تجاوز إلى المحتوى

من «شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)

فائدة: [صريم بن معشر]

قال المفضل: أفنون هذا لقب، واسمه صريم بن معشر بن ذهل بن تيم بن عمرو بن مالك بن حبيب - مصغر - ابن عمرو بن غنم بن تغلب. لقى كاهنا في الجاهلية فقال له انك تموت بمكان يقال له (إلاهة) فمكث ما شاء الله، ثم إنه سافر في ركب من قومه إلى الشام، فضلوا الطريق فقال لرجل: كيف نأخذ؟ فقال: سيروا فإذا رأيتم مكان كذا وكذا حيي لكم الطريق ورأيتم إلاهة، فلما رأوها نزل أصحابه وأبى أن ينزل، فبينا ناقته ترعى إذ لدغتها أفعى في مشفرها، فاحتكت بساقه والحية معلقة بمشفرها فلدغته في ساقه فمات منها. وفي الوشاح لابن دريد أنه لقب أفنونا لقوله:

منّيتنا الودّ يا مضنون مضنوناأزماننا إن للشّبّان أفنونا

وفي المؤتلف للآمدي أن اسمه ظالم.

وأنشد:

ما تنقم الحرب العوان منّيبازل عامين حديث سنّ

لمثل هذا ولدتني أمّي

هو لأبي جهل في وقعة بدر.

وأخرج إسحق بن راهويه في مسنده عن عبد الله بن مسعود قال: دفعت إلى أبى جهل يوم بدر وهو يقول:

ما تنقم الحرب العوان منّيبازل عامين سديس سنّي

لمثل هذا ولدتني أمّي

فدنوت منه فضربته فقتله الله. وأخرجه ابن إسحق في مغازيه بلفظ حديث سنّي.

وذكره المبرد في الكامل بلفظ: حديث سنّ، بالاضافة، كما أورده المصنّف.

قوله: تنقم، بكسر القاف، مضارع نقم، بفتحها أي تكره. والعوان من الحروب:

التي قوتل فيها مرّة، كأنهم جعلوا الأولى بكرا. والبازل: اسم فاعل، من بزل البعير يبزل بزولا، أي انشق نابه، ذكرا كان أو أنثى، وذلك في السنة التاسعة، وربما بزل في الثامنة. والمراد في البيت: وصفه بالقوّة والجلادة، تشبيها بالبعير البازل، لأنه يكون في هذا السنّ كامل القوة شديد الصلابة. والحديث السنّ الشاب وأما سديس فمن قولهم أسدس البعير اذا ألقى السنّ بعد الرباعية وذلك في السنة الثامنة. وأما السدس، بالتحريك، فالسنّ قبل البازل. قال في الصحاح:

الأثاث في أسنان الابل كلها بالهاء إلّا السدس. والسديس والبازل فيستوى فيها

المذكر والمؤنث، وجمع السديس: سدس، بضمتين، كرغيف ورغف، وجمع السدس: سدس، بضمة فسكون، كأسد وأسد، انتهى. وقد أعاد المصنف هذا الرجز في الكتاب الثامن. ثم رأيت ابن عساكر أخرج في تاريخه من طريق مصعب بن سعد عن أبيه سعد بن أبي وقاص قال: لقد رأيت عليّ بن أبي طالب بارز يوم بدر، فجعل يحمحم كما يحمحم الفرس، ويقول:

بازل عامين حديث سنّيسنحنح اللّيل كأنّي جنّي

لمثل هذا ولدتني أمّي

قال: فما رجع حتى خضب سيفه دما.

وأنشد:

أيا شجر الخابور مالك مورقاكأنّك لم تجزع على ابن طريف

هذا من أبيات ليلى بنت طريف التغلبية، ترثي أخاها الوليد، وقيل اسمها سلمى وأوّلها:

بتلّ نباتا رسم قبر كأنّهعلى علم فوق الجبال منيف
تضمّن جودا حاتميّا ونائلاوسورة مقدام وقلب حصيف
ألا قاتل الله الجثا حيث أضمرتفتى كان للمعروف غير عيوف
خفيف على ظهر الجواد إذا عداوليس على أعدائه بخفيف
أيا شجر الخابورالبيت:
فتى لا يحبّ الزّاد إلّا من التّقىولا المال إلّا من قنا وسيوف
للشاعر الفارعة بنت طريف، اقرأ القصيدة
حليف النّدى ما عاش يرضى به النّدىفإن مات لم يرض النّدى بحليف
للشاعر الفارعة بنت طريف، اقرأ القصيدة
فقدناه فقدان الرّبيع وليتنافديناه من ساداتنا بألوف
وما زال حتّى أزهق الموت نفسهشجى لعدوّ أو لجا لضعيف
للشاعر ليلى بنت طريف الشيبانية، اقرأ القصيدة
ألا يا لقومي للحمام وللبلىوللأرض همّت بعده برجوف
للشاعر الفارعة بنت طريف، اقرأ القصيدة
ألا يا لقومي للنّوائب والرّدىودهر ملحّ بالكرام منيف
للشاعر الفارعة بنت طريف، اقرأ القصيدة
فإن يك أرداه يزيد بن مزيدفربّ زحوف لفّها بزحوف
عليك سلام الله وفقا فإنّنيأرى الموت وقّاعا بكلّ شريف

وفي تاريخ الذهبي: حين قتل الوليد بن طرفى الخارجي في سنة تسع وسبعين ومائة، وكان قد اشتدت البلية به وكثر جيشه، فسيّر إليه الخليفة هرون الرشيد يزيد بن مزيد الشّيباني، فراوغه يوم التقاه يزيد على غرّة بقرب هيت فظفر به فقتله. وفي ذلك تقول الفارغة أخت الوليد ... فذكر الأبيات. السورة: السطو.

المقدام: الكثير الاقدام على العدوّ. والحصيف، بمهملتين، وفاء المحكم العقل.

والجثاء، بجيم ومثلثة، جمع جثوة، بتثليث الجيم، وهي الحجارة المجموعة.

وعيوف: من عاف الشيء أي كرهه. والخابور، قال في الصحاح: موضع بناحية الشام. وقال غيره: الصواب إنه نهر بالجزيرة، وكذا في القاموس. والقنا: جمع قناة، وهي الرمح. والشجى: ما ينشب في الحلق من عظم أو غيره. واللجاء بالتحريك، الملجأ، وترك همزه في البيت للضرورة.

وأنشد:

في كلّ ما يوم وكلّ ليلاه

وأنشده ابن الأعرابي، وصدره:

يا ويحه من جمل ما أشقاه

وأنشد:

دويهية تصفرّ منها الأنامل

هو من قصيدة للبيد بن ربيعة الصحابي ﵁ أوّلها:

ألا تسألان المرء ماذا يحاولأنحب فيقضى أم ضلال وباطل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «ألا تسألان المرء ماذا يحاول»
أرى النّاس لا يدرون ما قدر أمرهمبلى كلّ ذي لبّ إلى الله واسل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «ألا تسألان المرء ماذا يحاول»
ألا كلّ شيء ما خلا الله باطلوكلّ نعيم لا محالة زائل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «ألا تسألان المرء ماذا يحاول»
وكلّ أناس سوف يدخل بينهمدويهيّة تصفرّ منها الأنامل
وكلّ امرئ يوما سيعلم غيبهإذا حصلت عند الإله المحاصل
إذا المرء أسرى ليلة خال أنّهقضى عملا، والمرء مادام عامل
فقولا له، إن كان يقسم أمره:ألمّا يعظك الدّهر؟ أمّك هابل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «ألا تسألان المرء ماذا يحاول»
فإن أنت لم ينفعك علمك فانتسبلعلّك تهديك القرون الأوائل
فإن لم تجد من دون عدنان والداودون معدّ فلتزعك العواذل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «ألا تسألان المرء ماذا يحاول»

وهي أكثر من خمسين بيتا يمدح بها النعمان، والبيت الأوّل استشهد به المصنف في (ماذا) على أن (ما) استفهام مبتدأ و (اذا) بعدها موصولة، ويحاول صلتها، والعائد محذوف، وهو من حاولت الشيء أردته. والنحب، بفتح النون وسكون الحاء المهملة، المدة والوقت. يقال: قضى فلان نحبه، إذا مات. والمعنى: هلا تسأل المرء ماذا يطلب باجتهاده في الدنيا وتتبعه إياها، أنذرا وجب على نفسه أن لا ينفك عن طلبه، فهو يسعى لقضائه؟ أم هو في ضلال وباطل.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس: ان نافع بن الأزرق سأله عن قوله تعالى (فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ) قال: أجله الذي قدّر له. قال: وهل قالت العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت قول لبيد: ألا تسألان المرء ... البيت.

ونحب: بدل من ما بدل تفصيل، وهو الذي دل على أن (ما) مرفوعة المحل، ويقضي منصوب بالتقدير، لأنه جواب الاستفهام. وتسألان:

خطاب للاثنين، وأراد به الواحد، لأن من عادة العرب أن يخاطبوا الواحد بصيغة الاثنين كما في: (أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ)، وكأنهم يريدون بها التكرار للتأكيد، فكان المعنى الاتسأل. والبيت الثالث أورده المصنف في حرف (الخاء) مستدلا به على تعين النصب بخلا، إذا تقدمها ما. وأورده في (كل) مستشهدا به على مراعاة معناها إذا أضيفت إلى نكرة، واستدل النحويون به على الاعتراض بالاستثناء بين المبتدأ والخبر. قال شيخ ابن الخباز: ليس هذا باستثناء بل ما زائدة وخلا الله صفة لكل أو لشيء. والمعنى: كل شيء غير الله باطل، والباطل في الأصل غير الحق، والمراد به

هنا الهالك. ولا محالة: بالفتح، أي لا بد. وقيل لا حيلة. والبيت الرابع استشهد به

لمصنف هنا وفي (رب) كالكوفيين، على أن التصغير يرد للتعظيم إذ المعنى داهية عظيمة. وقد أجيب عنه بأنها صغرت لدقتها وخفائها فهو راجع إلى معنى التقليل.

وفي المحكم: انه خويخية بمعجمتين بمعنى دويهية. وقوله (أرى الناسالبيت)

أي إن الناس لا يدرون ما هم فيه من خطر الدنيا وسرعة فنائها، وأن كل ذي عقل متوسل إلى الله بصالح عمل. وقوله: واسل، معناه ذو وسيلة، مثل: لابن وتامر.

وألمّا: هي لمّا الجازمة، دخلت عليها همزة التوبيخ. وأمّك هابل: مبتدأ وخبر.

وقوله: فان أنت، أصله فإن إياك، ثم أبان المرفوع عن المنصوب، كقراءة الحسن (إياك نعبد) وقد أورده ابن قاسم في شرح الألفية شاهدا لذلك. وقيل: أصله، كأن ضللت لم ينفعك علمك. فاضمر الفعل لدلالة ما بعده عليه، فانفصل الضمير، ولعل للتعليل. والقرون: جمع قرن. قال الجوهري: والقرن من الناس أهل زمان واحد. ومعنى البيت والذي يليه: أن غاية الانسان الموت، فينبغي له أن يتعظ بأن ينسب نفسه إلى عدنان أو معدّ، فإن لم يجد من بينه وبينهما من الآباء باقيا فليعلم أنه يصير إلى مصيرهم، فينبغي له أن ينزع عما هو عليه. وقوله: فلتزعك، بالزاي، يقال: وزعه يزعه إذا كفه. والعواذل هنا: حوادث الدهر وزواجره. وإسناد العذل إليها مجاز، ونصب (دون) بالعطف على محل من دون، لأن معنى: إن لم تجد من دون عدنان، وإن لم تجد دون عدنان واحد، قاله المصنف في شواهده.

وقد استشهد المصنف بهذا البيت في الكتاب الرابع على انه لا يختص مراعاة الموضع في العطف أن يكون العامل في اللفظ زائدا.

النص من طبعة لجنة التراث العربي (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح شواهد المغني»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.