من «شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)
فائدة: [لبيد بن ربيعة]
لبيد بن ربيعة بن مالك ابن جعفر بن كلاب، يكنى أبا عقيل. قدم على رسول الله ﷺ في وفد بني كلاب فأسلم، ثم رجع الى بلاده وقطن الكوفة، ومات بها ليلة نزل معاوية النخيلة لمصالحة الحسن بن عليّ، وعاش مائة وأربعين سنة.
ذكره ابن سلام في الطبقة الثالثة من شعراء الجاهلية. وكان شريفا في الجاهلية والاسلام. وقيل انه مات في خلافة عثمان، وقيل في خلافة معاوية.
أخرج ابن اسحق في مغازيه قال: حدّثني صالح بن ابراهيم بن عبد الرحمن بن
عوف، عمن حدّثه، عن عثمان عن مظعون: أنه مرّ بمجلس من قريش في صدر الاسلام ولبيد بن ربيعة ينشدهم:
ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل
فقال عثمان: صدقت، فقال لبيد:
وكلّ نعيم لا محالة زائل
فقال عثمان: كذبت، نعيم الجنة لا يزول أبدا. فقال لبيد: يا معشر قريش، والله ما كان يؤذى جليسكم فمتى حدث هذا فيكم. فقال رجل: إن هذا سفيه من سفاء معدّ، قد فارقوا ديننا فلا تجدنّ في نفسك من قوله. فردّ عليه عثمان حتى شرى أمرهما، فقام إليه ذلك الرجل فلطم عينه فخصرها، فقال الوليد بن المغيرة لعثمان:
إن كانت عينك عما أصابها لغنية، فقال عثمان: بل والله إن عيني الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله.
وأخرج السلفي في المشيخة البغدادية من طريق هاشم عن يعلى عن ابن جراد قال:
أنشد لبيد النبي ﷺ قوله:
ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل
فقال له: صدقت، فقال:
وكلّ نعيم لا محالة زائل
فقال له: كذبت، نعيم الآخرة لا يزول.
وأخرج الشيخان عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد:
ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل
وأخرج ابن سعد عن الشعبي قال: كتب عمر بن الخطاب إلى المغيرة بن شعبة، وهو عامله على الكوفة، أن ادع من قبلك من الشعراء فاستنشدهم ما قالوا من الشعر في الجاهلية والاسلام، ثم اكتب بذلك إليّ. فدعاهم المغيرة فقال
للبيد بن ربيعة:
أنشدني ما قلت من الشعر في الجاهلية والاسلام، قال: قد أبدلني الله بذلك سورة البقرة وآل عمران. وقال للأغلب العجلي أنشدني؛ فقال:
أرجزا تريد أم قصيدالقد سألت هيّنا موجودا
فكتب بذلك المغيرة إلى عمر، فكتب اليه عمر أن أنقص الأغلب خمسمائة من عطائه وردّها في عطاء لبيد، فرحل إليه الأغلب فقال: أتنقصني أن أطعتك؟ فكتب عمر إلى المغيرة أن ردّ على الأغلب الخمسمائة التي نقصته، وأقرّها زيادة في عطاء لبيد.
وأخرج ابن سعد، أنا هشام، عن جعفر بن كلاب، عن أشياخه: أن لبيدا لما حضره الموت دخل عليه أشياخ بني جعفر وشبانهم فقال: ابكوا عليّ حتى أسمع، فقال شاب منهم:
لتبك لبيدا كلّ قدر وجفنةوتبكي الصّبا من باد وهو حميد
قال: أحسنت يا ابن أخي، فزدني، قال: ما عندي غير هذا البيت. قال:
ما أسرع ما أكديت.
وفي شرح الشواهد للمصنف: قيل إن لبيدا لم يقل في الاسلام سوى قوله:
الحمد لله الّذي لم يأتني أجليحتّى اكتسيت من الإسلام سربالا
وقوله:
ما عاتب الحرّ الكريم كنفسهوالمرء ينفعه القرين الصّالح
قلت: البيت الأوّل ليس له فقد نسبه ابن سعد في طبقاته لقردة بن نفاثة من الصحابة من أبيات، أوّلها:
بان الشّباب فلم أحفل به بالاوأقبل الشّيب والإسلام إقبالا
وقد أروّي نديمي من مشعشعةوقد أقلّب أوراكا وأكفالا
الحمد لله ... البيت. ثم رأيت الحافظ أبا الفتح اليعمري نبه على الذي قلته، وقد روينا بسند صحيح: أن لبيد بن ربيعة
وعديّ بن حاتم هما اللذان سميا عمر بن الخطاب أمير المؤمنين حين قدما عليه من العراق. وقد وردت القصة في تاريخ الخلفاء.
