تجاوز إلى المحتوى

من «شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)

فائدة: [زهير بن أبي سلمى]

زهير بن أبي سلمى بضم السين، قال في الصحاح: وليس في العرب سلمى بالضم غيره، واسم أبي سلمى ربيعة بن رياح، بكسر الراء، ثم تحتية، بن مرة بن الحارث من بني مزينة، أحد فحول الشعراء. كان عمر بن الخطاب لا يقدم عليه أحدا ويقول: أشعر الناس الذي يقول ومن، يشير إلى الأبيات الآتية. وولده كعب الصحابي صاحب بانت سعاد. وفي الوشاح لابن دريد أن كنية زهير أبو بجير، وذكر غيره أنه مات قبل المبعث.

وأخرج ثعلب في شرح ديوان زهير بسنده عن ابن عباس قال: قال لي عمر:

أنشدني لأشعر شعرائكم. قلت: من هو يا أمير المؤمنين؟ قال: زهير. قيل: بم كان ذاك؟ قال: كان لا يعاظل بين

الكلام، ولا يتتبع حوشيه، ولا يمدح الرجل

بما لا يكون في الرجال. قال: فأنشدته حتى برق الصبح. أخرجه في الأغاني.

وقال ثعلب: أخبرني أبو قيس العنبري، عن عكرمة بن جرير، قال: قلت لأبي:

من أشعر الناس؟ قال: زهير أشعر أهل الجاهلية. قلت: فالاسلام؟ قال: الفرزدق ينعق بالشعر. قلت: فالأخطل؟ قال: يجيد مدح الملوك ويصيب صفة الخمر.

قلت: فما تركت لنفسك؟ قال: دعني، فإني نحرت الشعر نحرا. أخرجه في الأغاني وأخرج عن سعيد بن المسيب قال: كان عمر جالسامع قوم يتذاكرون أشعار العرب اذ أقبل ابن عباس، فقال عمر: قد جاءكم أعلم الناس بالشعر، فلما جلس قال:

يا ابن عباس، من أشعر العرب؟ قال: زهير بن أبي سلمى. قال: فهل تنشد من قوله شيأ تستدل به على ما قلت، قال: نعم، امتدح قوما من غطفان يقال لهم بنو سنان فقال:

لو كان يقعد فوق الشّمس من أحدقوم لأوّلهم يوما إذا قعدوا
محسّدون على ما كان من نعملا ينزع الله عنهم ما له حسدوا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «هل في تذكر أيام الصبا فند»

وأخرجه من وجه آخر موصولا من طريق محمد بن إسحق، عن محمد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت، عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس مثله. قال ثعلب: من قدّم زهيرا قال: كان أحسنهم شعرا، وأبعدهم من سخف، وأجمعهم لكثير من المعنى، في قليل من المنطق، وأشدّهم مبالغة في المدح، وأكثرهم أمثالا في شعره. قال:

وقال الأحنف بن قيس لبعض الأمراء: إن زهيرا ألقى عن المادحين فضول الكلام قال:

ما يك من خير أتوه فإنّماتوارثه آباء آبائهم قبل

قال ثعلب: ولما مات زهير قالت أخته خنساء ترثيه:

لا يغني توقّي المرء شيئاولا عقد التّميم ولا الغضار
إذا لاقى منيّته فأمسىيساق به وقد حقّ الحذار
للشاعر الخنساء بنت زهير، من قصيدة «وما يغني توقي الموت شيئاً»
ولا قام من الأيّام يومكما من قبل لم يخلد قدار

الغضار: كان أحدهم اذا خشي على نفسه علق عليه خزفا أخضر:

ومن محاسن قول زهير:

ولا تكثر على ذي الضّغن عتباولا ذكر التّجرّم للذّنوب
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «ولا تكثر على ذي الضغن عتبا»
ولا تسأله عمّا سوف يبديولا عن عيبه لك بالمغيب
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «ولا تكثر على ذي الضغن عتبا»
متى تك في صديق أو عدوّتخبّرك الوجوه عن القلوب
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «ولا تكثر على ذي الضغن عتبا»

وأخرج أبو الفرج في الاغاني عن المدائني قال: قال الأخطل: أشعر الناس قبيلة بنو قيس، وأشعر الناس بيتا آل أبي سلمى، وأشعر الناس رجلا رجل في قميصي.

وفي الأغاني عن ابن الأعرابي قال: كان لزهير في الشعر ما لم يكن لغيره، كان أبوه شاعرا وهو شاعر وخاله شاعر وأخته سلمى شاعرة، وابناه كعب وبجير شاعران، وأخته الخنساء شاعرة.

وأخرج عن ابراهيم بن محمد بن عبد العزيز الزهري: ان رسول الله ﷺ نظر إلى زهير بن أبى سلمى وله مائة سنة فقال: اللهم أعذني من شيطانه، فمالاك بيتا حتى مات.

وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن محجن الخزاعي قال: كان معاوية يفضل مزينة في الشعر ويقول: كان أشعر أهل الجاهلية زهير بن أبي سلمى، وكان أشعر أهل الاسلام ابنه كعب ومعن بن أوس.

وأنشد:

ولست أبالي بعد فقدي مالكاأموتي ناء أم هو الآن واقع
للشاعر مُتَمِّم بن نويرة اليربوعي، اقرأ القصيدة

لم يسمّ قائله. والنائي: البعيد. والآن: نصب على الظرف، وهو مبتدأ و (واقع) خبره.

وأنشد:

فقمت للطّيف مرتاعا فأرّقنيفقلت: أهي سرت أم عادني حلم
للشاعر علي الغراب الصفاقسي، اقرأ القصيدة

هذا من قصيدة لزياد بن حمل، وقيل لزياد بن منقذ، وقيل للمرّار بن منقذ.

وفي الأغاني انها لبدر أخي المرار بن سعيد أوّلها:

لا حبّذا أنت يا صنعاء من بلدولا شعوب هوى منّي ولا نقم
ولن أحبّ بلادا قد رأيت بهاعنسا ولا بلدا حلّت به قدم
إذا سقى الله أرضا صوب غاديةفلا سقاهنّ إلّا النّار تضطرم
وحبّذا حين تمسي الرّيح باردةوادي أشيّ وفتيان به هضم
الواسعون إذا ما جرّ غيرهمعلى العشيرة والكافون ما جرموا
والمطعمون إذا هبّت شآميّةوباكر الحيّ من صرّادها صرم
هم البحور عطاء حين تسألهموفي اللّقاء إذا تلقى بهم بهم
وهم إذا الخيل حالوا في كواثبهافوارس الخيل لا ميل ولا قزم
لم ألق بعدهم حيّا فأخبرهمإلّا يزيدهم حبّا إليّ هم
كم من فتى حلو شمائلهجمّ الرّماد إذا ما أخمد البرم
زارت رويقة شعثا بعد ما هجعوالدى نواحل في أرساغها الخدم
إلى أن قال: فقمت للطيفالبيت
وكان عهدي بها والمشي يبهظهامن القريب ومنها الأين والسّأم
وبالتّكاليف تأتي بيت جارتهاتمشي الهوينا وما تبدو لها قدم
سود ذوائبها، بيض ترائبهادرم مرافقها، في خلقها عمم
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة

شعوب، بضم الشين المعجمة والعين المهملة، ونقم، بضم النون والقاف، وهما وصنعاء بلاد كرهها هذا الشاعر حين أتى اليمن وحنّ الى وطنه. وقوله:

(ولا شعوب هوى مني) أي ليست هوى، أي لا أهواها ولا أحنّ اليها. وعنس،

بمهملتين بينهما نون، وقدم، بضمتين، حيّان من اليمن. والصوب: المطر.

والغادية: السحابة التي تمطر بالغداة. وتضطرم: في موضع الحال (للنار).

وأشىّ، بضم الهمزة وفتح الشين المعجمة، أكمة ببلاد تميم تصرف ولا تصرف.

وهضم، بضمتين، جمع هضوم، وهو الطاوي الكشح، كذا قاله المصنف في شواهده.

وقال شرّاح الحماسة، وتبعهم العيني: هو المنفاق في المشتاء. والواسعون: من الوسع، وهو الطاقة.

والمطعمون: حذف مفعوله وضمير هبت، للريح. وشآمية:

حال. وصرّادها، بضم المهملة وتشديد الراء، السحاب البارد. والصرم: بكسر الصاد وفتح الراء، القطع، وأصله في اقطاع البلاد فاستعاره. وعطاء: تميز.

وتلقى: حذف مفعوله أي الأعداء. وفي (بهم بهم) جناس. والبهم بضم الموحدة وفتح الهاء، جمع بهمة بضم فسكون، الفارس الذي لا يدري من أين يؤتى من شدّة بأسه. والكواثب، جمع كاثبة بالمثلثة: وهو أعلى الظهر من الدابة. والميل، جمع أميل، وهو الذي يعرض عن وجه الكتيبة عند الطعان، وقيل: الذي لا يثبت على ظهر الدابة. والقزم، بضم القاف والزاي، يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث. وجم الرماد: كثير الأضياف. والبرم، بفتح الموحدة والراء، الذي لا يدخل الميسر مع القوم. ومفعول أخمد، محذوف، أي أخمد النار لبخله. قوله:

لم ألقالبيت) كذا في الحماسة، وفي منتهى الطلب. ويروي بدله:

وما أصاحب من قوم فأذكرهم

كذا أورده ابن مالك، وزعم أبو حيان انه تحريف منه، وردّه المصنف بأن ابن قتيبة رواه كذلك في طبقات الشعراء. وكذلك المبرّد الا أنه قال فما بالفاء. وقد استشهد به النحاة على وقوع الضمير المنفصل موقع المتصل في الضرورة، وأورده المصنف في شواهده على. ومعنى البيت: انه ما يصاحب من بعد قومه قوما فيذكر قومه إلا يزيد أولئك القوم قومه حبا اليه، إمّا لما يرى من تقاصرهم عن قومه، أو لما يسمع منهم من الثناء عليهم، والذكر على الأوّل بالقلب وعلى الثاني باللسان.

ويؤيد الأول رواية (فأخبرهم) ويجوز في (فأذكرهم) و (فأخبرهم) الرفع عطفا على (أصاحب) والنصب في جواب النفي. وهم: فاعل يزيد، وكان الأصل، لو وصل، أن يقول لا يزيدونهم حبا اليّ، وقد قيل إن الشاعر كان متمكنا من أن يقول:

إلّا يزيدونهم حبّا إليّ هم

ويكون الضمير المنفصل توكيدا للفاعل فلا يكون الفصل ضرورة. وقال المصنف في شواهده: يحتمل عندي أن فاعل يزيد ضمير راجع إلى الذكر ويكون (هم) المنفصل توكيد (لهم) المتصل، لأنه يجوز أن يؤكد بالمرفوع المنفصل كل متصل. قوله:

(زارت رويقة) أي في المنام، وهي امرأة شعثا أي قوما غبرا. لدي نواحل: أي ابل ضوامر مهازيل. وارساغها والخدم: سيور القدّ. فقمت للطيف: أي الخيال الزائر.

ويروى: للزور. مرتاعا: أي فزعا، وهو حال. فأرّقني: أقلقني. وعادني: اعتادني.

ومعنى البيت: قمت من مضجعي للطيف الزائر، وطار النوم عني وأخذني القلق، ووساوس النفس، فمثلت الفكر بين شيئين: زيارتها بنفسها، وحلم نائم اعتادني، فأرانيها وصرت أراجع نفسي، وأقول: كيف يجوز مجيئها، وكنت أعهدها وقطع المسافة القريبة يشق عليها ويملها ويتعبها، وإنها إذا أتت بيت جارتها لقضاء ذمام أوأداء حق حصل لها كلفة ومشقة، مع كونها تمشي بهوينا ورفق. واستشهد بقوله: (أهي) على سكون هاء (هي) بعد ألف الاستفهام، إجراء لها مجرى واو العطف وفائه، و (أم) هذه هي المعادلة، أي أيّ الأمرين كان. والحلم، بضمتين، ما يراه النائم في نومه. والواو في قوله (وكان عهدي) حالية. ويبهظ، بموحدة وظاء معجمة،

يثقل ويشق. والهوينا: تصغير الهونا تأنيث الأهون، وموضعها نصب على المصدر.

وقوله: (وما تبدو لها قدم) أي تجرّ أذيالها على عادة العرب. وفي قوله:

سود ذوائبها، بيض ترائبها

طباق. والترائب: عظام الصدر. والدرم، بضم المهملة وسكون الراء، التي لا حجم لها لكثرة اللحم عليها. والعمم: الطول، بفتح المهملة والميم.

وأنشد:

لعمرك ما أدري وإن كنت دارياشعيث بن سهم أم شعيث بن منقر
للشاعر الأسود النهشلي، من قصيدة «لعمرك ما أدري وإن كنتُ داريا»

هذا للأسود بن يعفر بن عبد القيس بن نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة بن زيد مناة بن تميم النهشلي، يكنى أبا نهشل، كما في الوشاح. وقال ابن يسعون:

كنيته أبو الجراح، وهو جاهلي أعمى. ويعفر، بفتح الياء، وقيل بضمها، حكاهما في الأغاني. وقال: شاعر متقدّم من شعراء الجاهلية، ليس بالمكثر. وجعله ابن سلام في الطبقة الثامنة مع خداش بن زهير والمخبّل السعدي والنمر بن تولب، وهو من العشي. قال الأعلم: شعيث حي من تميم ثم من بني منقر، فجعلهم أدعياء وشك في كونهم منهم أو من بني سهم. وسهم هنا حيّ من قيس. واستشهد سيبويه بالبيت على حذف همزة الاستفهام، لأن المعنى: أشعيث، وهو بالمثلثة وصحف من رواه بالموحدة. قال العسكري في التصحيف: ولعمرك مبتدأ خبره محذوف أي قسمي، ومفعول ما أدرى جملة قوله شعيث، أو تقديره أشعيث بن سهم، وشعيث مبتدأ وابن سهم خبره، وكذا في الموضع الثاني فأين فيهما خبر لاصفة، وإنما حذف التنوين من شعيث للضرورة أو لمنع الصرف لأنه اسم للقبيلة.

النص من طبعة لجنة التراث العربي (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح شواهد المغني»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.