تجاوز إلى المحتوى

من «شرح شواهد المغني» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)

فائدة: [نيران العرب]

قال العسكري: نيران العرب بضع عشرة نار: نار القرى، توقد للأضياف ليهتدي الطارقون إلى المنزل. ونار الاستمطار: كانوا اذا احتبس المطر عنهم يجمعون البقر ويعقدون في أذنابها وعراقيبها السّلع والعشر ويصعدون بها في الجبل الوعر ويشعلون فيها النار. ويزعمون ان ذلك من أسباب المطر. قال أميّة بن أبي

الصلت:

سلع ما ومثله عشر ماعائل ما وعالت البيقورا
للشاعر أمية بن أبي الصلت، اقرأ القصيدة

وقال الودك الطائي:

لا درّ درّ رجال خاب سعيهميستمطرون لدى الأزمات بالعشر
أجاعل أنت بيقورا مسلّعةذريعة لك بين الله والمطر

ونار التحالف: كانوا يعقدون حلفهم عندها، ويذكرون منافعها، ويدعون بالحرمان والمنع من خيرها، على من ينقض العهد، ويهوّلون بها على من يخاف منه الغدر، وخصّوا النار بذلك دون غيرها من المنافع لأن منفعتها تختص بالانسان لا يشركه فيها الحيوان. قال أوس بن حجر:

إذا استقبلته الشّمس صدّ بوجههكما حيد عن نار المهوّل حالف
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «تنكر بعدي من أميمة صائف»

ونار الطرد: كانوا يوقدونها خلف من يمضي، ولا يشتهون رجوعه. قال شاعر قديم:

وجمّة أقوام حملت ولم تكنلتوقد نارا خلفهم للتّندم

ونار الأهبة للحرب: كانوا اذا أرادوا حربا أوقدوا نارا على جبل ليبلغ الخبر أصحابهم فيأتونهم، قال عمرو بن كلثوم:

ونحن غداة أوقد في خزازرفدنا فوق رفد الرّافدينا
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «ألا هبي بصحنك فاصبحينا»

فاذا جدّ الأمر أوقدوا نارين، قال الفرزدق:

لولا فوارس تغلب ابنة وائلنزل العدوّ عليك كلّ مكان
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «يا ابن المراغة والهجاء إذا التقت»
ضربوا الصّنائع والملوك وأوقدوانارين أشرقتا على النّيران

ونار الصيد: توقد للظباء لتعشى إذا نظرت إليها، ويطلب بها بيض النّعام، قال طفيل:

عوازب لم تسمع نبوح مقامةولم تر نارا تمّ حول مجرّم
للشاعر الطفيل الغنوي، من قصيدة «أشاقتك أظعان بجفن يبنبم»
سوى نار بيض أو غزال بقفرةأغنّ من الخنس المناضر توأم
للشاعر الطفيل الغنوي، من قصيدة «أشاقتك أظعان بجفن يبنبم»

ونار الأسد: كانوا يوقدونها إذا خافوه، وهو إذا رأى النار استهالها فتشغله عن السابلة.

ونار السليم: توقد للملدوغ والمجروح إذا نزف، وللمضروب بالسياط، ولمن عضّه الكلب، لئلا يناموا فيشتد بهم الأمر حتى يؤدّيهم الى الهلكة. قال الأعشى في نار المجروح:

أبا ثابت إنّا إذا يسبقونناسنركب خيل أو ينبّه نائم
بدامية يغشى الفراش رشاشهايبيت لها ضوء من النّار جاحم

ونار الفداء: كان الملوك إذا سبوا القبيلة خرجت إليهم السادة للفداء والاستيهاب، فكرهوا أن يعرضوا النساء نهارا فيفتضحن، أو في الظلمة فيخفى قدر ما يحبسون لأنفسهم من الصفى، فيوقدون النار لعرضهن. قال الأعشى:

ومنّا الّذي أعطاه بالجمع ربّهعلى فاقة وللملوك هباتها
نساء بني شيبان يوم أوارةعلى النّار إذ تجلى له فتياتها

ونار الوسم: يقال للرجال: ما نارك؟ أي ما سمة إبلك.

قرّب بعض اللصوص إبلا للبيع، فقيل له: ما نارك؟ وكان قد أغار عليها من كل وجه. وإنما يسأل عن ذلك لأنهم يعرفون ميسم كلّ قوم وكرم إبلهم من لؤمها، فقال:

تسألني الباعة أين نارهاإذا زعزعوها فسحت أبصارها
كلّ تجار إبل تجارهاوكلّ دار لأناس دارها

وكلّ نار العالمين نارها

وقال الآخر:

يسقون آبالهم بالنّاروالنّار قد تشفي من الأوار

يقول: لما رأوا نارها خلوا لها المنهل، فشربت لعز أصحابها.

ونار الحرب مثل لا حقيقة لها. ونار الحباحب: كل نار لا أصل لها، مثل ما ينقدح بين نعال الدواب وغيرها. قال أبو حيّة:

وأوقدن نيران الحباحب والتقىغضّى نتراقى بينهنّ ولاوله
للشاعر أبو حية النميري، اقرأ القصيدة

ونار اليراعة وهو طائر صغير، إذا طار بالليل حسبته شهابا، وضرب من الفراش إذا طار بالليل حسبته شرارة.

ونار البرق: العرب يسمون البرق نارا.

ونار الحرّتين: كانت في بلاد عبس، تخرج من الأرض فتؤذي من مرّ بها، وهي التي دفنها خالد بن سنان النبي ﵊. قال خليد:

كنار الحرّتين لها زفيرتصمّ مسامع الرّجل السّميع

ونار السعالى: شيء يقع للمتغرّب والمتقفر. قال عبيد بن أيوب:

ولله درّ الغول أيّ رفيقةلصاحب ودّ خائف متقفر
أرنّت للحن بعد لحن وأوقدتحواليّ نيرانا تبوخ وتزهر

والنار التي توقد بالمزدلفة، حتى يراها من دفع من عرفة، فهي توقد إلى الآن.

وأوّل من أوقدها قصيّ. انتهى كلام العسكري ملخصا.

وأخرج الطستيّ في مسائله عن ابن عباس، عن نافع بن الأزرق، سأله عن قوله تعالى: (عَجِّلْ لَنا قِطَّنا) قال: القط الجزاء، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال:

نعم، أما سمعت قول الأعشى:

ولا الملك النّعمان يوم لقيتهبنعمته يعطي القطوط ويطلق

وأنشد:

ولقد أمرّ على اللّئيم يسبّني

قاله رجل من بني سلول، وتمامه:

فمضيت ثمّت قلت لا يعنيني

وبعده:

غضبان ممتلئا عليّ إهابهإنّي وربّك سخطه يرضيني
للشاعر شمر الحنفي، من قصيدة «لو كنت في ريمان لست ببارح»

اللئيم: الدنيء الأصل. وجملة (يسبّني) صفة لأن اللام فيه جنسية. وقيل:

حال. و (يعنيني) بمعنى يقصدني. وقوله: فمضيت: بمضى أمضى. قال الشيخ سعد الدين في حاشية الكشاف: وانما عبر بلفظ الماضي تحقيقا لمعنى الاغضاء والاعراض. واستشهد ابن مالك في شرح التسهيل به على أن المضارع المعطوف عليه ماض يكون ماضي. المعنى: فامرّ ماضي، المعنى لعطف مضيت عليه. وثمّت:

حرف عطف لحقتها الثاء. قال الشيخ سعد الدين: وذلك في عطف الجمل خاصة.

وأنشد:

تمرّون الدّيار ولم تعوجوا

هو لجرير من قصيدة أولها:

متى كان الخيام بذي طلوحسقيت الغيث أيّتها الخيام
للشاعر جرير، من قصيدة «متى كان الخيام بذي طلوح»
تنكّر من معالمها ومالتدعائمها وقد بلي الثّمام
أقول لصحبتي وقد ارتحلناودمع العين منهمل سجام
تمرّون الدّيار ولم تعوجواكلامكم عليّ إذن حرام

قال المصنف في شواهده: هكذا أنشده الكوفيون، وأنشده بعضهم:

أتمضون الرّسوم ولا تحيّا

وفيه أيضا: حذف الجار والتقدير: (أتمضون عن الرّسوم).

قلت: وكذا رأيته في ديوانه. وقال شارحه: هو بمعنى أتتركون. وقال النحاس:

سمعت علي بن سليمان، يعني الأخفش الصغير، يقول: حدثني محمد بن يزيد، يعني المبرّد قال: حدثني عمارة بن بلال بن جرير قال: إنما قال:

جدّي مررتم بالدّيار

وعلى هذا فلا شاهد فيه.

والثّمام، بضم المثلثة، جمع ثمامة، وهو نبت. وذو طلوح: بضم الطاء، اسم

موضع. وسجام، بكسر أوله، مصدر، سجم الدمع: أي سال. وتعوجوا:

من العوج، وهو عطف رأس البعير بالزمام، أي لم تميلوا الينا. وبعد هذا البيت:

أقيموا إنّما يوم كيومولكنّ الرّفيق له ذمام
للشاعر جرير، من قصيدة «متى كان الخيام بذي طلوح»
بنفسي من تجنّبه عزيزعليّ ومن زيارته لمام
للشاعر جرير، من قصيدة «متى كان الخيام بذي طلوح»
ومن أمسي وأصبح لا أراهويطرقني إذا هجع النّيام
للشاعر جرير، من قصيدة «متى كان الخيام بذي طلوح»

قال في شرح ديوان زهير قول جرير:

متى كان الخيام بذي طلوح

أي كانه لم يكن بذي طلوح خيام قط. ومن أبيات هذه القصيدة بيت استشهد به على ترك التاء من الفعل المسند إلى المؤنث، للفصل بينهما بالمفعول:

لقد ولد الأخيطل أمّ سوءعلى باب استها صلب وشام

صلب: بضمتين، جمع صليب. وشام: جمع شامة.

وأنشد:

رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهمقطينا لهم حتّى إذا نبت البقل
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو»

هو من قصيدة لزهير بن أبي سلمى يمدح بها سنان بن أبي حارثة، وأولها:

صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلووأقفر من سلمى التّعانيق فالثّقل
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو»

وقبل هذا البيت:

إذا السّنة الشّهباء بالنّاس أجحفتونال كرام المال في الجحرة الأكل
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو»

وبعده:

هنالك إن يستخبلوا المال يخبلواوإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو»
وفيهم مقامات حسان وجوههاوأندية ينتابها القول والفعل
على مكثريهم حقّ من يعتريهموعند المقلّين السّماحة والبذل
وما بك من خير أتوه فإنّماتوارثه آباء آبائهم قبل
وهل ينبت الخطّيّ إلّا وشيجهوتغرس إلّا في منابتها النّخل
للشاعر محمد ولد ابن ولد أحميدا، من قصيدة «سبت لبه من بعد كبرته جمل»

والتّعانيق والثّقل: موضعان. والجحرة: بتقديم الجيم المفتوحة، السنة

الشديدة. والبيت أورده في الصحاح شاهدا على ذلك. و (رأيت) جواب (اذا) ويروى: بضم التاء وفتحها. قال ابن قتيبة في أبيات المعاني: والقطين: الحشم والأهل. يقول: يلزمونهم حتى يسمنون. والجمع: قطن. زاد ثعلب: والقطن:

الساكن النازل في الدار. وقوله: نبت البقل: أي أخصب الناس وقوله:

(يستخبلوا) قال ابن قتيبة، قال الاصمعي، قال أبو عمرو بن العلاء: لا أعرف الاستخبال، وأراه قال (يستخولوا). والاستخوال: أن يملكوهم إياهم. وقال أبو عبيدة: أنشدنا أبو عمرو: (يستخولوا المال يخولوا) وقال: لم أسمع يستخبلوا.

وقال يونس: بلى، قد سمعه، ولكنه نسى. وقال غير الأصمعي: الاستخبال، أن يستعير الرجل من الرجل إبلا فيشرب من ألبانها وينتفع بأوبارها، فاذا أخصب ردها.

وقوله: ييسروا، من الميسر، أي يغلوا في الميسر، أي يأخذون سمان الأبل لا ينحرون إلا غالية. والمقامات: المجالس. قال ثعلب: وإنما سمّيت مقامات، لأن الرجل كان يقوم في المجلس فيحضّ على الخير ويصلح بين الناس. والأندية:

جمع ندي، وهو المجلس. و (ينتابها القول والفعل)، أي يقال فيها الجميل ويفعل به. ومكثريهم: مياسيرهم. ويعتريهم: يطلب منهم. والخطّي، بفتح الخاء المعجمة: الرمح، نسبة الى الخطّ، وهو سيف البحر عند عمان والبحرين.

ووشيجه، بالمعجمة والجيم، أصله. قال في الصحاح: الوشيجة عرق الشجرة.

ومعنى البيت: لا تنبت القناة إلا القناة، يعني أنهم كرام لا يولد الكريم إلا في موضع

كرمه. وقد استشهد المصنف بهذا البيت في التوضيح على تقدم المفعول على الفاعل لأجل الحصر.

وأخرج الطستيّ في مسائله عن ابن عباس: أن نافع بن الازرق سأله عن قوله تعالى: (والمعتر) هو الذي يعتر من الأبواب. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال:

نعم، أما سمعت قول الشاعر:

على مكثريهم حقّ من يعتريهموعند المقلّين السّماحة والبذل

وأنشد:

قد سقيت آبالهم بالنّار

هذا أنشده العسكري في كتاب الاوائل هكذا:

يسقون آبالهم بالنّاروالنّار قد تشفي من الأوار

والمراد بالنار: نار الوسم، كما تقدّم شرحه قريبا، يعني انها إذا وردت المنهل ورأوا وسمها عرفوا أصحابها، فخلوا لها المنهل لتشرب، تكريما لأصحابها، فكانت النار التي هي آلة الوسم سببا لشربها. والآبال، بالمد، جمع إبل. والأوار بضم الهمزة وتخفيف الواو: حرارة العطش.

وأنشد:

وليت لي بهم قوما إذا ركبواشنّوا الإغارة فرسانا وركبانا

تقدم شرحه في شواهد إذن.

وأنشد:

أربّ يبول الثّعلبان برأسهلقد ذلّ من بالت عليه الثّعالب
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «أرب يبول الثعلبان برأسه»

هو لراشد بن عبد ربه السلّمي الصحابي ﵁.

أخرج أبو نعيم في دلائل النبوّة من طريق حكيم بن عطاء السّلمي، ولد راشد ابن عبد ربه، عن أبيه، عن جدّه، عن راشد بن عبد ربه قال: كان الصنم الذي يقال له سواع بالمعلاة بين رهاط تدين له هذيل، وبنو ظفر من سليم، فأرسلت بنو ظفر راشد بن عبد ربه بهدية إلى سواع، قال راشد: فالفيت مع الفجر إلى صنم قبل صنم سواع، وإذا صارخ يصرخ من جوفه: العجب كل العجب من خروج نبيّ من بني عبد المطلب، يحرم الزنا والربا والذبح للأصنام، وحرست السما، ورمينا بالشهب، العجب كل العجب. ثم هتف هاتف من جوف صنم آخر ترك الضمار، وكان يعبد: خرج أحمد نبي يصلي الصلاة ويأمر بالزكاة والصيام والبر والصلات للأرحام، ثم هتف من جوف صنم آخر هاتف:

إنّ الّذي ورث النّبوّة والهدىبعد ابن مريم من قريش مهتدي

نبيّ يخبر بما سبق وما يكون في غد

قال راشد: فالفيت عند سواعا مع الفجر ثعلبين يلحسان ما حوله، ويأكلان ما يهدى له، ثم يعرجان عليه ببولهما. فعند ذلك يقول راشد:

أربّ يبول الثّعلبان برأسهلقد ذلّ من بالت عليه الثّعالب
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «أرب يبول الثعلبان برأسه»

وذلك عند مخرج رسول الله ﷺ الى المدينة. فخرج راشد حتى أتى رسول الله ﷺ بالمدينة. ومعه كلب له، واسم راشد يومئذ ظالم، واسم كلبه راشد، فقال رسول الله ﷺ: ما اسمك؟ قال: راشد.

قال: وما اسم كلبك؟ قال: ظالم. فضحك النبيّ ﷺ. وبايع النبي ﷺ وأقام معه، ثم طلب من رسول الله ﷺ قطيعة برهاط، ووصفها له. فاقطعه رسول الله ﷺ شأو الفرس، ورمية ثلاث مرات بحجر، وأعطاه ارواة مملوءة من ماء وتفل فيها وقال له: فرغها في أعلى القطيعة، ولا تمنع الناس فضولها، ففعل. فجاء الماء معينا فجمه الى اليوم، فغرس عليها النخل.

ويقال: ان رهاط كلها تشرب منه، وسماه الناس ماء الرسول. وأهل رهاط يغتسلون منه ويستسقون به. وغدا راشد على سواع فكسره. هذا أخرجه بطوله وأخرجه ابن أبي حاتم بسند له بلفظ: انه كان عند الصنم يوما، إذ أقبل ثعلبان، فرفع أحدهما رجله فبال على الصنم، وكان سادنه غاوي بن ظالم، فأنشد:

أربّ يبول الثّعلبانالبيت

ثم كسر الصنم، وأتى النبي ﷺ فقال له: أنت راشد بن عبد الله.

وقال المرزباني في معجم الشعراء: كان اسمه غويا، فسماه النبي ﷺ راشدا. وقال المدائني: راشد هذا هو صاحب البيت المشهور:

فألقت عصاها واستقرّت بها النّوىكما قرّ عينا بالإياب المسافر

وفي طبقات ابن سعد: كان اسمه غاوي بن عبد العزي، فسماه النبي ﷺ راشد بن عبد ربه.

وفيها: أن قدومه وإسلامه كان عام الفتح، وأنه شهد الفتح مع النبي ﷺ. وضبط الحافظ شرف الدين الدمياطي:

الثّعلبان في البيت بضم المثلثة واللام وقال: هو ذكر الثعالب، وهو ما ذكره الكسائي وجماعة. وقال بعضهم: انه وهم، وأن أبا حاتم الرازي رواه بفتح الثاء واللام وكسر النون على انه تثنية ثعلب.

وأنشد:

شربن بماء البحر ثمّ ترفّعت

هو من قصيدة لابي ذؤيب الهذلي وتمامه:

متى لجج خضر لهنّ نئيج

وقبله:

سقى أمّ عمرو كلّ آخر لبلةحناتم سود ماؤهنّ ثجيج
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «صبا صبوة بل لج وهو لجوج»

وأول القصيدة:

صحا قلبه بل لجّ وهو لجوجوزالت له بالأنعمين حدوج

الأنعمان: اسم موضع. وحدوج، بضم الحاء المهملة، جمع حدج: وهي مراكب النساء. وحناتم، بالحاء المهملة، الجرار الخضر. جمع حنتمة. شبه السحاب بها. وثجيج، من الثج، وهو السيلان. وترفعت: توسعت. ولجج بضم اللام، جمع لجة، وهي معظم الماء. ونئيج، بفتح النون وكسر الهمزة بعدها تحتية ساكنة وجيم، يقال: نأجت الريح تنأج نئيجا تحركت، فهي نؤج، ولها نئيج، أي مرّ سريع مع صوت. والبيت استشهد به المصنف هنا على ورود الباء بمعنى:

(من التبعيضية) واستشهد في التوضيح بعجزه على ورود (متى) حرف جر، بمعنى (من) وقد روي بلفظ:

تروّت بماء البحر ثمّ تنصبّتعلى حبشيّات لهنّ نئيج
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «صبا صبوة بل لج وهو لجوج»

فلا شاهد فيه على واحد من الأمرين.

وأنشد:

شرب النّزيف ببرد ماء الحشرج

هو من أبيات عزاها بعضهم لعبيد بن أوس الطائي، وصاحب الصحاح لجميل، وقد رأيتها في ديوانه. ووقفت عليها مسندة من وجه آخر لعمر بن أبي ربيعة في قصة طويلة. أخرج أبو الفرج الاصبهاني في الأغاني وابن عساكر في تاريخه من طريقه، أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، حدثني أبو علي الأسديّ، بشر بن موسى بن صالح، حدثني أبي عن أبي بكر القرشي قال: كان عمر بن أبي ربيعة جالسا بمنى في كساء بمضربه وغلمانه حوله إذ أقبلت امرأة برزة عليها أثر النعمة.

فسلّمت وقالت: أنت عمر بن أبي ربيعة؟ قال: ها أنا هو. قالت: هل لك في محادثة أحسن الناس وجها، وأتمهنّ خلقا، وأكملهنّ أدبا، وأشرفهنّ حسبا. قال:

ما أحبّ ذلك اليّ. قالت: علي شرط، قال: قولي، قالت: تمكنني من عينيك حتى أشدّهما وأقودك حتى إذا وصلت الموضع الذي أريد حللت الشدّ ثم أفعل ذلك (بك) عند عودك، قال: شأنك، ففعلت. فقال: قال عمر: فلما انتهت بي الى المضرب الذي أرادت كشفت عن وجهي فإذا بامرأة على كرسيّ لم أر مثلها جمالا وكمالا، فسلّمت وجلست، فقالت: أنت عمر بن أبي ربيعة؟ قلت: نعم،

قالت: أنت الفاضح للحرائر؟ قلت: وما ذاك؟ جعلني الله فداك، قالت: ألست القائل:

قالت: وعيش أخي وحرمة والديلأنبّهنّ الحيّ إن لم تخرج
فخرجت خوف يمينها فتبسّمتفعلمت أنّ يمينها لم تحرج
للشاعر عروة بن أذينة، من قصيدة «قالت وعيش أخي وذمة والدي»
فتناولت رأسي لتعلم مسّهبمخضّب الأطراف غير مشنّج
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «نعق الغراب ببين ذات الدملج»
فلثمت فاها آخذا بقرونهاشرب النّزيف ببرد ماء الحشرج
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «فلثمت فاها آخذا بقرونها»

قم فاخرج. ثم قامت وجاءت المرأة فشدّت عينيّ ثمّ أخرجتني حتى انتهت بي إلى مضربي وانصرفت. فحللت عينيّ وقد دخلني من الكآبة والحزن ما الله أعلم به، وبتّ ليلتي، فلما أصبحت اذا أنابها، فقالت: هل لك في العود؟ فقلت: شأنك، فشدّت عينيّ حتى انتهت بي الى الموضع، وإذا بتلك الفتاة على كرسي فقالت: أيها يا فضّاح الحرائر! فقلت: بماذا؟ جعلني الله فداءك. قالت: بقولك:

وناهدة الثّديين قلت لها اتّكيعلى الرّمل من جبّانة لم توسّد
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «وناهدة الثديين قلت لها اتكي»
فقالت: على اسم الله أمرك طاعةوإن كنت قد كلّفت ما لم أعوّد
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «وناهدة الثديين قلت لها اتكي»
فلمّا دنا الإصباح قالت: فضحتنيفقم غير مطرود، وإن شئت فازدد
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «وناهدة الثديين قلت لها اتكي»

قم فاخرج عنّي، فخرجت ثم رددت، فقالت: لولا وشك الرّحيل، وخوف الفوت ومحبتي لمناجاتك والاستكثار من محادثتك، لأقصيتك. هات

الآن كلّمني وحدّثني وأنشدني، فكلّمت آدب الناس وأعلمهم بكلّ شيء، ثم نهضت، فإذا أنا بتور فيه خلوق، فأدخلت يدي فيه، ثم خبأتها في ردني، ثم جاءت العجوز فشدّت عينيّ ونهضت بي تقودني حتى إذا صرت على باب المضرب أخرجت يدي فضربت بها على المضرب ثم صرت الى مضربي، فدعوت غلماني فقلت: أيّكم يقفني على باب مضرب عليه خلوق كأنه أثر كفّ فهو حرّ وله خمسمائة درهم، فلم ألبث أن جاء بعضهم فقال: قم، فنهضت معه فإذا أنا بكفّ طريّة، وإذا المضرب مضرب فاطمة بنت عبد الملك بن مروان، فأخذت في أهبة الرّحيل، فلما نفرت نفرت معها، فبصرت في طريقها بقباب ومضرب وهيئة جميلة فسألت عن ذلك، فقيل لها: هذا عمر بن أبي ربيعة، فساءها أمره وقالت للعجوز التي كانت ترسلها إليه: قولي له نشدتك الله والرّحم أن لا تفضحني، ويحك، ما شأنك وما الذي تريد؟ انصرف ولا تفضحني وتشيط بدمك.

فصارت إليه العجوز فأدّت إليه ما قالت فاطمة، فقال: لست بمنصرف أو توجّه إليّ بقميصها الذي يلي جلدها، فأخبرتها ففعلت ووجّهت إليه بقميص من ثيابها، فزاده ذلك شغفا، ولم يزل يتبعهم لا يخالطهم حتى إذا صاروا على أميال من دمشق انصرف وقال في ذلك:

ضاق الغداة بحاجتي صدريويئست بعد تقارب الأمر
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «ضاق الغداة بحاجتي صدري»
وذكرت فاطمة الّتي علّقتهاعرضا فيا لحوادث الدّهر
ممكورة ردع العبير بهاجمّ العظام لطيفة الخصر
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «ضاق الغداة بحاجتي صدري»
وكأنّ فاها بعد ما رقدتيجري عليه سلافة الخمر
وبجيد آدم شادن خرقيرعى الرّياض ببلدة قفر
لمّا رأيت مطيّها حزقاخفق الفؤاد وكنت ذا صبر
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «ضاق الغداة بحاجتي صدري»
فتبادرت عيناي بعد همّوانهلّ مدمعها على الصّدر
ولقد عصيت ذوي أقاربهاطرّا وأهل الودّ والصّهر
حتّى إذا قالوا وما كذبواأجننت أم بك داخل السّحر

قوله: غير مشنّج، بضم الميم وفتح الشين المعجمة وتشديد النون وجيم، والتشنج: تقبض في الجلد. واللثم: بمثلثة، القبلة. قال في الصحاح: وقد لثمت فاها بالكسر، إذا قبلتها، وربما جاء بالفتح. قال ابن كيسان: سمعت المبرّد ينشد قول جميل:

فلثمت فاها آخذا بقرونها

بالفتح انتهى. والقرون: ضفائر شعر الرأس. والنزيف: بزاي وفاء فعيل، بمعنى مفعول: أي منزوف ماؤه، وأراد به المنزوف من الخمر، نزف من إنائه ومزج بالماء البارد. والحشرج: بفتح المهملة والراء بينهما شين معجمة ساكنة آخره جيم، قال ابن السكيت: وحشرج، ماء يكون فيه حصى. وقال غيره: هو ماء تنشقه الأرض من الرمل، فإذا صار إلى صلابته أمسكته فتحفر عنه الأرض فستخرج. وقوله شرب النزيف، بالنصب، صفة مصدر محذوف، وتقديره:

فلثمت فاها ومصصت ريقها وشربتها شربا مثل:

شرب النّزيف ببرد ماء الحشرج

فشرب مصدر مضافا لفاعله، وبرد مفعول، والباء فيه زائدة، وفي: بقرونها للتبعيض. وقوله:

فقالت على اسم الله أمرك طاعة

أورده المصنف في الكتاب الخامس شاهدا على أن لمحذوف في نحو قوله تعالى (طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ) المبتدأ، أي أمرنا للتصريح به في البيت.

وأنشد:

كنواح ريش حمامة نجديّةومسحت باللّثّتين عصف الإثمد
للشاعر خفاف بن ندبة السلمي، من قصيدة «كنواح ريش حمامة نجدية»

هذا لخفاف بن ندبة. قال الأعلم: أراد، كنواحي، فحذف الياء ضرورة.

وقد استشهد به سيبويه على ذلك. ووصف في البيت شفتي امرأة، فشبهها بنواحي ريش الحمامة في رقتها ولطافتها وحزنها، وخص الحمامة النجدية، لأن الحمام عند العرب كل مطوّق كالقطا وغيره. وإنما قصده منها إلى الحمام الورق، وهي تألف الجبال والحزون. والنجد: ما ارتفع من الأرض، ولا تألف الفيافي والسهول كالقطا ونحوه. قال: والرواية الصحيحة: ومسحت، بكسر التاء، وأراد أن لثاتها تضرب الى السمرة، فكأنها مسحت بالأثمد. وعصف الأثمد: ما سحق منه، وهو من عصفت الريح، إذا هبت بشدة فسحقت ما مرت به وكسرته، وهو مصدر، أريد به المفعول، كالخلق بمعنى المخلوق. ويروى: بضم الثاء، ومعناه قبلتها، مسحت عصف الاثمد في لثمها، انتهى. وقال الزمخشري: البيت عزاه قوم لابن المقفع، وليس كما قالوا. وأراد بالحمامة النجدية: الفاختة لأنها لا تسكن الغور وتهامة وما والاهما، وإنما تسكن في نجد. والعصف: ورق الزرع، وليس الأثمد بشيء ينبت فيكون له ورق، لأنه حجارة ولكنه من الأشياء التي لا تكون ببلاد العرب، فلا يقفون على حقيقته كقوله:

ولم تذق من البقول الفستقا

شبه سواد لثة المرأة بسواد أطراف ريش الحمامة. وأراد مسحت اللثتين بعصف الأثمد، فقلب لعدم الألتباس. وقال بعضهم: عصف الأثمد: سحيقه، وهم يجعلون

الأثمد على اللثة شبه الوشم في اليد، انتهى. واللّثة، بكسر اللام ومثلثة مخففة، ما حول الأسنان من اللحم، وأصلها لثي، والهاء عوضا من الياء. والأثمد، بكسر الهمزة والميم، حجر الكحل.

النص من طبعة لجنة التراث العربي (١٣٨٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح شواهد المغني»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.