وأخرج ابن عساكر عن الحسين بن حفص المخزومي: أن لبيدا جعل على نفسه أن يطعم ما هبّت الصبا. فألحت عليه زمن الوليد بن عقبة، فصعد الوليد المنبر فقال:
أعينوا أخاكم، وبعث إليه بثلاثين جزورا. وكان لبيد قد ترك الشعر في الاسلام، فقال لابنته: أجيبي الأمير، فأجابت:
إذا هبّت رياح أبي عقيلذكرنا عند هبتها الوليدا
وفي رواية: دعونا:
أبا وهب جزاك الله خيرانحرناها وأطعمنا الثّريدا
طويل الباع أبيض عبشميّأعان على مروءته لبيدا
بأمثال الهضاب كأنّ ركباعليها من بني حام قعودا
فعد إنّ الكريم له معادوظنّي بابن أروى أن يعودا
فقال (لها) لبيد: أحسنت لولا انك سألت، قالت: إن الملوك لا يستحيا من مسألتهم، قال: وأنت في هذا أشعر.
وأنشد:
يا ليت شعري ولا منجى من الهرمأم هل على العيش بعد الشّيب من ندم
هذا مطلع قصيدة لساعدة بن جؤية يرثي بها من أصيب يوم معيط، وبعده:
أم هل ترى أصلات العيش نافعةأم في الخلود ولا بالله من عشم
إنّ الشّباب رداء من يزن ترهيكسي الجمال ويفند غير محتشم
والشّيب داء نجيس لا شفاء لهللمرء كان صحيحا صائب القحم
وسنان ليس بقاض نومة أبدالولا غداة يسير النّاس لم يقم
في منكبيه وفي الأصلاب واهنةوفي مفاصله غمز من العسم
ومنها:
تالله يبقى على الأيّام ذو حيدأدفى صلود من الأوعال ذو خدم
يأوي إلى مشمخرّات مصعّدةشمّ بهنّ فروع القان والنّشم
ومنها:
ولا صوار مذرّاة مناسجهامثل الفريد الذي يجري من النّظم
ظلّت صوافن بالأرزان صاويةفي ماحق من نهار الصّيف محتدم
قد أوبيت كلّ ماء فهي صاويةمهما تصب أفقا من بارق تشم
ومنها:
هل اقتنى حدثان الدّهر من أحدكانوا بمعيط لا وخش ولا قزم
وهي طويلة جدّا. قال السكري: يروى ألا منجى: أي هل ينجو أحد من أحد من الهرم، أم هل يندم إنسان على العيش بعد الشيب. وأصلات: جمع أصلة، وهو اتصال العيش. وعشم: بعين مهملة وشين معجمة مفتوحتين، طمع.
ويفند: أي يأتي بالقبيح وبالحمق، ومالا خير فيه: لا يحتشم من ذلك، بخلاف الشيخ. والداء النجيس: بفتح النون وكسر الجيم، الذي لا يكاد يبرأ. وصائب القحم: أي مصيب في ما يقتحم من سير أو كلام أو غير ذلك. قال الجمحي: ولغة الشاعر المرء، بكسر الميم. قوله: وسنان، هو بالرفع خبر مبتدأ مقدّر دلّ عليه الشيب، وبالنصب، يقول: الكبير لا تراه أبدا إلا وسنان كأنه نائم ولا يكاد يقوم من الاسترخاء والفترة الا أن يقوم للارتحال فلولا مسير الناس لم يزل نائما. وواهنة:
ضعف ووجع. والغمز: النسج. العسم، بفتح المهملتين، اليبس في اليد.
وقوله: (تالله يبقى) على حذف لا، أي لا يبقى. ويروى: (لله) وكذلك أورده المصنف في حذف اللام مستشهدا به
على ورود اللام للقسم والتعجب معا. والحيد، بكسر المهملة وفتح التحتية ودال مهملة، كعوب في القرن، الواحد حيد كضرب.
والأدفى: الذي ينحني قرناه إلى ظهره. وقيل: الذي عشى في شق. والصّلود:
الذي يقرع بظلفه الصخر فيسمع له صوت، وقيل المنفرد وحده، وقيل الذي يصعد في الجبل إذا فزع. والخدم: خطوط في موضع الخلخال. والمشخرّات:
الذاهبة في السماء. ومصعّدة: مرتفعة. وشم: طوال. والقان والنّشم، بفتح النون والمعجمة: شجر يتّخذ منه القسيّ العربية. قوله: ولا صوار، أي ولا يبقى صوار، وهو بكسر المهملة وضمها، البقر الوحشي. ومناسج: جمع منسج، وهو بفتح الميم وكسرها، وفتح السين، أسفل من الحارك. ومذراة: أي تذريها الريح فتنتصب شعراتها. والفريد: اللؤلؤ من الفضة. شبه به الصوار في بياضه وحسنه. ومتى بمعنى (من) قاله الجمحي. والنظم، بضمتين، جمع نظام، وهو الخيط الذي ينظم فيه. وصوافن: قائمة على أطراف يديها، وقيل: رافعة إحدى قوائمها. والأرزان: جمع رزن، بكسر الراء وسكون الزاي، وهو مكان مرتفع صلب. وصاوية: يابسة، فهي حال من الأرزان. وقيل: عطاش، فهي
خبر ثان لظلت، أو حال من اسمها. وما حق: شدّة الحرّ، لأنه يمحق بلة النبت.
ومحتدم: باهمال الحاء والدال، محترق من شدّة الحرّ. وأوبيت: منعت. وطاوية، ويروى صاوية وفيه القولان السابقان. وقوله: (مهما تصب) أي متى ترى بارقا، أي سحابا فيه برق من أفق من الآفاق تشمه، أي تقدر أين موقعه. وقد أورد المصنف هذا البيت في مبحث (مهما) مستشهدا به على أن مهما عند أبي يسعون حرف، إذ لا يكون مبتدأ لعدم رابط من الخبر، وهو فعل الشرط، ولا مفعولا، لاستيفاء فعل الشرط مفعوله، ولا سبيل إلى غيرهما، فتعين انها لا موضع لها.
وأجيب بأنها مفعول تصب. وأفقا: ظرف. ومن بارق: تفسير لها، أو يتعلق بتصب.
فمعناها التبعيض. والمعنى: أي شيء تصب أفق من البوارق تشم. وقوله (هل اقتنى) قال السكري: هو جواب لقوله: (ليت شعري) في مطلع القصيدة، يقول:
لو كان الزمان يقتني أحدا بقي هؤلاء. وقال الأخفش: يقول، هل تركهم وأعفاهم من آفاته، أي لم يفعل ذلك، فالاستفهام بمعنى النفي. وروي: (هلا اقتنى) ومعيط: موضع غير مصروف. ووخش المتاع: رذاله، بمعجمتين. والقزم:
بفتح القاف والزاي، اللئام.
وأنشد:
ذاك خليلي وذو يواصلنييرمي ورائي بامسهم وامسلمه
قال المصنف في شواهده: زعم بعضهم أن الواو في (وذو) زائدة، وكأنه توهم أن (ذو) صفة لخليلي، والصفة لا تعطف على الموصوف، وهذا غير لازم لجواز أن يكون خبرا ثانيا، فيكون كقولك: زيد الكاتب والشاعر. والسلمة، بكسر اللام، واحدة السّلام، بكسر السين، وهي الحجارة وفي البيت شاهد على أمرين: أحدهما استعمال (ذو) بمعنى الذي. والثاني: استعمال أم بمعنى أل انتهى. وقال العيني:
البيت قاله بجير بن غنمة أحد بني بولان الطائي شاعر جاهلي مقل. وقد وقع فيه تركيب صدر بيت على عجز آخر، فإن الرواية فيه:
وإنّ مولاي ذو يعيرنيلا إحنة بيننا ولا جرمة
ينصرني منك غير معتذريرمي ورائي بامسهم وامسلمه
وفي البيت شاهد ثالث، فإن الجوهري استشهد به على السلمة.
النص من طبعة لجنة التراث العربي (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع