من «شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)
فائدة: [الأخطل]
الأخطل: هو غياث بن غوث، ويقال: ابن غويث، ويقال: ابن مغيث بن الصلت ابن طارقة، أبو مالك التغلبي النصراني .. قال له كعب بن جعيل: إنك لأخطل يا غلام، أي سفيه فلقب به. وقيل لخطل لسانه، وقيل لطول أذنيه، وقيل لبيت قاله. وكان نصرانيا ومات على نصرانيته. وكان مقدّما عند خلفاء بني أمية لمدحه لهم، وانقطاعه إليهم. ومدح يزيد بن معاوية وهجا الأنصار بسببه فلعنه الله وأخزاه.
وعمّر عمرا طويلا إلى أن مات لا ﵀ ولا خفّف عنه. وكان أبو عمرو بن العلاء ويونس وحماد يقدّمونه في الشعر على جرير والفرزدق.
وأخرج ابن عساكر من طريق الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء قال: قلت لجرير:
خبرني ما عندكم في الشعراء؟ قال: أما أنا فمدينة الشعر، والفرزدق يروم مني مالا ينال، وابن النصرانية أرمانا للفرائص، وأمدحنا للملوك، وأقلنا اجتزاء بالقليل، وأوصفنا للخمر، والحمر، يعني النساء البيض. قلت: فذو الرمّة؟ قال ليس بشيء، أبعار ظباء ونقط عروس. قال: وقيل للفرزدق: من أشعر الناس؟ قال: كفاك بي إذا افتخرت، وابن المراغة إذا هجا، وابن النصرانية إذا امتدح.
وأخرج عن محمد بن اسحق الوشاء النحوي قال: قال بعض الرواة: ذهب كثير بالنسيب، وذهب جرير بالهجاء، وذهب الأخطل بالمديح، وذهب الفرزدق بالفخار.
وأخرج عن أبي الغرّاف قال: من مدح الأخطل لعبد الملك من قصيدة:
شمس العداوة حتّى يستقاد لهموأعظم النّاس أحلاما إذا قدروا
مثل الناس بينه وبين بيت جرير.
ألستم خير من ركب المطايا
وأخرج عن سلمة بن عيّاش قال: تذاكرنا جريرا والفرزدق والأخطل، فقال قائل: من مثل الأخطل؟ ان في كل بيت له بيتين يقول:
ولقد علمت إذا الرّياح تناوحتمدح الرّئال ثلثهنّ شمالا
أنّا نعجّل بالعبيط لضيفناقبل العيال، ونقتل الأبطالا
ولو شاء لقال:
ولقد علمت إذا الرّياحتزوّجت صدح الرّئال
أنّا نعجّل بالعبيطلضيفنا قبل العيال
وكان هذا شعرا، وكان على غير ذلك الوزن.
وأخرج عن ابن الأعرابي، قال: قيل لجرير: أيما أشعر أنت في قولك:
حيّ الغداة برامة الأطلالارسما تحمّل أهله فأحالا
أم الأخطل في جوابها:
كذبتك عينك أم رأيت بواسطغلس الظّلام من الرّباب خيالا
قال: هو أشعر مني، إلا أني قلت في قصيدتي بيتا لو أن الأفاعي نهشتهم في استاههم ما حكوها حيث أقول:
والتّغلبيّ إذا تنحنح للقرىحكّ استه وتمثّل الأمثالا
وأخرج عن محمد بن سلام الجمحي قال: سألت بشارا عن الثلاثة، فقال: لم يكن الأخطل مثلهما، ولكن ربيعة تعصّبت له وأفرطت فيه.
وأخرج من طريق عمر بن شبة عن الأصمعي عن عيسى بن عمر قال: قال الأخطل:
ما رأيت أعجب من قصتي وقصة جرير، هجوته بأجود هجاء يكون، وهجاني بأرذل شعر فنفق وصار علما، قلت فيه:
ما زال فينا رباط الخيل معلمةوفي كليب رباط الذّلّ والعار
النّازلين بدار الهون ما خلقواوالماكثين على رغم وإصغار
قوم، إذا استسبح الأضياف كلبهمقالوا لأمّهم: بولي على النّار
وهجاني جرير بأن قال:
والتّغلبي إذا تنحنح للقرىحكّ استه وتمثّل الأمثالا
فانظر كم بين الشعرين.
وأخرج عن يحيى بن معين قال: هذا البيت للأخطل.
وإذا افتقرت إلى الذّحائر لم تجدذخرا يكون كصالح الأعمال
وأخرج أبو الفرج في الأغاني عن العتبي: أن سليمان بن عبد الملك سأل عمر بن عبد العزيز: أجرير أشعر أم الأخطل؟ فقال: اعفني. قال: لا والله لا أعفيك، قال:
إن الأخطل ضيق عليه كفره القول، وإن جريرا وسع عليه إسلامه قوله، وقد بلغ الأخطل حيث رأيت. فقال له سليمان: فضلت والله الأخطل.
وفي المؤتلف والمختلف للآمدي: المسمون بالأخطل من الشعراء جماعة، هذا، والأخطل الضبي، ولأخطل
المجاشعي أخو الفرزدق، والأخطل بن حماد بن الأخطل ابن ربيعة بن النمر بن تولب.
وأنشد:
ويقلن شيب قد علاكوقد كبرت فقلت إنّه
هو لعبيد الله بن قيس الرقيات، وقبله:
بكرت عليّ عواذلييلحينني وألومهنّه
وبعده:
ولقد عصيت النّاهياتالنّاشرات جيوبهنّه
حتّى ارعويت إلى الرّشادوما ارعويت لنسيهنّه
وفي الأغاني زيادة بعد: ويقلنالبيت:
لا بدّ من شيب فدعنولا تطلن ملامكنّه
وقدره في الصحاح: انه قد كان، كما يقلن (بكر) بالتخفيف جاء بكرة بخلاف بكّر بالتشديد، فانه للمبادرة، أي وقت كان. ومنه بكروا بصلاة المغرب، أي صلوها عند سقوط القرص. قال في الصحاح: ولحاه يلحاه لأمه، والهاء في ألومهنه للسكت. وفي إنه قبل، كذلك وإن بمعنى نعم. وقيل: ضمير اسم ان، والخبر محذوف: أي كذلك. وكبرت بكسر الباء.
النص من طبعة لجنة التراث العربي (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع