تجاوز إلى المحتوى

من «شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)

فائدة: [العباس بن مرداس]

العباس بن مرداس بن أبي عامر بن حارثة بن عبد بن عبس بن رفاعة بن الحارث ابن بهثة بن سليم السلمي، أبو الفضل، وقيل أبو الهيثم، شاعر مجيد أسلم قبل فتح

مكة بيسير، وهو من المؤلفة قلوبهم وممن حسن إسلامه منهم. قال أبو عبيدة:

وأمه هي الخنساء بنت عمرو بن الشريد الشاعرة، وله منها أيضا اخوة: سراقة وجزء وعمرو، بنو مرداس، وكلهم شاعر، وعباس أشهرهم وأشعرهم وأفرسهم وأسودهم.

وكان عباس ممن ذم الخمر في الجاهلية، وكذلك أبو بكر الصديق، وعثمان بن عفان، وعثمان بن مظعون، وعبد الرحمن بن عوف، وقيس بن عاصم، وحرّمها قبل هؤلاء عبد المطلب بن هاشم، وعبد الله بن جدعان، وشيبة بن ربيعة، وورقة بن نوفل، والوليد بن المغيرة، وعامر بن الظرب، ويقال إنه أول من حرّمها على نفسه. ويقال بل عفيف بن معدي كرب. وكان عباس هذا ينزل البادية بناحية البصرة وله ولدة جماعة وله صحبة أيضا ورواية.

وأنشد:

إمّا أقمت وأمّا أنت مرتحلافالله يكلأ ما تأتي وما تذر

قال المصنف: الرواية بكسر الأولى وفتح الثانية، قلت: البيت أنشده المبرد شاهدا على قوله: إذا أتيت بأما، وأما فافتح الهمزة مع الأسماء واكسرها مع الأفعال، كذا حكاه عنه الأزهري. وأورده بلفظ فالله يحفظ وهو معنى يكلأها كلأه الله كلاءة بالكسر حفظه وحرسه. وتأتي: تفعل. وتذر: تترك. وفي البيت إذا تأمّلت أربع

طبقات بين إما المكسورة، وأما المفتوحة، وبين أقمت ومرتحلا، وبين الجملة الفعلية والاسمية، وبين تأتي وتذر.

وأنشد:

نزلتم منزل الأضياف منّافعجّلنا القرى أن تشتمونا
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «ألا هبي بصحنك فاصبحينا»

هذا من قصيدة طويلة لعمرو بن كلثوم التغلبي، وهي إحدى المعلقات، وأوّلها:

ألا هبّي بصحنك فاصبحيناولا تبقي خمور الأندرينا
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «ألا هبي بصحنك فاصبحينا»

ومنها:

إليكم يا بني بكر إليكمألمّا تعلموا منّا اليقينا
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «ألا هبي بصحنك فاصبحينا»
علينا البيض واليلب اليمانيوأسياف يقمن وينحنينا
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «ألا هبي بصحنك فاصبحينا»
علينا كلّ سابغة دلاصترى تحت النجاد لها غضونا

ومنها:

وقد علم القبائل من معدّإذا قبب بأبطحها بنينا
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «ألا هبي بصحنك فاصبحينا»
بأنّا المطعمون إذا قدرناوأنّا المهلكون إذا أتينا
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «ألا هبي بصحنك فاصبحينا»
وأنّا الشّاربون الماء صفواويشرب غيرنا كدرا وطينا
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «عرفت الدار قد أقوت سنينا»
وأنّا المانعون لما يليناإذا ما البيض قابلت الجفونا
ألا أبلغ بني الطّمّاح عنّاودعميّا فكيف وجدتمونا
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «ألا هبي بصحنك فاصبحينا»
نزلتم البيتوبعده:
قريناكم فعجّلنا قراكمقبيل الصّبح مرداة طحونا
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «ألا هبي بصحنك فاصبحينا»
على آثارنا بيض كرامنحاذر أن تقسم أو تهونا
ظعائن من بني جشم بن بكرخلطن بميسم حسبا ودينا
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «ألا هبي بصحنك فاصبحينا»
أخذن على بعولتهنّ عهداإذا لاقوا فوارس معلمينا
ليستلبنّ أبدانا وبيضاوأسرى في الحديد مقرّنينا

وبهذه الأبيات علم أن القرى في البيت استعارة عن القتل. قال شارح المعلقات:

يقول نزلتم منا منزلا قريبا كمنزل الأضياف فعجلنا لكم القتل قبل أن تقتلونا. ومن آخر القصيدة:

إذا ما الملك رام النّاس خسفاأبينا أن نقرّ الخسف فينا
ملأنا البرّ حتّى ضاق عنّاوبحر الأرض نملؤه سفينا
لنا الدّنيا وما أضحى عليهاونبطش حين نبطش قادرينا
بغاة ظالمين وما ظلمناولكنّا سنبدأ ظالمينا
إذا بلغ الرّضيع لنا فطاماتخرّ له الجبابر ساجدينا
ألا لا يجهلن أحد علينافنجهل فوق جهل الجاهلينا
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «ألا هبي بصحنك فاصبحينا»

قال شارح المعلقات: جاء ناس من بني تغلب إلى بكر بن وائل يستسقونهم في سنة أصابتهم فطردتهم بكر للحقد الذي كان بينهم، فرجعوا إلى الفلاة فمات منهم سبعون رجلا عطشا، فاجتمعت بنو تغلب لحرب بكر واستعدت لهم بكر، وخافوا أن تعود الحرب بينهم كما كانت فدعا بعضهم بعضا الى الصلح، فتحاكموا في ذلك الى الملك عمرو بن هند، وهو ابن المنذر وهند أمّه، فجمع الفريقين وأصلح بينهم، وأنشد

عمرو بن كلثوم سيد تغلب في مجلسه هذه القصيدة إرتجالا يذكر فيها أيام بني تغلب ويفتخر بهم، وأنشد الحرث بن حلّزّة قصيدته التي أوّلها:

آذنتنا ببينها أسماء

قال معاوية بن أبي سفيان: قصيدتا عمرو بن كلثوم والحرث بن حلّزّة من مفاخر العرب، كانتا معلقتين بالكعبة دهرا.

وعمرو بن كلثوم بن عتاب بن مالك بن ربيعة بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب ابن عمرو بن غنم بن تغلب. قال ابن دريد في الوشاح: كنيته أبو الاسود. قوله:

هبي أي انتبهي من نومك. والصحن: الكأس. ويقال جام عريض قصير الجدار.

وأصبحينا: أسقينا. الصبوح: وهو شرب الغداة. والغبوق: شرب العشيّ.

والأندرين: قرية بالشام، وهو معدن الخمر. والبيض بالفتح جمع بيضة وهي المغفر.

واليلب: الترس من الجلود. والسابغة: الدرع الواسعة. والدلاص: الدروع الملساء التي ليس لحلقها حجم. والغضون: ما تثنى منها، يعني أنها واسعة. وبنو الطماح قبيلة من بني أسد، ودعمى من عبد القيس. وتشتمونا بكسر العين وضمها في المضارع والماضي بالفتح. والمرداة ما يردى به الشجر أي يرمى ليخبط ورقه.

والطحون: الذي يطحن كل شيء، وهو في البيت كناية عن الكتيبة، أي عجلنا لكم كتيبة تعرككم كما تعرك الرحى الحب. والظعائن: النساء في الهوادج. والميسم:

الحسن والجمال. والملك بسكون اللام لغة في الملك بكسرها. وسام: كلف.

والخسف: الظلم. وقوله: فنجهل. استشهد به النحاة على نصب المضارع بعد الفاء في جواب النهي.

النص من طبعة لجنة التراث العربي (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح شواهد المغني»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.