تجاوز إلى المحتوى

من «شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)

فائدة: [ذو الرمّة]

ذو الرمّة اسمه غيلان بن عقبة بن مسعود بن حارثة بن عمرو بن ربيعة بن

ملكان بن عديّ بن عبد مناة بن أد بن طابخة بن الياس بن مضر بن نزار العدوي، أبو الحارث، لقب ذو الرمّة لأنه أتى مية صاحبته، وعلى كتفه قطعة حبل، وهي الرمّة، واستقساها فقالت: اشرب يا ذا الرمّة. فلقب به. وقيل لقوله:

أشعث باقي رمّة التّقليد

وقيل: كان يصيبه الفزع في صغره فكتبت له تميمة فكانت تعلق عليه بحبل.

له رواية في الحديث، حدّث عن ابن عباس، روى عنه أبو عمرو بن العلاء.

أخرج ابن عساكر من طريق إسحق بن سيار النصيبي عن الأصمعي عن أبي عمرو ابن العلاء عن ذي الرمّة عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: إن من الشعر حكمة. وبسنده عن ابن عباس في قوله تعالى (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) قال:

الفارغ. قال النصيبي: لذي الرمّة غير هذين الحديثين، وعدّه الجمحي في الطبقة الثانية من شعراء الاسلام.

وأخرج ابن عساكر عن إبراهيم بن نافع: أن الفرزدق دخل على الوليد بن عبد الملك فقال له: من أشعر الناس؟ قال: أنا. قال: أتعلم أحدا أشعر منك. قال:

لا، إلا أن غلاما من بني عديّ يركب اعجاز الابل وينعت الفلوات، ثم أتاه جرير فسأله، فقال له مثل ذلك. ثم أتاه ذو

الرمّة فقال له: ويحك، أنت أشعر الناس.

قال: لا، ولكن غلام من بني عقيل يقال له مزاحم لكن الروحيات، يقول وحشيا من الشعر لا نقدر أن نقول مثله.

وأخرج من طريق ابن عبد الحكم قال: سمعت الشافعي يقول: ليس يقدّم أهل البادية على ذي الرمّة أحدا، قال: وقال لي الشافعي: لقي رجل رجلا من أهل اليمن فقال لليماني: من أشعر الناس؟ فقال: ذو الرمّة. فقلت له: فأين امرؤ القيس

لأحميه بذلك، لأنه يماني. فقال: لو أن امرأ القيس كلف أن ينشد شعر ذي الرّمّة ما أحسنه.

وأخرج عن أبي عبيدة قال: لقى جرير ذا الرمّة فقال له: هل لك في المهاجاة؟

قال ذو الرمّة: لا. قال جرير: كأنك هبتني! قال: لا والله. قال: فلم لا تفعل؟ قال:

لأن حرمك قد هتكهنّ السفلة وما ترك الشعراء في نسواتك مرقعا.

مات ذو الرمّة بأصبهان سنة سبع عشرة ومائة عن أربعين سنة.

قال أبو عمرو بن العلاء: فتح الشعر بامرئ القيس وختم بذي الرمّة. وقال الأصمعي: مات ذو الرمّة عطشانا، وأتي بالماء وبه رمق فلم ينتفع به وكان آخر ما تكلم به قوله:

يا مخرج الرّوح من نفسي إذا احتضرتوفارج الكرب زحزحني عن النّار

أخرجه ابن عساكر.

وأنشد:

دعاني إليها القلب إنّي لأمرهسميع فما أدري أرشد طلابها

تقدّم شرحه في شواهد الهمزة.

وأنشد:

كذبتك عينك أم رأيت بواسطغلس الظّلام من الرّباب خيالا
للشاعر الأخطل، من قصيدة «كذبتك عينك أم رأيت بواسط»

هذا مطلع قصيدة للأخطل يهجو جريرا، وبعده:

وتعرّضت لك بالأبالخ بعد ماقطعت بأبرق خلّة ووصالا
للشاعر الأخطل، من قصيدة «كذبتك عينك أم رأيت بواسط»
وتغوّلت لتروعنا جنّيةوالغانيات يرينك الأهوالا
للشاعر الأخطل، من قصيدة «كذبتك عينك أم رأيت بواسط»
يمددن من هنواتهنّ إلى الصّباسببا يصدن به الغواة طوالا
ما إن رأيت كمكرهنّ إذا جرىفينا ولا كحبالهنّ حبالا
للشاعر الأخطل، من قصيدة «كذبتك عينك أم رأيت بواسط»
المهديات لمن هوين مسبّةوالمحسنات لمن قلين مقالا
للشاعر الأخطل، من قصيدة «كذبتك عينك أم رأيت بواسط»
يرعين عهدك ما رأينك شاهداوإذا مذلت يصرن عنك مذالا
للشاعر الأخطل، من قصيدة «كذبتك عينك أم رأيت بواسط»
وإذا وعدنك نائلا أخلفنهووجدت عند عداتهنّ مطالا
للشاعر الأخطل، من قصيدة «كذبتك عينك أم رأيت بواسط»
وإذا دعونك عمّهنّ فإنّهنسب يزيدك عندهنّ خبالا
للشاعر الأخطل، من قصيدة «كذبتك عينك أم رأيت بواسط»

ومنها:

أبني كليب إنّ عمّيّ اللّذاخلعا الملوك وفكّكا الأغلالا
للشاعر الأخطل، من قصيدة «كذبتك عينك أم رأيت بواسط»
وأخوهما السّفّاح ظمّأ خيلهحتّى وردن جبى الكلاب نهالا
للشاعر الأخطل، من قصيدة «كذبتك عينك أم رأيت بواسط»

ومنها:

فانعق بضأنك يا جرير، فإنّمامنّتك نفسك في الخلاء ضلالا
للشاعر الأخطل، من قصيدة «كذبتك عينك أم رأيت بواسط»

قوله: (كذبت عينك) استشهد به بعضهم على حذف همزة الاستفهام، أي أكذبتك. وقوله (أم رأيت) أورده المصنف على أن أبا عبيدة قال: ان (أم) فيه بمعنى الاستفهام المجرّد، أي هل رأيت. وفي تفسير ابن جرير في قوله تعالى: (أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ) ليست (أم) هنا على الشك، قاله ليقبح صنيعهم كقول الأخطل:

كذبتك عينك أم رأيت بواسطالبيت

وواسط: بلد بالعراق اختطها الحجاج وهو مصروف. والغلس: ظلمة آخر الليل. والرباب: اسم امرأة منقول من اسم السحاب. والأبالخ: جمع بليخ، وهو نهر بالرقة. وتغوّلت: تهوّلت. والغانيات: جمع غانية، وهي التي غنيت بجمالها عن التزين. والسبب: الحبل. والطوال: بضم الطاء، الطويل. قوله: (أبني كليب ... البيت)، استشهد به المصنف في التوضيح على حذف النون من اللذان تخفيفا، وفيه شاهد على النداء بالهمزة. واللذا: خبر أنّ، والأغلال: جمع غل. وفككاها: أي عن الأسارى. وعماه: الأخنس قاتل شرحبيل بن الحارث بن عمرو آكل المرار يوم الكلاب، وعمرو بن كلثوم التغلبي قاتل عمرو بن هند. والسفاح: لقب رجل من رؤساء العرب، واسمه سلمة ابن خالد، سفح ماءه يوم الكلاب الأوّل. والجبى: بفتح الجيم والموحدة مقصور، ما حول البئر والحوض، وبكسر الجيم ما اجتمع في البئر من الماء وهو المراد.

والكلاب بضم الكاف وتخفيف اللام اسم ماء. ونهال: بكسر النون وتخفيف الهاء، جمع نهل، الذي هو جمع ناهل، وأراد به هنا العطاش. قال جرير: ما غلبني الأخطل الا في هذه القصيدة:

كذبتك عينك أم رأيت بواسط

وأنشد:

أنّى جزوا عامرا سوأى بفعلهمأم كيف يجزونني السّوأى من الحسن
أم كيف ينفع ما تعطي العلوق بهرئمان أنف إذا ما ضنّ باللّبن
للشاعر أفنون، من قصيدة «بلغ حُبيباً وخلل في صراتهم»

هذان آخر مقطوعة لأفنون التغلبي، وأوّلها:

أبلغ حبيبا وخلّل في سراتهمأنّ الفؤاد انطوى منهم على حزن
قد كنت أسبق من جاروا على مهلمن ولد آدم ما لم يخلعوا رسني
للشاعر أفنون، من قصيدة «بلغ حُبيباً وخلل في صراتهم»
فالوا عليّ ولم أملك فيالتهمحتّى انتحيت على الأرساغ والثّنن
لو أنّني كنت من عاد ومن إرمربّيت فيهم ولقمان ومن جدن
للشاعر أفنون، من قصيدة «بلغ حُبيباً وخلل في صراتهم»
لما فدوا بأخيهم من مهوّلةأخا السّكون ولا جاروا على السّنن
للشاعر أفنون، من قصيدة «بلغ حُبيباً وخلل في صراتهم»
سألت قومي وقد سدّت أباعرهمما بين رحبة ذات العيص والعدن
للشاعر أفنون، من قصيدة «بلغ حُبيباً وخلل في صراتهم»
إذ قرّبوا لابن سوّار أباعرهملله درّ عطاء كان ذا غبن
إنى جزواالبيتين

قوله: خلّل في سراتهم: أي خصهم بالبلاغ، أي اجعل بلاغك يتخللهم. والسراة:

السادة. قوله: (قد كنت أسبق من جاروا) هو مثل، أي كنت أناضل عنهم وأدفع وأسبق من جاراهم وفاخرهم. وقوله: (ما لم يخلعوا رسني) مثل أيضا، أي ما لم يبتزوا مني ويرغبوا عني. والرسن: الحبل الذي يشدّ به الدابة في رأسها.

وفالوا، بالفاء، أخطأوا، ومصدره: فيوله. والفيال بالكسر: الاسم فيه. وانتحيت، بالمهملة، اعتمدت. والأرساغ، بسين مهملة وعين معجمة، جمع رسغ، وهو من الدواب الموضع المستدق بين الحافر وموصل الوظيف من اليد والرجل. والثّنن:

جمع ثنة، بالمثلثة، وهو الشعر في مؤخر رسغ الدابة. وذرجدن، بفتح الجيم والدال المهملة، قيل من أقيال حمير. والسكون، بالفتح، حيّ من اليمن. والرحبة، بالسكون: فضاء بين أفنية القوم والمسجد، ويقال بالفتح أيضا، قاله الأزهري.

والعيص: الشجر الكثير الملتف. والغبن، بفتح الباء، في الرأي، واما بالسكون ففي البيع، يقال: غبن رأيه بالكسر،

إذا نقصه، فهو غبين، أي ضعيف الرأي.

وغبنه في البيع، بالفتح، أي خدعه فهو مغبون. وأنى: اسم استفهام. والسوأى:

مؤنث الأسوأ، كالحسنى مؤنث الأحسن. والعلوق، بالفتح، الناقة تعطف على غير ولدها فلا ترأمه، وإنما تسد بأنفها وتمنع لبنها، قاله في الصحاح. ورئمان، بكسر الراء وهمزة ساكنة. قال الجاحظ في البيان: أصله الرقة والرحمة، فالرؤوم أرق من الرؤوف. وقوله (رئمان أنف): كأنها تئر ولدها بأنفها وتمنعه اللبن. وقال في الصحاح: رئمت الناقة ولدها رئمانا إذا أحبته وحنت عليه. ويقال للبوّ: رأم، والناقة رؤوم ورائمة. وقال القالي في أماليه: العلوق: التي ترأم بأنفها وتمنع درّها، يقول: أنتم تحسنون القول ولا تعطون شيئا فكيف ينفعني ذلك.

النص من طبعة لجنة التراث العربي (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح شواهد المغني»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.