من «شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)
فائدة: [خفاف]
خفاف هذا، هو: ابن عمير بن الحارث بن الشّريد بن رياح بن يقظة بن عصيّة بن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم، يكنى أبا خراشة، وهو ابن عم الخنساء. وندبة أمّه، بنون مفتوحة، وقد تضم، ودال ساكنة، وقد تفتح. صحابي شاعر مشهور، وشهد الفتح ومعه لواء لبني سليم، وشهد حنينا وثبت على إسلامه في الردّة. وله شعر يمدح فيه أبا بكر الصدّيق، وبقي إلى زمن عمر، وكان أسود حالكا.
وأنشد:
كفى الشّيب والإسلام للمرء ناهيا
هذا عجز مطلع قصيدة لسحيم عبد بني الحسحاس، وصدره:
عميرة ودّع إن تجهّزت غاديا
وبعده:
جنونا بها فيما اعترتنا علاقةعلاقة حبّ مستسرّا وباديا
ليالي تصطاد الرّجال بفاحمنداه أثيثا ناعم النّبت عافيا
وجيد كجيد الرّيم ليس بعاطلمن الدّرّ والياقوت أصبح حاليا
كأنّ الثّريّا علّقت فوق نحرهاوحجر غضا هبّت له الرّيح ذاكيا
فما بيضة بات الظّليم يحفّهاويرفع عنها جؤجؤا متجافيا
ومنها:
بأحسن منها يوم قالت أرائحمع الرّكب أم ثاو لدينا لياليا
وهي ثمانية وخمسون بيتا. قال صاحب منتهى الطلب: كان ابن الأعرابي يسمي هذه القصيدة الديباج الخسرواني.
وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره، وابن سعد في طبقاته، والمرزباني في معجم الشعراء. والأصبهاني في الأغاني عن الحسن البصري: أن رسول الله ﷺ كان يتمثل بهذا البيت:
كفى الإسلام والشّيب للمرء ناهيا
فقال أبو بكر: يا رسول الله، ألا قال الشاعر:
كفى الشّيب والإسلام للمرء ناهيا
فأعاده كالأول. فقال أبو بكر: أشهد أنك رسول الله (ما علمك الشّعر وما ينبغي لك). وفي الاصابة لابن حجر: سحيم، بمهملة، مصغر، عبد بني الحسحاس، بمهملات، شاعر مشهور مخضرم. أدرك النبي ﷺ وتمثل النبي ﷺ بشيء من شعره.
روى أبو الفرج عن أبي عبيدة. قال: كان سحيم عبدا أسود أعجميا.
وأخرج عمر بن شبّة والأصبهاني في الأغاني عن ابن سيرين قال: قدم سحيم على عمر بن الخطاب فأنشده قصيدته، فقال له عمر: لو قدّمت الاسلام على الشيب لأجزتك.
وقال ابن حبيب: أنشد رسول الله ﷺ قول سحيم:
الحمد لله حمدا لا انقطاع لهفليس إحسانه عنّا بمقطوع
فقال: أحسن وصدق، فان الله ليشكر مثل هذا، وإن سدّد وقارب إنه لمن أهل الجنّة.
وقد قيل إن سحيما قتل في خلافة عثمان.
وعميرة، منصوب بودع. غاديا: بالغين المعجمة، من الغدو. وذاكيا: بالذال المعجمة، من ذكى يذكي، من باب فتح يفتح، إذا فاح. والظليم، بفتح الظاء المعجمة وكسر اللام: ذكر النعام. والجؤجؤ: الصدر. وثاو: من ثوى إذا قام.
وفي الأغاني عن أبي بكر الهذلي: أن اسم عبد بني الحساس حميمة، وأنه قال
في نفسه:
أشعار عبد بني الحسحاس قمن لهعند الفخار مقام الأصل والورق
إن كنت عبدا فنفسي حرّة كرماأو أسود اللّون إنّي أبيض الخلق
وفي الأغاني عن محمّد بن سلام، وأبي عبيدة: أنشد عبد بني الحسحاس عمر ﵁:
توسّدني كفّا وتثني بمعصمعليّ وتحمي رجلها من ورائيا
فقال عمر: ويلك، إنك لمقتول.
وروى في الأغاني من طرق: أنه شبب بنساء قومه، ثم ببنت سيده فقتله سيده وأعانه قومه.
ومن قوله في أخت مولاه وكانت عليلة:
ماذا يريد السّقام من قمركلّ جمال لوجهه تبع
ما يرتجى! خاب من محاسنهاأما له في القباح متّسع
لو كان يبغي الفداء قلت لهها أنا دون الحبيب يا وجع
وأنشد:
ألم يأتيك والأنباء تنميبما لاقت لبون بني زياد
هو مطلع قصيدة بضعة عشر بيتا لقيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة العبسي، شاعر جاهلي. وبعده:
ومحبسها على القرشيّ تشرىبأدراع وأسياف حداد
كما لاقيت من حمل بن بدروإخوته على ذات الإصاد
قال ابن حبيب: ساوم الربيع بن زياد بن عبد الله بن سفيان بن قارب العبسي بن قيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة العبسي درعا كانت عنده، فلما نظر اليها وهو راكب وضعها بين يديه، ثم ركض بها فلم يردها على قيس، فعرض قيس لأم الربيع فاطمة بنت الخرشب الأنمارية، وهي تسير في ظعائن من بني عبس، فاقتاد جملها يريد أن يرتهنها بالدرع حتى تردّ عليه، فقالت له: ما رأيت كاليوم قط فعل رجل، أين ضلّ حلمك، أترجو أن تصطلح أنت وبنو زياد أبدا وقد أخذت أمهم فذهبت بها يمينا وشمالا. فقال الناس في ذلك ما شاؤوا أن يقولوا، وحسبك من شرّ سماعه.
فأرسلتها مثلا. فعرف قيس ما قالت، فخلى سبيلها واطرد إبلا لبني زياد حتى قدم بها مكة، فباعها من عبد الله بن جدعان وقال في ذلك:
ألم يبلغك والأنباء تنمي .. الأبيات
الأنباء: جمع نبأ، وهو الخبر. وتنمي: بفتح المثناة الفوقية، من نميت الحديث أنميه بالتخفيف إذا بلغته على وجه الاصلاح وطلب الخير، فإذا بلغته على وجه الافساد والتهمة قلت نميّته بالتشديد. قاله أبو عبيد وابن قتيبة. واللبون: جماعة الابل ذات اللبن. ويروى بدله، قلوص، وهي الناقة الشابة. وبنو زياد هم الربيع وأخوته. قوله: ومحبسها، أي محبس قلوص بني زياد، أراد حبسها. والقرشي:
عبد الله بن جدعان. وتشرى: تباع. والأدراع: جمع درع. والأسياف: جمع سيف. وحداد: جمع حديد، من حدّ السيف يحد حدة، أي صار حادّا. وذات الأصاد: بكسر الهمزة موضع، كانت فيه غاية في الرهان بين داحس فرس قيس بن زهير والغبراء فرس حذيفة بن بدر الفزاري، وبسببهما كانت الواقعة المشهورة في العرب بداحس والغبراء، دامت بينهم أربعين سنة. والأصاد: جمع أكمة كثيرة
الحجارة بين أجبل. وفي قوله: (ألم يأتيك ... البيت) شاهد على اثبات حرف العلة مع الجازم ضرورة، وعلى ذلك أورده المصنف في التوضيح. وعلى زيادة الياء في الفاعل، وعلى ذلك أورده هنا، فإن (ما) فاعل يأتيك، وجملة الأنباء تنمى، معترضة. وقال بعضهم: يحتمل أن يأتي وتنمي تنازعا في ما فاعمل الثاني وأضمر في الأول فلا اعتراض ولا زيادة. وقيل: فاعل يأتيك مضمر دل عليه الأنباء، أي ألم يأتك النبأ بما لاقيت، فالباء ومجرورها في محب نصب. وقيل الفاعل لبون، وفي لاقت ضميرها، أي ألم يأتك لبون بني زياد، أي خبرها بما لاقت هي. وفي سرّ الصناعة: روى بعض أصحابنا البيت، ألم يأتك، على ظاهر الجزم فلا ضرورة. وروى أيضا بلفظ:
أهل أتاك والأنباء تنمي
ففيه شاهد على الجمع بين الهمزة وهل.
وأنشد:
مهما لي اللّيلة مهما ليهأودى بنعليّ وسرباليه
هذا مطلع أبيات لعمرو بن ملقط الطائي، وهو جاهلي، وبعده:
إنّك قد يكفيك بغي الفتىوزرأه أن تركض العاليه
بطعنة يجري لها عاندكالماء من غاية الجابيه
لو أنالتك أرماحناكنت كمن يهوي إلى الهاويه
ألفيتا عيناك عند القفاأولى فأولى لك ذا واقيه
ذاك سنان محلب نصرهكالجمل الأوطف بالرّاويه
يا أيّها النّاصر أخوالهأأنت خير أم بنو جاريه
أأختكم أفضل أم أختناأم أختنا عن نصرنا وانيه
والخيل قد تجشّم أربابها الشّقّوقد تعتسف لداويه
يأبى لي الثّعلبتان الّذيقال ضراط الأمّة الرّاعية
ظلّت بواد تجتني صمغهواحتلبت لقحتها الآنيه
ثمّ غدت تنبض أحرادهاإن متفناه وإن حاديه
مهما: استفهام مبتدأ، ولي خبره. والليلة نصب على الظرف وأعيدت الجملة تاكيدا. وقيل: مه، اسم فعل بمعنى اكفف. وما وحدها استفهام. وأودى هلك.
ويركض: يدفع. والعالية: أعلى الرمح. وقيل اسم مرسلة على جهة واحدة. والغاية بمعجمة. وعاند: بمهملتين ونون، العرق الذي يخرج دمه. والجابية بجيم الحوض.
وغايتها: ما انتقب وانخرق منها. ويهوي، بكسر الواو، يسقط. وقوله: الفيتا، أورده المصنف في حرف الألف، الهاوي شاهدا على إلحاق الفعل المسند للظاهر علامة التثنية. ومعنى البيت: وصفه بالهرب، فهو يلتفت إلى ورائه في حال انهزامه فتلفى عيناه عند قفاه. وأولى: كلمة تهديد ووعيد. قال الأصمعي: معناه قاربه فأهلكه.
وذا واقية أي وقاية، مصدر على فاعلة. وسنان: اسم رجل. ومحلب بحاء مهملة، معين، والأوطف: كثير شعر العينين والأذنين. والوانية: من ونى إذا فتر. وتجشم أربابها: تحملهم على المشقة. والشق: بالفتح، المشقة. والثعلبتان: ثعلبة بن جدعان، وثعلبة بن رومان. وقوله: ضراط الأمة، ليكون أحشركم. والآنية: قال أبو زيد:
المبطئة. وقال غيره: المدركة. وتنبض: تضطرب. واحرادها: امعاؤها، وإن قال الجرمي وأبو حاتم معناه: إما متغناة وإما حادية، ومتغناة متغنية،
وأنشد:
نضرب بالسّيف ونرجوا بالفرج
أورده شاهدا على زيادة الباء في المفعول، وهي الثانية. وأما الاولى فللاستعانة.
وأنشد:
تبلت فؤادك في المنام خريدةتسقي الضّجيع ببارد بسّام
هذا مطلع قصيدة لحسان بن ثابت ﵁ يذكر فيها الحارث بن هشام وهزيمته يوم بدر، وبعده:
كالمسك تخلطه بماء سحابةأو عاتق كدم الذّبيح مدام
أمّا النّهار فلا افتر ذكرهاواللّيل توزعني به أحلامي
أقسمت أنساها وأترك ذكرهاحتّى تغيّب في الضّريح عظامي
بل من لعاذلة تلوم سفاهةولقد عصيت على الهوى لوّامي
إن كنت كاذبة الّذي حدّثتنيفنجوت منجى الحارث بن هشام
ترك الأحبّة أن يقاتل دونهمونجا برأس تمرّة ولجام
تبلت: بمثناة فوقية ثم موحدة، أي أفسدت. قال: تبّله الحب: أي أسقمه وأفسده. والفؤاد: القلب على المشهور. وقيل: باطن القلب. وقيل: غشاؤه.
والخريدة. من النساء: الحيية، وقيل العذراء. وخاؤها معجمة ودالها مهملة.
والضجيع الذي يضاجعها الى جنبها. والمراد بالبارد: البسام الثغر. ويروى: تسقى، وتشفى. والعاتق: الخمر. طمرّة: بكسرتين وتشديد الراء. قال في الصحاح:
فرس تمرّ بتشديد الراء وهو المستعد للوثب والعدو.
النص من طبعة لجنة التراث العربي (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع