كآبةٌلقدْ ظَهرتْ فِي حَدِّ كل قَضيب
وَفي كلّ قَوْسٍ كلّ يَوْمِ تَناضلٍوَفي كلِّ طِرفٍ كلّ يَوْم رُكوب
يَعزُّ عَليه أنْ يُخلَّ بِعادةٍوَتدعو لأمرٍ وَهوَ غيرُ مُجيب
وَكنتُ إذَا أبْصرتُهُ لكَ قَائِمانَظرتُ إِلَى ذيِ لِبدَتين أريب
فإِنْ يكن العلق النّفيسَ فَقدتَهُفَمن كَفِّ مِتلافٍ أغَرَّ وَهوب
لأنَّ الردَي عادٍ على كل ماجدٍإذَا لمْ يُعوِّذْ مَجدهُ بِعيوب
وَلوْلَا أيادِي الدَّهر فِي الجَمع بَينناغَفلنا فَلمْ نَشعرْ لَهُ بذنوب) // الطَّوِيل //
وَهِي طَوِيلَة
وشعوب اسْم للمنية غير منصرف للعلمية والتأنيث وَصَرفه للضَّرُورَة سميت النتية بذلك لِأَنَّهَا تشعب أَي تفرق
وَالشَّاهِد فِيهِ الحشو الزَّائِد الْمُفْسد وَهُوَ هُنَا لَفْظَة الندى لِأَن الْمَعْنى أَن الدُّنْيَا لَا فضل فِيهَا للشجاعة وَالعطَاء وَالصَّبْر على الشدائد على تَقْدِير عدم الْمَوْت وَهَذَا إِنَّمَا يَصح فِي الشجَاعَة وَالصَّبْر دون الْعَطاء فَإِن الشجاع إِذا تَيَقّن الخلود هان عَلَيْهِ الاقتحام فِي الحروب لعدم خَوفه من الْهَلَاك فَلم يكن فِي ذَلِك فضل وَكَذَلِكَ الصابر إِذا تَيَقّن زَوَال الشدائد والحوادث وَبَقَاء الْعُمر هان عَلَيْهِ صبره على الْمَكْرُوه لوثوقه بالخلاص مِنْهُ بل مُجَرّد طول الْعُمر يهون على النُّفُوس الصَّبْر على المكاره وَلِهَذَا يُقَال هَب أَن لي صَبر أَيُّوب فَمن أَيْن لي عمر نوح بِخِلَاف الْبَاذِل مَاله فَإِنَّهُ إِذا تَيَقّن الخلود شقّ عَلَيْهِ بذل المَال لاحتياجه إِلَيْهِ فَيكون بذله حِينَئِذٍ أفضل أما إِذا تَيَقّن الْمَوْت فقد هان عَلَيْهِ بذله وَلِهَذَا قَالَ طرفَة
فَإِن كنت لَا أَسْتَطِيع دفع منيتيفذرني أبادرها بِمَا ملكت يَدي) // الطَّوِيل //
وَمثله قَول مهيار الديلمي
فَكلْ إنْ أكلتَ وَأطعمْ أخاكَفَلَا الزَّادُ يَبقى وَلا الْآكِل) // المتقارب //
وَقيل المُرَاد بالندى بذل النَّفس لَا المَال كَمَا قَالَ مُسلم بن الْوَلِيد
يجود بِالنَّفسِ إِن ضن الْجواد بهَاوالجود بِالنَّفسِ أقْصَى غَايَة الْجُود) // الْبَسِيط //
ورد بِأَن لفظ الندى لَا يكَاد يسْتَعْمل فِي بذل النَّفس وَإِن اسْتعْمل فعلى وَجه الْإِضَافَة وَالْأَقْرَب مَا ذكره ابْن جني وَهُوَ أَن فِي الخلود وتنقل الْأَحْوَال فِيهِ من عسر إِلَى يسر وَمن شدَّة إِلَى رخاء مَا يسكن النُّفُوس ويسهل الْبُؤْس فَلَا يظْهر لبذل المَال كثير فضل
(وَأعْلَم عِلْمَ الْيَوْم والأمس قبله ...)
هُوَ من الْبَحْر الطَّوِيل وَتَمَامه
(وَلكنني عَن علم مَا فِي غَدٍ عَمِ ...)
وقائله زُهَيْر بن أبي سلمى وَهُوَ من آخر قصيدة قَالَهَا فِي الصُّلْح الْوَاقِع بَين عبس وذبيان وأولها
أَمِنْ أمِّ أوفى دِمنةٌ لم تَكلمبِحوْمانةِ الدَّرَّاج فالمُتثلم
ودَارٌ لَهَا بالرَّقمتين كَأَنَّهَامَراجِيعُ وَشمٍ فِي نَواشر مِعصم
بهَا الْعينُ والآرامُ يَمشينَ خِلفةًوَأطلاؤها يَنهضنَ من كلِّ مجثم) // الطَّوِيل //
وَمعنى الْبَيْت أَن علمي قد يُحِيط بِمَا مضى وَبِمَا هُوَ حَاضر ولكنني عمي الْقلب عَن الْإِحَاطَة بِمَا هُوَ منتظر متوقع يُرِيد لَا أَدْرِي مَاذَا يكون غَدا
وَالشَّاهِد فِيهِ الحشو الْغَيْر مُفسد للمعنى وَهُوَ لَفْظَة قبله
وَمثله قَول عدي الْمُتَقَدّم
نحْنُ الرؤسُ وَما الرؤسُ إذَا سمتْفِي المَجدِ لِلأقْوَام كالأذناب) // الْكَامِل //
فَقَوله للأقوام حَشْو وَفِيه نظر لِأَن اسْتِعْمَال الرَّأْس فِي الْمُقدم والرائس مجَاز وَذكر الأقوام كالقرينة
وَقَول الآخر
ذكَرْتُ أخي فَعاودِنيصداع الرَّأْس والوءصب) // من مجزوء الوافر //
فلفظة الرَّأْس حَشْو فَإِن الصداع لَا يسْتَعْمل إِلَّا فِي الرَّأْس
وَمن الحشو الْمُفْسد قَول ديك الْجِنّ
فتنفست فِي الْبَيْت إذْ مُزجتْبِالماء وَاسْتلتْ سَنا اللهب
كتنفُّسِ الريحانِ خالطهُمنْ وردِ جور ناضر الشّعب) // الْكَامِل //
فَذكره المزاج يُغني وَالْمَاء فضل لَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَقد قصر عَن قَول أبي نواس
سلوا قنَاعَ الطينِ عَن رَمقٍحيّ الحياةِ مُشَارف الحتف
فتنفستْ فِي الْبَيْت إِذْ مُزِجتْكتنفس الريحانِ فِي الْأنف) // الْكَامِل //
وَزُهَيْر بن أبي سلمى هُوَ أَبُو كَعْب وبجير وَاسم أبي سلمى ربيعَة بن رَبَاح بن قُرَّة يَنْتَهِي نسبه لنزار وَهُوَ أحد الثَّلَاثَة المقدمين على سَائِر الشُّعَرَاء وَإِنَّمَا الْخلاف فِي تَقْدِيم أحد الثَّلَاثَة على صَاحِبيهِ فَأَما الثَّلَاثَة فَلَا اخْتِلَاف فيهم وَهُوَ امْرُؤ الْقَيْس وَزُهَيْر والنابغة الذبياني
وَعَن عمر بن عبد الله اللَّيْثِيّ قَالَ قَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ لَيْلَة فِي مسيره إِلَى الْجَابِيَة أَيْن ابْن عَبَّاس قَالَ فَأَتَيْته فَشَكا إِلَيّ تخلف عَليّ بن أبي طَالب ﵁ فَقلت أَو لم يعْتَذر إِلَيْك قَالَ بلَى قلت هُوَ مَا اعتذر بِهِ ثمَّ قَالَ إِن أول من ريثكم عَن هَذَا الْأَمر أَبُو بكر ﵁ إِن قومكم كَرهُوا أَن يجمعوا لكم بَين الْخلَافَة والنبوة ثمَّ ذكر ﵁ قصَّة طَوِيلَة قَالَ ثمَّ قَالَ لي هَل تروي لشاعر الشُّعَرَاء قلت وَمن هُوَ قَالَ الَّذِي يَقُول
وَلَو أنَّ حمداً يخلدُ الناسَ خُلدواولكنَّ حَمْد النَّاس لَيْسَ بمخلد) // الطَّوِيل //
قلت ذَاك زُهَيْر بن أبي سلمى قَالَ هُوَ شَاعِر الشُّعَرَاء قلت وَبِمَ كَانَ شَاعِر الشُّعَرَاء قَالَ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يعاظل فِي الْكَلَام وَكَانَ يتَجَنَّب وَحشِي الشّعْر وَكَانَ لَا يمدح أحدا إِلَّا بِمَا هُوَ فِيهِ
وَفِي رِوَايَة أَنه قَالَ لَهُ أَنْشدني لَهُ فَأَنْشَدته حَتَّى برق الْفجْر فَقَالَ حَسبك الْآن اقْرَأ الْقُرْآن قلت وَمَا أَقرَأ قَالَ الْوَاقِعَة فقرأتها وَنزل فَأذن وَصلى
وَسَأَلَ مُعَاوِيَة الْأَحْنَف بن قيس عَن أشعر الشُّعَرَاء فَقَالَ زُهَيْر قَالَ وَكَيف ذَاك قَالَ كف عَن المادحين فضول الْكَلَام قَالَ بِمَاذَا قَالَ بقوله
فَمَا يَكُ من خيرٍ أتوْهُ فإِنماتوارثه آبَاء آبَائِهِم قبل) // الطَّوِيل //
ويروى أَن رَسُول الله ﷺ نظر إِلَى زُهَيْر بن أبي سلمى وَله مائَة سنة فَقَالَ اللَّهُمَّ أعذني من شَيْطَانه فَمَا لاك بَيْتا حَتَّى مَاتَ
وَعَن الْأَصْمَعِي قَالَ قَالَ عمر ﵁ لبَعض ولد هرم بن سِنَان أَنْشدني مدح زُهَيْر أَبَاك فأنشده فَقَالَ عمر إِن كَانَ ليحسن القَوْل فِيكُم فَقَالَ وَنحن وَالله إِن كُنَّا لنحسن لَهُ الْعَطاء فَقَالَ ذهب مَا أعطيتموه وَبَقِي مَا أَعْطَاكُم
قَالَ وَبَلغنِي أَن هرم بن سِنَان كَانَ قد حلف أَن لَا يمدحه زُهَيْر إِلَّا أعطَاهُ وَلَا يسْأَله إِلَّا أعطَاهُ وَلَا يسلم عَلَيْهِ إِلَّا أعطَاهُ غرَّة عبدا أَو وليدة أَو فرسا فاستحيا زُهَيْر مِمَّا كَانَ يقبل مِنْهُ فَكَانَ إِذا رَآهُ فِي مَلأ قَالَ انعموا صباحاً غير هرم وخيركم استثنيت
وَعَن عمر بن شيبَة قَالَ قَالَ عمر ﵁ لِابْنِ زُهَيْر مَا فعلت بالحلل الَّتِي كساها هرم أَبَاك قَالَ أبلاها الدَّهْر قَالَ لَكِن الْحلَل الَّتِي كساها أَبوك هرماً لم يبلها الدَّهْر
وَقَالَ أَبُو زيد الطَّائِي أنْشد عُثْمَان بن عَفَّان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَول زُهَيْر
وَمهما يكنْ عندَ امْرِئ من خَلِيقَةوَإِن خالها تخفي على النَّاس تعلم) // الطَّوِيل //
فَقَالَ أحسن زُهَيْر وَصدق وَلَو أَن رجلا دخل بَيْتا فِي جَوف بَيت لتحدث بِهِ النَّاس قَالَ وَقَالَ النَّبِي ﷺ (لَا تعْمل عملا تكره أَن يتحدث النَّاس بِهِ عَنْك) وَمِنْه قَول عَمْرو بن الْأَهْتَم
إِذا الْمَرْء لم يجببك إِلَّا تكرهاًبدَا لَك من أخلاقه مَا يغالب) // الطَّوِيل //
وَقَول أبي الطّيب المتنبي
وللنفسِ أخلاقٌ تدلّ على الْفَتىأكَانَّ سخاءً مَا أَتَى أم تساخيا) // الطَّوِيل //
وَعَن الْمَدَائِنِي أَن عُرْوَة بن الزبير ﵁ لحق بِعَبْد الْملك بن مَرْوَان ﵄ فَكَانَ إِذا دخل عَلَيْهِ مُنْفَردا أكْرمه وَإِذا دخل عَلَيْهِ وَعِنْده أهل الشَّام استخف بِهِ فَقَالَ لَهُ يَوْمًا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ بئس المزور أَنْت تكرم ضيفك فِي الخلا وتهينه فِي الملا ثمَّ قَالَ لله در زُهَيْر حَيْثُ يَقُول
فَحُلى من دِيَارك إنّ قومامَتى يَدعُوا ديارهمُ يهونوا) // الوافر //
ثمَّ استأذنه فِي الرُّجُوع إِلَى الْمَدِينَة المنورة فَقضى حَوَائِجه وَأذن لَهُ
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي كَانَ لزهير فِي الشّعْر مَا لم يكن لغيره كَانَ أَبوهُ شَاعِرًا وَهُوَ شَاعِر وخاله شَاعِر وابناه كَعْب وبجيرٌ شاعران وَأُخْته سلمى شاعرة وَأُخْته الخنساء شاعرة وَهِي القائلة ترثيه
وَمَا يُغني توَقِّي المرءِ شَيْئاوَلَا عقدُ التميم وَلَا الغضارُ
إِذا لَاقَى منيتهُ فأمسىيساقُ بِهِ وَقد حق الحذارُ
ولاقاهُ من الأيامِ يومٌكَمَا من قبلُ لم يخلد قدار) // الوافر //
وَكَانَ زُهَيْر يضْرب بِهِ الْمثل فِي التَّنْقِيح فَيُقَال حوليات زُهَيْر لِأَنَّهُ كَانَ يعْمل القصيدة فِي لَيْلَة ثمَّ يبْقى حولا ينقحها
وَمِمَّا يعد من محاسنه قَوْله
وأَبيض فياض نداهُ غمامةٌعلى مقتفيه مَا تُغِبّ فواضله
ترَاهُ إِذا مَا جِئْته متهللاكَأَنَّك تعطيه الَّذِي أَنْت سائله) // الطَّوِيل //
وَقَوله أَيْضا
كمْ زرتهُ وظلامُ الليلَ منسدلٌمسهم راقَ إعجاباً بأنجمه
وأُبتُ وَالصُّبْح منحور بكوكبهِوسائق الشَّفق المحمر من دمهِ) // الْبَسِيط //
ومحاسنه ومحاسن أَوْلَاده كَثِيرَة وغرتها قصيدة كَعْب وَهِي
(بَانَتْ سعادُ فقلبي اليومَ متبولُ ...)
المشرفة بِمن قيلت فِيهِ ﷺ
فإِنكَ كالليل الَّذِي هُوَ مدركيوَإنْ خلتُ أَن المنتأى عَنْك واسعُ
الْبَيْت للنابغة الذبياني من قصيدة من الطَّوِيل يمدح بهَا أَبَا قَابُوس وَهُوَ النُّعْمَان بن الْمُنْذر ملك الْحيرَة وأولها
عفاذ وحسا من فرتني فالفوارعُفجنبا أريك فالتلاع الدوافع
فمجتمع الأشراج غيَّرَ رسمَهامصايفُ قد مرتْ بِنَا ومرابع
توهمْتُ آيَات لَهَا فعرفتهَالستةِ أعوامِ وذَا الْعَام سَابِع) // الطَّوِيل //
إِلَى أَن قَالَ فِيهَا
وَقد حَال همّ دون ذَلِك شاغلٌمَكَان الشغاف تبتغيه الأصابعُ
وَعيدُ أبي قابوسَ فِي غير كهنهأَتَانِي ودوني راكسٌ فالضواجِعُ
فَبت كَأَنِّي ساورتني ضَئيلةٌمن الرُّقْش فِي أنيابها السم ناقعُ
يُسهَّدُ من ليل التَّمام سليمهالحَلى النِّسَاء فِي يَدَيْهِ قَعَاقعُ
تَناذَرها الراقونَ من سوءِ سمهاتُطَلقِّهُ طَوْراً وطَوْراً تراجعُ
أَتَانِي أبَيْت اللعنَ أنكَ لمتنيوَتلك الَّتِي تَستْكَ مِنْهَا المسامعُ
مقالةُ أَن قد قلت سَوف أنالُهُوذلكَ من تلقاءِ مثلك رائع) // الطَّوِيل //
إِلَى أَن قَالَ فِيهَا
فَإِن كنتَ لَا ذُو الضَّغِن عني مُكذَّبوَلَا حَلفِي على البرَاءَةِ نافُع
وَلَا أَنا مأمونٌ بشيءِ أقوُلهُوَأَنت بِأمرٍ لَا محالةَ واقعُ
وَبعده الْبَيْت وَبعده
خَطاطيفُ حُجْنٌ فِي حِبالٍ متينةتمدُّ بهَا أيدٍ إلَيكَ نوازُع
سَتبلُغ عذرا أَو نجاحاً من امرِئإِلَى رَبّهِ ربّ البريةِ رَاكِع
أتوعِدُ عبدا لم يخُنكَ أَمَانَةوَيتْرك عبدٌ ظَالِم وَهُوَ ظالعُ
وَأَنت رَبيعٌ يُنعش الناسَ سيبْهُوَسَيفٌ أُعيرَتهُ المنيةُ قاطعُ
أبي الله إِلَّا عَدْلَهُ ووفاءَهُفَلَا النكر معروفٌ وَلَا الْعرف ضائع
وتُسقي إِذا مَا شِئْت غيرَ مُصَرَّدبزَورَاءَ فِي حافاتها الْمسك كانع) // الطَّوِيل //
والمنتأى اسْم مَوضِع من انتأى عَنهُ أَي بعد وَشبهه بِاللَّيْلِ لِأَنَّهُ وَصفه فِي حَال سخطه وهوله
وَالْمعْنَى أَنه لَا يفوت الممدوح وَإِن أبعد فِي الْهَرَب وَصَارَ إِلَى أقْصَى الأَرْض لسعة ملكه وَطول يَده وَلِأَن لَهُ فِي جَمِيع الْآفَاق مُطيعًا لأَمره يرد الهارب إِلَيْهِ
وَقد اعْترض الْأَصْمَعِي على النَّابِغَة فَقَالَ أما تشبيهه الْإِدْرَاك بِاللَّيْلِ فقد تساوى اللَّيْل وَالنَّهَار فِيمَا يدركانه وَإِنَّمَا كَانَ سَبيله أَن يَأْتِي بِمَا لَا قسيم لَهُ حَتَّى يَأْتِي بِمَعْنى مُنْفَرد فَلَو قَالَ قَائِل إِن قَول النميري فِي ذَلِك أحسن مِنْهُ لوجد مساغاً إِلَى ذَلِك حَيْثُ يَقُول
فَلَو كنتُ كالعَنقاءِ أَو كسموهالَخِلْتكَ إِلَّا أَن تَصدَّ تراني) // الطَّوِيل //
وَالشَّاهِد فِيهِ مُسَاوَاة اللَّفْظ للمعنى المُرَاد
وَفِي معنى بَيت النَّابِغَة قَول عَليّ بن جبلة
وَمَا لامرئ حاوَلْتُه منكَ مَهَربٌوَلَو رَفَعتهُ فِي السماءِ المطالعُ
بَلى هاربٌ لَا يَهْتَدِي لمكانهظلامٌ وَلَا ضوءٌ من الصُّبْح سَاطِع) // الطَّوِيل //
وَأكْثر الأدباء يرجحه على بَيت النَّابِغَة وَفِي هَذَا الْمَعْنى أَيْضا قَول سلم الخاسر
فأنْتَ كالدهر مَبثوثاً حبائُلُهوالدهرُ لَا ملْجأ منهُ وَلَا هربُ
وَلَو مَلَكتُ عنانَ الرّيح أصْرِفهافِي كل نَاحيَة مَا فاتَكَ الطلَبُ) // الْبَسِيط //
وتناوله البحتري أَيْضا فَقَالَ
وَلَو أَنهم ركبُوا الْكَوَاكِب لم يكنينجيهمُ من خوفِ بأسك مهرب) // الْكَامِل //
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع